المشهد الروائي

الثلاثاء 2018/01/30

مقولة الرواية ابنة المدينة لم تعد صالحة للتداول مع التطور الكبير الذي بلغه مشهد الكتابة الروائية، في عالمنا العربي على وجه الخصوص. هذه المقولة في زمنها كانت تعبر عن بداية نشوء الرواية في أوروبا، لكن الرواية بعد انتشارها، ومزاحمتها القوية للشعر على قمة هرم الإبداع، أصبحت أكثر انتشارا واجتذابا للكتاب والقراء في المدن والأرياف على حد سواء، حتى بات القول إنه عصر الرواية.

عربيا وعلى الرغم من الظهور المتأخر للرواية في العديد من بلدان الهامش، إلا أن حضور الرواية فيها أصبح لافتا، سواء من خلال عدد كتابها، أو على مستوى الكتابة الروائية عندهم.

لا شك أن مصر كانت الدولة العربية الرائدة في هذا الفن، وتربت أجيال من الكتاب العرب على المنجز الروائي للكتاب المصريين المعروفين، لكن هذا لم يمنع أن تكون هناك منافسة قوية له في مكان حديث التجربة في هذا الفن. لذلك أصبح البحث عن ظهور أول عمل روائي في هذا البلد العربي أو ذاك، هو من قبيل التأريخ لبدايات ظهور هذا الفن عربيا لا أكثر.

لا ننكر دور التراكم الذي يحققه المنجز الروائي على صعيد التجربة تاريخيا، لكن هذا لا يقلل من دور الموهبة في الإبداع، وأهمية استيعاب تقنيات السرد الحديثة، وتوظيفها في ما يغني تجربة الكتابة الروائية، ويسهم في تطويرها. مع ذلك ثمة ظاهرة تستوجب التوقف عندها هي ظهور موجات من الإبداع الروائي في هذا البلد تارة، لكنها سرعان ما تشهد انحسارا واضحا في هذا المنجز.

حتى الآن بحدود متابعتي لم تحدث عملية دراسة دقيقة وموضوعية لتحولات المشهد الروائي العربي، وأسباب هذا المد والجزر الذي نشهده هنا أو هناك. كذلك لم نجد اهتماما بدراسة تأثير الرواية في المغترب الغربي على تطوير هذه الرواية هناك، إن كان هناك تأثيرا. المعنيون بالمشهد الثقافي العربي والرواية العربية تحديدا ما زالوا مشغولين بموضوع جوائز الرواية، حتى بات الضجيج الإعلامي الذي يطغى على المشهد يغيِّب أي جهد، لتقصي واقع هذه التجربة، وأثرها في تعميق الوعي السردي الجمالي وتطويره، بعد أن اتخذ الخلاف على هوية الفائز بعدا محليا، وبات الخلاف على القيمة الجمالية للسرد الروائي الفائز يأتي تاليا، مع العلم أن هذه الجوائز لم تضف لمنجز أصحابها شيئا كبيرا، يمكن أن نتلمسه في منجز الكاتب الفائز لاحقا.

إن القيمة الإبداعية لأي عمل هي حاصل موهبة وخبرة وجهد يبذله الكاتب للارتقاء بعمله شعرا كان أم رواية أم مسرحا، وما تبقى هو مجرد تفاصيل لا أكثر.

كاتب سوري

15