المشهد السياسي الجزائري مهدد بعودة أصوليي العشرية السوداء

لا يمكن لأي جزائري أو متابع عربي أو أوروبي نسيان العشرية السوداء في الجزائر، تلك العشرية التي أسست لها الجبهة الإسلامية للإنقاذ عبر خطابها وأفكارها المتطرفة. ولكن التطور السياسي في الجزائر أعاد جبهة (الفيس) إلى واجهة الأحداث السياسية مع تغير في خطابها الذي أضحى متداركا للتحريض الذي كانت تقوم به في الماضي. ولعل ترك السلطة للباب مفتوحا أمام الجبهة، هو الذي شجعها على العودة والقفز من جديد في الساحة الإعلامية والسياسية في الجزائر.
الجمعة 2016/01/29
ديمقراطية الفيس

يحاول أصوليو جبهة الإنقاذ الإسلامية في الجزائر هذه الأيام تبييض تاريخهم العنفي الأسود عبر فبركة مناسبة مرور 24 سنة على ما يسمونه في الصحافة والتلفزيونات الأصولية (مثل قناة المغاربية التي ترعاها قطر وعباسي مدني وأولاده) بـ”الانقلاب على الإرادة الشعبية” في إشارة إلى توقيف المسار الانتخابي في بداية 1992.

من لم يعش الأحداث الجزائرية منذ ظهور الجبهة الإسلامية للإنقاذ حتى بداية الأزمة الأمنية في الجزائر وتابع ويتابع ما تقصه عليه تلك الأصوات لانطلت عليه الحيلة وصدق أن جبهة “الفيس” بريئة من العنف كبراءة الذئب من دم ابن يعقوب إذا ما تحدثنا مثلهم بلغة الأسطورة التي يحسنها “الإنقاذيون” والتي ضللوا بها ذوي العقول المعطوبة وأصحاب الجيوب الفارغة فآمنوا بالوهم، وهم الدولة الإسلامية المثالية التي لم توجد في الحقيقة سوى في بطون الكتب الصفراء وفي دهاليز الذاكرة المؤسطرة التي عبثت بها السلطات الجزائرية منذ الاستقلال.

يمكن أن نخدع الشعب مرة أو مرتين ولكن ليس كل الوقت، فتصريحات قادة الجبهة الوطنية للإنقاذ مسجلة وصريحة وكلها قدح في الديمقراطية ورفض لحقوق الإنسان التي هي في عرفهم غربية، فقادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ الذين يتبرؤون اليوم من العنف كانوا قد رفضوا إدانة العنف الذي كانت تمارسه العصابات المسلحة تحت مختلف التسميات، وإن تعددت تلك التسميات فالمصدر واحد هو خطاب أهل الجبهة.

إن من لم يستمع إلى خطب مسجد باب الواد النارية ضد كل ما هو غير أصولي يمكن أن يصدق ما يقول القوم اليوم، ومن لم يعايش سلوكات وهياج أغلبية مناضلي الجبهة آنذاك يمكن أن يصدق قناة المغاربية ومن يدور في فلكها اليوم. لقد أزاحت التصرفات العنيفة اللثام عن الوجه الحقيقي للجبهة وأبانت أن خطب الحقد سرعان ما تتحول إلى خناجر تقتل الأبرياء.

ويتنكر قادة هذا التنظيم اليوم وعلى رأسهم عباسي مدني مدعين أن لا علاقة للجيش الإسلامي للإنقاذ بتنظيمهم السياسي، ولكن لماذا لم يعلنوا ذلك في الوقت المناسب أي فور تأسيسه؟ ألم يكن يتحدث باسم تنظيمهم وباسم الشرعية المغتصبة بصفته الذراع العسكرية للحزب المنحل؟

من السهولة التملص من تهمة العنف بالقول إن الجبهة الإسلامية حزب سياسي لا علاقة له بالتنظيمات الإرهابية كما فعل عباسي مدني في تصريحه الأخير للمغاربية من قطر، ولكن الواقع يكذب هذا الادعاء وستكشف الوثائق والشهادات مستقبلا أن لحزبه ضلعا في الأمر.

وكشهادة شخصية، يمكنني أن أقول إنني تابعت حزب عباسي مدني وهو يزرع الرعب في قلوب الناس بطرق مختلفة لفرض إرادته عليهم وقد نجح في ذلك نجاحا كبيرا ترجم في نتائج الانتخابات التشريعية يوم 26 ديسمبر 1991. ويومها كتبت أن النظام والجبهة الإسلامية للإنقاذ تعاونا، وإن لم يتفطنا لذلك، في القضاء على الديمقراطية والحداثة في الجزائر إلى زمن غير مسمى.

13