المشهد الحزبي في المغرب يتصدع على وقع الخلافات

الخميس 2017/10/05
المواطن مل الشعارات

تحوّلت القاعة التي عُقدت فيها أعمال المؤتمر السابع عشر لحزب الاستقلال المغربي الأسبوع الماضي، إلى ساحة معركة تطايرت فيها الكراسي وسط تشابك بالأيدي بين أنصار الأمين العام حميد شباط، والمعارضين له.

وعكس ذلك المشهد الواقع الحزبي في المغرب الذي يشهد حراكا متداخلا ومفتوحا على كل الاحتمالات بسبب الخلافات والانقسامات التي جعلته يندفع بقوة نحو التصدّع.

ويشمل هذا الحراك الذي يحكمه نوع من التوتر الحاد الذي تعكسه الشعارات والعناوين الصدامية حينا، والغموض في أحيان كثيرة، غالبية الأحزاب في المغرب سواء تلك التي في الحكم أو في المعارضة.

ووصف المرشح لسباق الأمانة العامة لحزب الاستقلال، نزار بركة، الوضع الداخلي لحزبه بـ”المأزوم والهش”، وقال في تدوينة نشرها الثلاثاء، بعد تأجيل انتخاب الأمين العام واللجنة التنفيذية للحزب، إن “التغيير أصبح ضروريا لكي لا تتكرر العديد من المشاهد التي مست بصورة الحزب خلال هذا الاستحقاق”.

وتشير الوقائع الراهنة إلى أن حزب الإستقلال ليس وحده الذي يعاني من مثل هذه المظاهر، ذلك أن الأحزاب المغربية بكاملها، تبدو بعد مُضي عام على الانتخابات التشريعية التي جرت في السابع من أكتوبر من العام 2016، كأنها تتخبط في دوامة اختلفت منطلقاتها، وتباينت سياقاتها.

ولم يسلم حزب العدالة والتنمية ذو المرجعية الإسلامية من هذا التخبط، باعتباره يمر هذه الأيام بمرحلة تُوصف بالصعبة أثرت بشكل واضح على تماسكه وانضباط قواعده وهياكله، لا سيما بعد إعفاء عبدالإله بن كيران وتعيين سعدالدين العثماني مكانه لرئاسة الحكومة المغربية الثانية بعد تلك الانتخابات.

وكان بن كيران قد وصف إعفاءه بأنه “زلزال”، بينما يواصل أنصاره ترديد مفردات منها “تنازل” و”خيانة” و”إذلال” لحزب العدالة والتنمية، في توصيفهم لما تم، وذلك في اتهامات مباشرة لسعدالدين العثماني الذي يعاني من الإرباك على كل المستويات السياسية الحزبية والحكومية.

عبدالرحيم منار السليمي: الخطير هو الأزمات التي تنتجها الأحزاب السياسية داخل الدولة

أما حزب الأصالة والمعاصرة، فهو يمرّ هو الآخر بفترة صعبة في مساره، بعد استقالة رئيسه إلياس العماري، بينما يعيش حزب الحركة الشعبية على وقع أزمات وخلافات داخلية صعبة ستكون لها تداعيات على مستقبله، خاصة بعد إعلان زعيمه الحالي امحند العنصر عزمه التنحي عن منصب الأمانة العامة لفتح المجال أمام قيادة جديدة.

ويعاني حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية من تراكم المشاكل الداخلية التي تسبّبت في تراجع مكانته، بينما لا يختلف اثنان على أن وضع حزب التقدم والاشتراكية لا يخرج عن وضع الأحزاب اليسارية التي فقدت الكثير من مصداقيتها السياسية.

وفي خضم هذه التطورات المتسارعة، استطاع حزب التجمع الوطني للأحرار الحفاظ على قدر من التماسك الداخلي منذ انتخاب عزيز أخنوش رئيسا له، لكن ذلك لم يمنع من بروز تساؤلات حول مصير الأحزاب في المغرب ومستقبلها التنظيمي، ودورها السياسي الذي بدا غامضا ومبهما.

وتباينت القراءات التي تناولت أسباب هذا الوضع، رغم إجماعها على أن ضبابية المشهد الحزبي الراهن تعكس حالة من التوتر المُزمن التي جعلت غالبية الأحزاب تقترب من متاهة التفكك بعد أن أخفقت في تحديد أولوياتها واهتمت بحساباتها الضيقة ما جعلها تبتعد كثيرا عن هموم المواطن الذي فقد ثقته فيها.

ولم يتردد عبدالرحيم المنار اسليمي، رئيس المركز الأطلسي للدراسات الاستراتيجية والتحليل الأمني، في القول “يبدو اليوم أن واضعي دستور 2011 في المغرب ارتكبوا خطأ لكونهم منحوا الأحزاب السياسية صلاحيات أكثر من حجمها، فالدستور بدا متطورا على البنية والنخب الحزبية الحالية، وهذا بات شعورا مشتركا بين الدولة والمجتمع”.

وقال لـ”العرب”، إن هذا الوضع الحزبي يعكس المعادلة الصعبة التي يعيشها النظام السياسي المغربي، أي أن سقف مطالب المجتمع والدولة بات أكبر من تفكير وعمل الأحزاب السياسية.

واعتبر أن الزمن الذهبي للأحزاب السياسية “بات وراءنا، لكن الخطير هو طبيعة الأزمات التي باتت تنتجها الأحزاب داخل الدولة، فالمشهد يقدم أمامنا، طيلة التسع سنوات الماضية (منذ سنة 2008)، نوعا من العصبية الحزبية التي لم يشهد لها المغرب مثيلا في تاريخه”.

وأرجع ذلك إلى وجود صراعات متعددة منها صراع الزعامات الشعبوية مع بعضها، وهذا صراع “يقوده عبدالإله بن كيران أمين عام حزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة السابق الذي بنى خطابه طيلة تسع سنوات على الهجوم على زعماء عدة أحزاب منها حزب الأصالة والمعاصرة وحزب التجمع الوطني للأحرار”.

وأضاف “وهو ما جعل حزب الأصالة والمعاصرة يسقط في مصيدة بن كيران ويتحوّل إلى ظاهرة تحمل ملفا وحيدا يتمثل في الصراع مع الإسلاميين”.

وتابع “هذا الصراع جعل أغلب الأحزاب تنزع إلى البحث عن زعامات شعبوية لقيادتها، وهو وضع أثر على صورة السياسة ومحتوى السياسة في المغرب، بينما يتمثل النوع الثاني من الصراعات الحزبية في شبه التفككات الداخلية التي عرفتها بعض الأحزاب منها حزب الاستقلال”.

وفيما حذر عبدالرحيم منار اسليمي من أن استمرار هذه التحولات الخطيرة من شأنها إرهاق الدولة، تكاد مختلف القراءات السياسية تُجمع على أن المشهد الحزبي في المغرب دخل في دائرة غامضة يُحيط بها توتر مُزمن في ظل سياق تنظيمي مأزوم أنتج خطابا سياسيا مُضطربا، ومقاربات اجتماعية لا تستجيب للحد الأدنى من تطلعات الشارع الذي فقد ثقته في الأحزاب بمختلف مرجعياتها الفكرية.

4