المشهد الضائع.. مغامرة السينمائي الكامبودي ريثي بان

الأحد 2014/11/23
استبدل المخرج الكامبودي التقنية واستخدم دمى من الصلصال ليمثل المأساة

كيف تصوّر جلاّدًا؟ كيف تمثّل التعذيب في زنزانة نظام سافل؟ كيف تصوّر سينمائيًا ما لا نملك شواهد فوتوغرافية عنه؟ كيف نعاود بناء المشهد الضائع؟

كلّ هذه الأسئلة تحلّق فوق أعمال السينمائي الكامبودي ريثي بان Rithy Pahn الذي يحمل عمله الأخير عنوان “المشهد الضائع”.

نجا السينمائي من محرقة الخمير الحمر، فقد عمليًا جميع أهله في معسكرات العمل ومراكز اعتقال النظام.

يلتحق ريثي بان بعمله الأخير هذا بالنقاش المديد والكثيف حول أخلاقية تمثيل المحرقة، جدال عبر تأريخ السينما منذ الحرب العالمية الثانية وشارك فيه إضافة إلى السينمائيين كتّاب وفلاسفة.

أربعة أفلام وكتاب عنوانه “التصفية” يمثّلون التزام ريثي بان بالبحث عن الشهادة وآثار المأساة التي عاشها شعبه.

لكلمات هذا الناجي البسيطة قوة غير معهودة وتذكّر بنصوص أخرى من أدب النجاة: “أنا رجل أيضًا، أنا بعيد، أنا حيّ، ما عدت أعرف الأسماء والتواريخ، ما عدت أعرف شيئًا. ذلك الذي يجرح معدوم التسمية”.


ملحمة جديدة


بعد نجاته من المجازر وبفضل عملية لمّ الشمل العائلي، تمكّن من اللجوء إلى فرنسا عندما كان طفلاً، وهناك بدأ ملحمة جديدة: مواجهة الذكرى، ليس كعبرة وإنما كتدرّب على تفهّم طبيعة تلك الجرائم.

بعد إنجازه فيلم “بوفانا، مأساة كامبودية” أخرج العمل المؤثّر “إس 21، آلة القتل الحمراء” حيث يستعرض مشاهد للمأساة المعاشة في مركز الإفناء ذاك بعناية شديدة، وهذا بمساعدة جلاّدين وضحايا عادوا معه إلى مكان الحدث.

بعد إنجاز الفيلم أدرك ريثي بان أن العمل تنقصه مشاركة العقل المدبّر للمركز والشخصية المجرمة “داتش”، ولهذا تقدّم بطلب لمحكمة الجنايات الدولية حيث كان يقدّم داتش للمحاكمة لما اقترفه من جرائم للسماح له بمقابلته وتصويره، “لعلّ السينما ليست سوى عذر لأدنو منه”.

السينمائي، ككلّ البشر، يصيبه الشكّ فيما يراه: “داتش”، رجل كان طفلاً، رجل مثقف، طالب لامع، مدرّس للرياضيات، مدرّب للجلاّدين والعقل المفكّر لأكثر مراكز الاعتقال والتصفية أهمية لدى النظام.


ضحايا وجلادون


يحيد ريثي بان عن نظرية حنّة أرندت الشهيرة والقائلة بتفاهة الشرّ والداعية إلى عدم نزع الأنسنة أو منحها وتصرّ على عدم تقديس أحد أو تسفيهه.

مشهد من الفيلم يمثل معسكر اعتقال كمبودي

“داتش ليس غولاً ولا جلاّدًا جذّابًا، داتش ليس مجرمًا عاديًا، داتش إنسان يفكّر وهو أحد المسؤولين عن المحرقة” وإزاء فكرة أنّ أيًا منّا بمقدوره أن يكون جلاّدًا، وفي الواقع كلّنا كذلك، إزاء هذه الفكرة المتساهلة والقدرية يذكّرنا ريثي بان: “لا، لسنا جميعًا على خطوة من اقتراف جريمة كبيرة. من جهتي أنا أؤمن بالأحداث وأراقب العالم. الضحايا في مكانهم والجلاّدون كذلك”.

بان ليس راضيًا على عملية استعادة الذاكرة عن طريق أفلامه، وكذلك عبر “بوفانا”، وهو مركز الوسائل البصرية الذي يجمع ويعالج كلّ المعلومات المستعادة، فهو يواجه عملاً ثالثًا موضوعه المحرقة: “المشهد الضائع”. في هذا العمل يصوّر حلقات من حياته أسيرًا في معسكر العمل، ويعتمد الفيلم على كتاب “التصفية” وهو سيرة ذاتية وضعها بالتعاون مع كريستوف بتاي.

إنه يستبدل التقنية ويستخدم دمى من الصلصال ليمثّل المأساة التي عاشها إلى جانب أقاربه وضحايا آخرين. عنوان هذا العمل ذو دلالة في عملية تلخيص حياة

هذا السينمائي، فها هو يقول: “ما أقترحه الآن ليس مشهدًا أو البحث عنه، وإنما مشهد البحث، البحث الذي تتيحه السينما”.

إن كان هناك من شيء يميّز ريثي بان فتلك هي نزعته الإنسانية وإصراره على تقريب أناس كداتش إلى البشر، وإن جاء هذا عبر الكذب والخداع، الأمر الذي يبتعد عن الكلمة الصائبة والقضاء العادل.

“أن تقول الحقيقة ثم تموت هو السير نحو البشر. داتش متواجد حيث يجب أن يكون، وما من أحد بمقدوره شغل مكانه”.


مخرج سينمائي سوري مقيم في مدريد

15