المشهد الاستراتيجي الجديد يدفع الناتو إلى التغيير

تعتبر الأزمات الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط واحدة من أبرز التحديات التي يواجهها الناتو وتدفعه إلى طرح إستراتيجيات جديدة لمواجهتها. وقد أكّد ذلك مسؤولون في حلف شمال الأطلسي التقتهم “العرب” خلال ورشة أقيمت بمقرّ الحلف في بروكسيل. وقد بدا واضحا من خلال تصريحات المسؤولين مساعي الحلف إلى تجميل صورته لدى دول الشرق الأوسط، إثر الانتقادات التي وجّهت له بالتسبّب في انهيار ليبيا إثر عمليته العسكرية في 2011.
السبت 2015/06/13
مشاركة الناتو في بعض العمليات العسكرية لا يلاقي موافقة الجميع

أشهر معدودة ويتسلم العاملون بحلف شمال الأطلسي (الناتو) المقر الجديد في بروكسل، لكن يبدو أن قيادة الحلف أرادت أيضا أن يواكب افتتاح المبنى الجديد إطلاق صورة جديدة لسمعة الحلف ومهامه، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، بعد أن تحول منذ انهيار الاتحاد السوفييتي إلى منظمة سياسية أكثر منها عسكرية.

وفي سياق تحسين صورة حلف شمال الأطلسي والسير في طريق التغيير، على ضوء التهديدات الإرهابية والتحديات الأمنية التي تفرض على دول حلف شمال الأطلسي، عبر التعاون وتوثيق الصلة بدول الشرق الأوسط، شاركت “العرب” في ورشة عمل، عقدت مع 25 إعلاميا مصريا على مدار ثلاثة أيام في بروكسل، واختتمت أعمالها، أمس الجمعة، بهدف توضيح مفاهيم تتعلق بمهام الحلف ومؤسساته العلمية والبحثية.

وكان من الطبيعي أن تركزت معظم أعمال الورشة على مهمة الحلف في ليبيا، وتحدث مسؤولو الناتو عن مبررات الضربة وما حققته، خاصة أن انتقادات كثيرة وجّهت إلى الحلف تحمّله مسؤولية انهيار البلاد وتحوّلها إلى بؤرة إرهابية وعدم القيام بالمهمة كاملة في الأراضي التي أصبحت مرتعا مناسبا لانتشار الجماعات التكفيرية، وعلى رأسها داعش.

التدخل في ليبيا

أولى المسؤولون اهتماما بالحديث عن العملية الوحيدة للحلف في الشرق الأوسط خلال السنوات الماضية، وهي العملية العسكرية التي تمت في ليبيا لإسقاط نظام القذافي عام 2011، مؤكدين أن الناتو كمنظمة لن يسمح بمزيد من العمليات العسكرية في ليبيا، ولا يمكن أن يتدخل من جديد، إلا إذا توافرت الظروف القانونية التي تسمح لـ28 دولة أعضاء بالمشاركة، وموافقة جميع الأعضاء على القيام بمهمة جديدة، وأن تكون هناك أهمية (قيمة مضافة) للمشاركة، بمعنى عدم التضارب مع لاعبين آخرين “يقومون بمهمات مشابهة في ليبيا”، كما يلزم التقيد بعدم التدخل في أعمال السيادة والأمن الوطني لدول أخرى.

حقائق عن حلف الناتو

متى نشأ حلف شمال الأطلسي؟

تأسس حلف شمال الأطلسي عام 1949 ردا على تجمع القوات السوفييتية في منطقة شرق أوروبا.

ماهي أهداف الناتو؟

يتمثل الهدف الأساسي للناتو، وفق ما جاء في الموقع التعريفي بالحلف، في حماية حرية وأمن أعضائه من خلال الوسائل السياسية والعسكرية.

متى يتدخل الحلف؟

يلتزم حلف شمال الأطلسي بالسعي إلى حل النزاعات بالطرق السلمية. وفي حالة فشل الجهود الدبلوماسية، يمتلك الحلف القدرة العسكرية لخوض عمليات إدارة الأزمات.

ويتم تنفيذ هذه العمليات بموجب المادة رقم 5 من معاهدة واشنطن - التي تم تأسيس الحلف بموجبها- أو بتفويض من الأمم المتحدة، في إطار منفرد أو بالتعاون مع دول ومنظمات دولية.

كم عدد قوات الناتو؟

يبلغ عدد قوات الحلف المنتشرة في العالم مئة وخمسة وثلاثين ألف جندي. مئة وستة وعشرون ألفا منهم في أفغانستان وحدها. سبعة آلاف في كوسوفو. مئة وسبعون في العراق لتدريب قواته الأمنية.

وحظي البحر المتوسط ببعثة مراقبة بحرية تابعة للحلف وأخرى في القرن الأفريقي لمكافحة القرصنة الصومالية. كما يقوم الحلف بمساعدة قوات الاتحاد الأفريقي في مهمات حفظ السلام.

وقال قيادي بالحلف لـ”العرب” إن الناتو لم يتدخل في أي دولة إلا وكان معه طرف آخر، أي حلفاء غير منتمين للمنظمة، لتوفير المستوى الإستراتيجي والتكتيكي المطلوب، مشيرا إلى أن مشاركته في العمليات العسكرية في ليبيا تمت، بموافقة الأمم المتحدة والجامعة العربية والاتحاد الأوروبي، مشددا على أن الحلف يتدخل لحل الأزمات فقط وجلب الاستقرار بمساعدة المجتمع الدولي.

ونفى المصدر أن يكون الحلف أداة في يد الولايات المتحدة، لأن أي قرارات تصدر بالإجماع وليس بالأغلبية، لذلك فالوصول إلى قرار موحد من جميع الأعضاء ليس بالعملية السهلة. وزعم المسؤول أن العملية العسكرية في ليبيا تمت بنجاح وحققت أهدافها، لكن كان يجب على المجتمع الدولي أن يقوم بدوره بعد العملية، ويسعى إلى تحسين البيئة السياسية في البلاد.

واتهم الليبيين أنفسهم بـ”التقاعس عن التعاون مع الحلف، وعدم السعي لطلب المساعدة من المجتمع الدولي، من هنا حققت بعض القوى الإقليمية مكاسب خاصة بها، وسعت إلى تدمير ليبيا من الداخل”.

وانتقد مصدر آخر في حلف الناتو ما وصفه بالتناقض في أن يطالب البعض بالتدخل لحل الأزمة الليبية، ومن ناحية أخرى ينتقد العملية التي قام بها الحلف هناك، قائلا “ذهبنا في 2011 على أسس قانونية ومطالبات عربية، وبسرعة استطاع الحلف أن يفرض حظر الطيران ويحمي المدنيين”.

وأوضح القيادي في الحلف، أن الناتو بعد العملية لم تقدّم له أي مطالب، سواء من الليبيين أو من العرب بالمساعدة، وكل ما قدمه المساعدة في تكوين مؤسسات أمنية، ثم سحبت هذه المطالبات بعد تغيير الحكومة. ولفت المتحدّث إلى أنه لا بد أن يكون هناك طلبا صريحا للمساعدة في أي مجال “والليبيون كانوا يرون أنهم غير محتاجين، ثم تطور الوضع الأمني في البلاد، بما لا يسمح أن يقدم أحد هذه المطالب، كما أن أطرافا أخرى كانت موجودة قد يتضارب ما تقوم به مع ما يمكن أن يقوم به الناتو”.

وأضاف المصدر قائلا إنه إذا قدم المسؤولون الليبيون طلبات بالمساعدة، فالناتو على استعداد للقيام بهذه المهمة، مشيرا إلى أن الحلف لا يملك شرعية (مقومات) التدخل في الوقت الحالي، بعد أن تطورت الأوضاع وتدهور الأمن في ليبيا، ولم يستطع المواطنون تحقيق ما يريدونه.

وقال بلا مواربة “نريد التدخل وفقا للقانون، وبشرط حدوث اتفاق على بناء مؤسسات ليبيا من جديد”. وتابع من أجل تحسين الأوضاع في ليبيا “لا بد أن تتحمل المسؤولية أيضا دول المنطقة، وتدعم وساطة الأمم المتحدة”، مضيفا، ليبيا ضحية لتضارب المصالح بين العديد من الدول.. ونحن مسؤولون عن دعم الحوار الذي يتبناه المبعوث الأممي برناردينو ليون ويحاول أن يوجده، بعد أن انتشر الإرهاب، وحدث فراغ في القوى، استغله تنظيم داعش.

واستطرد مؤكدا أنه من الضروري للحلف أن يدعم جهود الأمم المتحدة لتوفير الأمن في ليبيا، من خلال الحوار وإجبار الجميع للجلوس على طاولة المفاوضات، وبناء قدرات الدفاع والمؤسسات وتشكيل حكومة مركزية قوية، وختم حديثه قائلا “حان الوقت لأن يتحمل الجميع مسؤولياته في ليبيا”.

وفي نفس التوجّه، اعترف قيادي آخر في الناتو بعدم وجود خطط كافية من قبل الحلف لفترة ما بعد العمليات في ليبيا، على الرغم من أن ما حققه الحلف هناك يعتبر نجاحا كبيرا، حيث أسقط نظام القذافي، لكن لم يتم تحديد وظيفة ومهمة محددتين للحلف للقيام بهما بعد العمليات العسكرية، وبالتالي لم يكن هناك تخطيط كامل لوقف تدفق الأسلحة، مطالبا بأن يتم التعامل مع الأزمة الليبية على مستوى أممي، حيث يستطيع الناتو المشاركة مجددا، إذا طلب منه ذلك.

وحول تسهيل تركيا عمليات عبور الإرهابيين من دول مختلفة إلى الأراضي السورية والعراقية، رفض مسؤولو الحلف توجيه أي اتهامات لـ”أنقرة”، مؤكدين أن تركيا وكل أعضاء الحلف يعملون من أجل استقرار المنطقة، لكن اعترفوا ضمنيا بأن تركيا لا تستطيع ضبط الحدود، وهناك من يهرب أو يعبر الحدود سرّا.

ولفت قيادي آخر بالحلف إلى أن الناتو لا يتدخل بشكل مباشر في محاربة داعش ومكافحة الإرهاب، لأن هناك دولا أكثر دراية بهذه الجماعات المتطرفة، وإن كان لم ينف دعم الحكومات في إطار طلب تدخل مباشر من قبل مجلس الأمن الدولي، كما يتم تبادل المعلومات المخابراتية التي تتعلق بالإرهابيين مع كل الدول، سواء أعضاء الحلف أو خارجه.

وأكد المسؤول، أن الحلف يرفض التدخل في العراق لمواجهة داعش، بسبب وجود ائتلاف دولي يقوم بهذه المهمة تقوده الولايات المتحدة، مشيرا إلى أن أعضاء الحلف يشاركون في التحالف، لكن ليس تحت مظلته الرسمية.

وأوضح أن ما يمكن أن يقوم به الحلف في العراق يتلخص فقط في “مساعدته على بناء قدراته الدفاعية، من خلال تقديم دورات تدريبية للقوات العراقية، والمشورة الفنية، حتى يعود العراق إلى وضعه الطبيعي”. واستطرد أن استخدام القوة العسكرية وحدها “لا يمكن أن يحل المشكلة، والحل في يد الدول التي لديها القدرة وتسيطر على الشباب وتحافظ على أفكارهم، حيث تجنّبهم الاتجاه إلى التطرف”.

لعنة الإرهاب

كشف مسؤول آخر في الناتو أن مساهمة الحلف في الحرب على الإرهاب تتلخص فقط في “تقديم المشورة، دون الذهاب إلى ساحة القتال”. وقال إن قوات “درع المحيط” متواجدة في البحر المتوسط لحماية الدول الأعضاء في الحلف، إذا تعرضت للخطر من قبل الجماعات الإرهابية، كما أن هذه القوات تساهم في قطع الإمدادات عن داعش.

مراسل "العرب" يطلع على مجسم مبنى حلف الناتو الجديد

وأشار مسؤول في قسم التحديات الأمنية الطارئة في الناتو، إلى أن الإرهاب أصبح وباء ولعنة، وينتشر في منطقة الشرق الأوسط بأكملها، ما يمثل تحديا كبيرا أيضا لأوروبا، بحكم القرب الجغرافي وموجات الهجرة غير الشرعية ومخاطر عودة الإرهابيين في داعش إلى الأراضي الأوروبية، موضحا أن الإرهاب في المنطقة أصبح “هم كبير للمواطنين في الشرق الأوسط، وللوكالات العاملة في حفظ السلام والأمن”.

ورحب مسؤولون في الحلف بتأسيس القوة العربية المشتركة، وقالوا إن “التنسيق والجهد المشترك كانا غائبين في كثير من القضايا، وعزوا ذلك إلى اختلاف اهتمامات ومصالح الدول العربية”، وأضافوا أن تأسيس مثل هذه القوة “بداية ومؤشر جيد على أن دول المنطقة باتت تتحمل مسؤولياتها تجاه أمن المنطقة، والحفاظ على السلم والأمن”.

وحول القضية الفلسطينية، أكد قادة الحلف على أهمية حلها لضمان السلم والأمن في المنطقة، لكنهم أوضحوا أن هذا لا يعني أن الحلف لديه القدرة على إحلال السلام في كل مناطق العالم، خاصة أن القضية الفلسطينية من المشكلات التي ينظر إليها الحلف باعتبارها مشكلة طويلة الأجل، وليس لديهم تفويضا أمميا للتدخل في هذه القضية، ولم يطلب منهم الفلسطينيون القيام بدور مباشر في حل هذه القضية.

جميع اللقاءات أجريت مع قيادات رئيسية في الحلف، ورؤساء أفرع وأقسام حساسة، وسمح لـ”العرب” بتغطية الورشة شرط عدم تسجيل اللقاءات وعدم ذكر أسماء القادة في أي تقرير مكتوب.

7