المشهد الجزائري: موزاييك الأحزاب والفشل في بناء طور المجتمع

السبت 2014/05/10

كيف نفهم حقيقة غياب حياة سياسية ديناميكية وديمقراطية تشاركية في الجزائر؟ ولماذا سيطر الرجل الواحد وحاشيته على الحكم فيها في عهد الحزب الواحد سابقا، ولا يزال يسيطر عليها في عهد التعددية الحزبية الشكلية الآن؟ هل يمكن تفسير هذه الأحادية التي تعوق التقدم المدني والحضاري والأخلاقي، والتي تنتج نفسها على نحو نمطي وتفرض هذا الجمود السياسي الذي لا نظير له، بأنها نتاج لعدم وجود بذور الثقافة الديمقراطية وأخلاقيات التداول على الحكم في نسيج هذا البلد، أم أن الأمر يعود أصلا وفصلا إلى انعدام أحزاب مؤسسة- عملا وفكرا وأخلاقا- على المبادئ والمشاريع والارتباط الوثيق بالقاعدة الشعبية؟

إن ظاهرة ما حدث مؤخرا في الانتخابات الرئاسية الجزائرية التي أسفرت كالعادة عن فشل الأحزاب التي شاركت فيها أو التي قاطعتها ودعت في الوقت نفسه المواطنين والمواطنات إلى نبذها، وعن فشل المرشح الانفرادي علي بن فليس فشلا ذريعا في تسجيل أية نتيجة تكسر نمطية الأمر الواقع، تستحق بالفعل تحليل أسبابها التي غالبا ما يغفل عنها المراقبون للشأن الجزائري سواء في الداخل أوفي الخارج معا.

كما هو واضح فإن ما حدث في هذه المرَة لم يشذ عن القاعدة، حيث أنه ليست المرة الأولى التي تنفجر فيها فقاعات ما يسمى بزعماء وقيادات أحزاب المعارضة الجزائرية في اختبار الانتخابات الرئاسية، ومنها التي جرت مؤخرا بل إن هذه الأحزاب قد اندحرت مرارا وتكرارا. لقد بلغت مأساة رؤسائها وقياداتها ذروتها الدرامية هذه المرَة عندما وجدنا المترشحين منهم، وغير المترشحين أيضا للسباق الرئاسي الأخير لا يعترفون بالفشل في الانتخابات أولا، ولا ينسحبون ثانيا من منصب رئاسة الأحزاب وترك المجال للكفاءات وللوجوه غير النمطية وغير المستهلكة لتتولى العمل السياسي القيادي البديل إذا كان هناك بديل يذكر.

لقد تعودنا من رؤساء الأحزاب الجزائرية، وبشكل دائم، الإصرار على التشبث برئاسة ما يدعونه “أحزابهم” التي يعتبرونها بمثابة ملكية خاصة على مدى سنوات طويلة. على هذا الأساس بالذات تكون الجزائر مقيدة بثقافة الحزب الواحد والزعيم الأوحد. في هذا السياق بالذات لاحظ المراقبون أنَ المترشح علي بن فليس- المستقل شكلا والذي يتميز بكونه ابن ثقافة وتقاليد حزب جبهة التحرير الوطني المتكلس، والذي كان رئيسا لديوان الرئيس بوتفليقة ومن ثم وزيرا للعدل وبعدئذ رئيسا للوزراء ورئيسا لحزب جبهة التحرير في عهد رئاسة بوتفليقة ذاته- لم يتعظ من خسارتين ساحقتين أمام بوتفليقة في استحقاقين انتخابين رئاسيين عام 2004 وفي 2014، بل إنه يريد أن يمضي إلى آخر الشوط، حيث أودع هذا الأسبوع ملف ما دعاه شخصيا بـ”حزبه” لدى السلطات الرسمية في انتظار اعتماده رسميا والبت فيه بالقبول أو تسويف دراسته أو رفضه كليا.

أعتقد أن الإجابة عن الأسئلة المطروحة تتطلب منَا أن نحلل أصول البنية الذهنية الجزائرية التي تنتج لنا هذا النمط من التفكير المغرق في الفردية المغلقة حد النرجسية، وهذا الأسلوب من الممارسة السياسية المؤسسة على وازع سيطرة الفرد الواحد على المشهد السياسي بواسطة استخدام أسلوب “الغاية تبرر الوسيلة” الذي ينتهي بالتشبث بالحكم وبالسلطة حتى يزحزح بالانقلاب أو يزحزحه الموت.

لفهم هذه الوضعية المرضية والعرجاء سأستعين هنا بآراء الراحل مصطفى الأشرف، الذي يقدم نفسه كمنظر أيديولوجي للجزائر، والذي شغل مناصب قيادية عليا في الهرم الأعلى للحكم منها منصب وزير الخارجية، علما أنه كان أيضا جزءا عضويا من بنية الحزب الواحد ولم يتمرد عليها إطلاقا. سأستعين بآراء الأشرف من أجل مقاربة وتحليل البنية العميقة للمجتمع الجزائري التي تفرز أزمة السلطة، وعقد الذهنية الديكتاتورية وتطبيقاتها في الممارسة.

يقول الأشرف في كتابه المعروف في الأوساط السياسية والفكرية الفرنسية والجزائرية وهو: «الجزائر: الأمة والمجتمع» إن مرحلة الاستقلال قد شهدت بروز “خريطة اجتماعية مغلوطة نسبيا، كنتيجة لطموح البرجوازية الصغيرة التي أخذت تلعب على الحبلين، ونتيجة لترقية غير متوقعة في السلم الاجتماعي”. ومن جهة أخرى يضيف مشخصا أزمة الجزائر بعد الاستقلال قائلا إن: “الآثار المترتبة على هذه الوضعية ستظهر لا محالة عن قريب، لأنَ كل سياسة قائمة على العصبية والإقطاعية، أو على البرجوازية الانتهازية المتظاهرة بالإصلاح، مثل هذه السياسة كثيرا ما تجنح إلى الخرافات، فتزعم بأنها وحدها القادرة على إنقاذ الوضع وتسيير شؤون البلاد، من غير أن تستعمل الأساليب الديمقراطية الشعبية”.

وفي مكان آخر من كتابه يلخص الأشرف خصائص “أمّ” المشكلات التي بترت النمو الطبيعي للمجتمع الجزائري في فترة الاستقلال التي تميزت بعدم العمل الجدي، وفي إطار مشروع حضاري، على بناء معمار ثقافة وطنية جزائرية نقدية ومتطورة ومتفتحة، على نحو حواري، على نبض العصر الحديث. يقول مصطفى الأشرف: “لو قامت هذه الثقافة بشيء من التعديل في اتجاهها لتصدت لمعالجة النقائص والقضاء على الضحالة الفكرية التي كانت تعاني منها الإطارات والشبيبة المناضلة، ولعملت على الصعيدين الفكري والمدني للانتقال من طور الأمة إلى طور المجتمع. ولكنها عجزت عن القيام بهذا العمل، لأنها كانت تحمل في طياتها معوقات، وهذه المعوقات انضافت إلى الخرافات المعرقلة للحركة والموروثة عن الماضي، والباقية على حالها في الحاضر، رغم ما طرأ عليها من تغير شكلي”.

عدم المرور بمرحلة التصور الوطني الجماعي لطور المجتمع الحداثي على أساس المواطنة، والعمل وفق نظرية مشتقة من خصائص الجزائر ذات الجذور المدعوة بالجماعية الأفريقية وتجسيده ميدانيا على ضوء منظور فكري علمي مرتبط بجماليات وفاعلية الأخلاقيات السياسية المتحضرة، كان سببه المباشر والمضمر في آن معا الدوران في فلك استعادة وتفعيل لذهنية وثقافة العصبية في داخل فوضى التجمعات السكانية عبر كامل التراب الجزائري التي حلت محل مجتمع يفترض فيه أن يكون كيانا له هوية مشتركة ومؤسسة على التنوع، ومفتوحة أيضا على الإضافات الابداعية المستلهمة من تجارب المجتمعات المتطورة والديمقراطية قصد إنجاز التحول الإيجابي.

في هذا السياق ينبغي طرح أسئلة جادة على الواقع الجزائري من أجل إيجاد أجوبة مقنعة عن الأسباب التي حالت دون العمل بالروح الجماعية التي أساسها التنوع الخلاق بجدية ومسؤولية ووعي وطني للانطلاق في وضع القواعد المادية والروحية لمرحلة طور المجتمع التي تكون النواة الطبيعية التي تطلع منها الكوادر المؤمنة بقضية التحديث وذات الكفاءة العالية فكريا، ومن روح المبادرة الإبداعية في مجالات التنمية بكل أنماطها، والتي من صلبها يفترض أن تبرز الأحزاب الوطنية الحداثية.

هناك عدة عوامل سلبية ذكرنا بعضها، وهناك أسباب وعوامل أساسية أخرى تكمن وراء تحويل الجزائر إلى بؤرة تفرَخ الأزمات وثقافة الاكتفاء بذهنية تسييرها فقط، وهذا ما سنسلط عليه أضواء التحليل فيما بعد.


كاتب جزائري

8