المشهد الروائي: رصاص وقنابل ودمار ونزوح ودكتاتورية تتهاوى

الكتابة سلاح لا يطاله صدأ أو فساد، سلاح ضد الجهل والظلام، ضد الدكتاتوريات وأصناف الظلم والدمار التي تفرخها هذه الأنظمة في مفاصل الدول التي تجثم عليها وتأكل من لحمها وتشرب من دمها كما يفعل المسخ. الكتابة هي أقوى الأسلحة فعلا، لكن في الأحداث الدامية التي يشهدها الوطن العربي، وبالأخص سوريا، أين هو دور الأدب والكتابة ليكون سلاحا للعزّل في وجه الموت والخراب؟ “العرب” التقت الروائي السوري نبيل سليمان وكان لنا معه هذا الحوار حول تجربته في الكتابة، وحول الوضع السوري.
الأربعاء 2015/06/10
لا فرق بين حاكم ومعارض، وعلى الرواية النجاة من أن يصيبها الأذى الروحي والفساد الفكري

يصف الروائي السوري نبيل سليمان مشروعه الروائي بأنه يقف الآن ربما على حد السكين، في امتحان عسير، يقول: لقد كان هذا شأني مرارا، منذ أربعين سنة أدركت أن ما أنا بصدده هو مشروع سوف يقتضي العمر كله، وأن ثلاث روايات هي صفحة أولى من هذا المشروع، آن أن تطوى لتبدأ صفحة جديدة على إيقاع حرب 1973 والحرب الأهلية اللبنانية، وفي منتصف الثمانينات وبعد أربع روايات في الصفحة الثانية من المشروع المأمول، طويتها، لأبدأ ما ظللت أحسب أنه الصفحة الأهم حتى أمس قريب، أقصد مشروع العمر، في رباعية “مدارات الشرق”، وأيا يكن عدد الصفحات التي انطوت أو لا تزال تنتظر، جاءت سنة 2011 في سوريا أولا وفي الفضاء العربي كله، ما تزلزل منه وما لا يزال ينتظر، فتزلزل مشروعي الروائي، كما تزلزل كياني: كتابة وروحا وجسدا.

ويضيف سليمان “هكذا ودعت ما تحقق من مشروعي الروائي قبل 2011، والذي بلغ ثماني عشرة رواية، وأقبلت على ما لا يصدق: شباب وشابات مع كهول وعجائز مثلي يخرجون في مظاهرات سلمية، فبات بوسعي أن أردد الهتاف الشهير: أشهد أني قد عشت، دكتاتورية تتهاوى ودكتاتورية تترنح. رصاص وقتل وقذائف ودمار ونزوح…”.

ماذا جرى

“ما الذي جرى؟” يتساءل سليمان قائلا: هذا السؤال الذي تفجر في تونس أولا، ولا يزال يتفجر ويتعقد حتى اليوم، في سوريا خاصة، وفي العراق واليمن، في ليبيا، وفي مصر. هذا السؤال الذي دوّنته في روايتي “جداريات الشام.. نمنوما” هو ما بات عنوانا رئيسا ربما لمشروعي الروائي، وكنت قد حاولت أن أتلمسه في رواية “مدائن الأرجوان” 2013، في العودة إلى ما تفجر في سوريا نهاية سبعينات ومطلع ثمانينات القرن الماضي. ربما كانت هذه الرواية تمهيدا لتاليتها التي حاولت أن تكتب سوريا 2011، أي سوريا المظاهرات السلمية الأسطورية وما واجهتها به السلطة من عنف وقمع، وكذلك بداية العسكرة المعارضة، وصولا إلى ما رأيته مفصلا حاسما في الزلزال السوري وهو التفجير الوحشي الإرهابي الذي نفذته جبهة النصرة في دمشق، وبه كان إعلانها عن نفسها في نهاية 2011.

كل لحظة مفصلية من لحظات المشروع الروائي، وخاصة اللحظة الأخيرة، هي أولا وأخيرا لحظة السؤال الفني المزلزل

الرواية والراهن

ويرى سليمان أن كل لحظة مفصلية من لحظات المشروع الروائي، وخاصة اللحظة الأخيرة، هي أولا وأخيرا لحظة السؤال الفني المزلزل عما أنجزت وعما سوف تنجز. ولأن الأمر كذلك، عدا عن أن الزلزال السوري يتفاقم، فقد قضيت سنة ونصفا حتى الآن وأنا أحاول أن أتابع رواية أخرى، من وبعد “جداريات الشام” لكنني لم أستطع كتابة حرف.

ويوضح ضيفنا أنه في سوريا الآن “تغريبة” تشبه التغريبة الفلسطينية، يقول: ربع سوريا خارج الحدود، وربعها تبدل مقامه داخلها تبديلا، وربعها سوّاه التدمير بالأرض، مئات الآلاف من الضحايا والمفقودين، رايات سود وسواطير وخريطة ممزقة وعهر دولي وما من بصيص ضوء في النفق، وهذه هي الرواية تعجز عن أن تكتب، تنبت عما تقدمها، فهل تكون لحظة جديدة من مشروع روائي، أم إعلانا عن أمر آخر، أم لا تكون لا هي ولا صاحبها.

وحول ملامح المشهد الإبداعي السوري في ظل الأوضاع المأساوية الراهنة، يقول سليمان “ليس هناك أسرع من التعلل بضرورة الانتظار حتى تختمر التجربة الإبداعية، أي حتى تهدأ الحرب أو يخمد الزلزال، ربما كان هذا التعلل كلمة حق يراد بها باطل، بعبارة أخرى: لا يعني اختمار التجربة بالضرورة ألا نكتب عما نعيشه، فقد تنتصر ثورة أو تهزم، قد يخمد الزلزال وتضع الحرب أوزارها، ثم يأتي من يكتب فإذا بالتخمر لم يحمه من السقوط أو الهاوية، والعكس صحيح، تأتي قصيدة أو لوحة أو رواية في لجة الحرب، فتكون إبداعا خالدا. وسواء في سوريا أم في الفضاء العربي كله، خلال السنوات الأربع الماضية نجد الكثير من المحاولات في الشعر أو الغناء أو التشكيل أو الرواية، مما لا يعدو أن يكون خطبة عصماء أو غير عصماء أو تعليقا سياسيا أو بيانا”.

ويضيف “في سوريا يبدو أن الأمور جرت عكس المألوف، حيث يسرع الشعر عادة، هل تذكر طوفان الأحجار التي قذفتنا بها بعض الأشعار أثناء انتفاضة الحجارة؟ الفورة الأولى في سوريا هي فورة الرواية، أما الشعر فقد كان نصيبه محدودا، ومن هذا النصيب المحدود تألقت قصائد لهالة محمد ونوري الجراح ونزيه أبوعفش.

الفن الروائي تأذى بفعل اللهاث خلف السياسي، ووقوع الرواية في أشراك الراهن والعابر والشعارات
كما كان للتشكيل نصيب محدود وحسبي أن أذكر من ألقه مبدعا كيوسف عبدلكي، أما النصيب الأكبر فقد كان للرواية إذ صدر في العام الماضي ثماني عشرة رواية، وقد تابعت هذه الفورة في مقالات ودراسات شتى تبين لي فيها كم تأذى الفن الروائي بفعل اللهاث خلف السياسي، ووقوع الرواية في أشراك الراهن والعابر والشعارات بل والثأرية والطائفية أيضا. وما نجا من بعض ذلك أو كله إلا القليل، ليتألق الفن بدرجات متفاوتة، كما في روايات غسان الجباعي وحسن صقر وليل صويلح وابتسام التريسي وسوسن جميل حسن وروزا حسن.. وربما ليس الأمر أفضل في المحاولات السينمائية التي تعاني أيضا مما يقتضيه الإنتاج، وعلى أية حال فإنني أثمن هذا الذي جادت به السنوات الأربع الماضية، على الرغم من قصرها، ومما ترمي به الإبداع والمبدعين والمبدعات من أثقالها”.
وحول علاقة الرواية والسياسة خاصة وأنه منذ ثورة 1952 في مصر وما تلاها سيطرت السياسة على الحركتين الإبداعية والثقافية، يعتبر نبيل سليمان أن هيمنة السياسة على الفكر والإبداع عامة قد تفاقمت باطراد مع هيمنة العسكر والأحزاب الشمولية القومية والماركسية الإسلامية على الحياة السياسية وغير السياسية، منذ حركات الاستقلال العربية وتوالي الانقلابات وما سمي بالثورات، هكذا باتت السياسة هي الهواء الذي يتنفسه كل منا، بأي معنى كان للسياسة: إدارة الشؤون، الخطاب الحزبي، خطاب السلطة، حتى الخطاب الديني أصبح محشوا بالسياسة، وغدا السياسي نجم المرحلة تلو المرحلة: ضابطا كان قد ركب مركب الانقلاب أو الثورة أو الفرع الأمني الفلاني أم كان قائدا حزبيا، لا فرق بين حاكم ومعارض وما كانت الرواية بمنجاة من أن يصيبها هذا الأذى الروحي والفساد الفكري ما يصيب.

ويضيف الكاتب “هذا الوضع في ما أحسب هو ما جعل دائرة قراءة الرواية العربية تتضاعف على الرغم من أنها لا تزال صغيرة جدا قياسا إلى ثلاث مئة مليون نسمة يعيشون في عالمنا العربي، وبالتالي هذا ما يجعل للرواية العربية دورا في الثقافة العربية كحقل تنويري وكمنجز جمالي.

15