المشهد الثقافي العراقي أفسدته آفة الطائفية

الأربعاء 2014/07/02
تهمة الطائفية ألصقت زورا بمسيرة الباحث محمد صابر عبيد الإبداعية

الموصل- الكثير من النقاد، خاصة في مشهدنا الثقافي العراقي، يعملون تحت الطلب، وفي أغلب الأحيان يكتبون انسياقا واستجابة وخضوعا لعلاقاتهم الشخصية التي عادة ما تحكمها روابط الشللّية، وليس استجابة لما تحمله التجربة الإبداعية من محمولات فنية تستحق التوقف عندها وقراءتها، أضف إلى ذلك، مسألة أخرى، هي أشد سوءا إن لم تكن أشد خطورة ــ ألا وهي: بروز قضية الانتماء الطائفي على ظاهر المشهد الثقافي.

قد تبدو هذه الظاهرة شديدة الغرابة، خاصة لأولئك الذين لا يعرفون الواقع العراقي بكل تعقيداته واشتباكاته المجتمعية التي طَفَت على سطحه بعد العام 2003.


سياسة التملق


ماركيز وتشيخوف ونجيب محفوظ وصنع الله إبراهيم وديستويفسكي ووالت ويتمان وأحمد فؤاد نجم وسعدي يوسف والأبنودي، وبقية الكتَّاب والشعراء المؤثرين في الوعي الإنساني، هُمْ، أكبَر مِن أنْ يتملّقوا إلى النُّقاد، حتى يكتبوا عنهم، ذلك لأنَّهم وبفعل ثراء تجربتهم الإنسانية وصدقهم مع ذاتهم، أبعد من أنْ يمارسوا الخديعة مع القرَّاء، ليؤكدوا لهم أهميَّة ما يكتبون. ونحن، القرَّاء، أيضاً، لسنا مِن الغَباء، بما يكفي لكي نستعين بالنقَّاد، حتى نُدركَ من هو الكاتب الذي يستحق القراءة ومن الذي لا يستحق.

ويمكن لأي مراقب ثقافي، الإمساك بإشاراتٍ وإيحاءاتٍ حول هذا العامل، بما لا يقبل الشك، بمجرد دخوله إلى مواقع التواصل الاجتماعي، لتنكشف أمامه جوانب من هذه الصورة المُخجلة.. فعلاماتُ وعباراتُ الإعجاب حول نصوص وكتابات أدبية، يتمُّ تبادلها، حصريا، بين أبناء الطائفة الواحدة من الأدباء والشعراء. هذا ما تكشفه دلالة أسمائهم التي تؤكد انتماءهم الطائفي. وفيما لو كُسِرَت هذه القاعدة هنا وهناك، من هذا الاسم أو ذاك، فإن ذلك سيكون بدوافع تهدف إلى إبعاد تهمة الطائفية عن النفس، ليس إلاّ. بالشكل الذي يُمكن تفسيره، في كثير من الأحيان، ضمن إطار الخوف من تبعات أن تُلصق تهمة الطائفية بالمبدع.


مواقف غريبة

تخطيط: ساي سرحان


في هذا السياق، نجد أي ناقد متمرِّس ورصين، بات في موقف حَرج ٍ، حتى لو كان شخصية أكاديمية مرموقة، ذلك لأنه، عندما يُقدِم على تسجيل ملاحظات نقدية حول شاعر ما، يُحسب، اليومَ، على طائفة آخرى غير طائفة الناقد، عندها سيجد أمامه سيلا من كتابات حانقة محتقنة يقف وراءها جيش من الكتاب، ينتمون إلى طائفة الشاعر المنقود، مُعلنة هجوما كاسحا ضده، تشكيكا بمؤهلاته النقدية، وتسقيطا لوطنيته!

في هذا السياق لا بدّ أن نستذكر حادثة وقعت للناقد الأكاديمي محمد صابر عبيد في جامعة صلاح الدين بمدينة تكريت عام 2009، وكانت خير دليل على ما ذهبنا إليه في هذا المقال من تصور واقعي للمشهد الثقافي العراقي.

فبعدَ أن ثبَّتَ الباحث محمد صابر عبيد مجموعة ملاحظات أمام إحدى طالبات الدراسات العليا، كانت قد اختارت الشاعر حسب الشيخ جعفر ليكون موضوع أطروحتها، وذهب بملاحظاته في اتجاه اختيار شاعر آخر، بذريعة أن حسب الشيخ جعفر قد نال كفايته من الأطروحات والبحوث الأكاديمية التي كانت قد تناولته بالبحث والتشريح بما يكفي، مشيرا إليها بأن تختار اسما آخر، لم يأخذ نصيبه من البحث.

إلاّ أن الوسط الأدبي العراقي كان له موقف غريب، من رأي محمد صابر عبيد اتَّسم بالتشنج الواضح، وكشف بين طياته، عن بعد طائفي لا سبيل لإخفائه، بعد أن كانت قد وصلت إلى الوسط الأدبي إشارات محرّفة عن تلك الملاحظات، تم تأويلها وتفسيرها وفقا لما تشتهي الأهواء والأمزجة الطائفية، مع أنها لم تكن تحمل في ظاهرها ولا باطنها أية إشارات طائفية يمكن بموجبها أن يتشكل ذاك الموقف الذي اتخذه عدد كبير من الأدباء والكتاب العراقيين.


ولاء طائفي


إذا ما أخذنا بعين الاعتبار المحيط الاجتماعي العراقي الملتهب والمحتقن طائفيا خلال الأعوام التي أعقبت الاحتلال الأميركي عام 2003، عندها لن نتفاجأ أن يشكل هذا المناخ العَكِر، بيئة خصبة تنمو وتزدهر فيها الأعشاب والأشواك الطائفية ولن يستثنى من ذلك، الحقل الثقافي.

من هنا، كان متوقعا جدا أن نشهد، تسقيطا، لم نشهد له مثيلا في تاريخ الثقافة العراقية لشخصية الناقد صابر عبيد، كشفته سلسلة مقالات توالى على كتابتها عديد من الأدباء والشعراء، وكانت ضمن القائمة تلك، أسماء رصينة في الثقافة العراقية، لكنها وعلى غير طبيعتها التي عُرفت بها، أفصحت عن ولائها العميق للخيار الطائفي، متخلية بذلك عن موقعها الأدبي الرفيع الذي يمنحها خيار الدقة والموضوعية في اختيار ما هو يناسب وينسجم مع قضية لا تخرج عن كونها:أدبية علمية أكاديمية.

وحتى بعد أن كتب عبيد مقالة هادئة، تشبه طبعه وسلوكه الأنيق والمنضبط في كل الأوقات، كشف فيها، ما كان قد التبس على الآخرين، في فهمهم لتفاصيل الموضوع، لم تهدأ ثائرة الكثير منهم! وظلوا على ما هم عليه من موقف خاطئ، متمسكين بما جادت به قناعاتهم من أفكار وتخريجات مخجلة لا أساس لها من الصحة، ولا تليق بهم، باعتبارهم يشكلون بوجودهم وحضورهم: النخبة المثقفة في المجتمع العراقي. كما لا تليق بأن تلصق تهمة الطائفية زورا وبهتانا بشخصية ومسيرة الباحث عبيد الإبداعية، باعتباره شاعرا قبل أن يكون ناقدا أكاديميا رصينا.

وكان يكفي اسمهُ وحدهُ، بما أنجزه من إرث فني ونقدي ذاع صيته وشهرته في الأوساط الأكاديمية العربية، لكي لا يذهب سوء الظن بجوقة الأقلام التي رفعت ضده تشهيرا وإساءة.

إنَّ بيئة مُلبَّدة سماؤها بالأكاذيب، لا يمكن أن تكون حمولتها إلاّ مطر صيف. وسنصحو على أرضها، بين يوم وآخر، على أكداس من الكتب والعناوين الجديدة تطبع وتطرح في المكتبات، لكنها لا تحمل أية قيمة في مسار التراث الأدبي والإنساني.

ولن تخدعنا عشرات الدراسات والمقالات والأطروحات الجامعية التي تستعين لأجل البحث والتنقيب بمناهج الحداثة وما بعد الحداثة، لكن، وفق شروط فئوية وطائفية وشللية وقبلية.

15