المشير يحكم السودان بقبضة من حديد بعد أخونة الدولة وعسكرة الحكم

الخميس 2014/01/02
نظام البشير المعزول إقليميا والملاحق دوليا يبحث عن بدائل لحماية نفسه ونظامه

يدرك الرئيس السوداني عمر حسن البشير أن نظامه قد بدأت أركانه تهتز، بعد الرفض الشعبي لسياساته الذي اتسمت على مدار السنوات بالقمع والاضطهاد لكل من يعترضها، سواء كانوا أفرادا أو أحزابا معارضة، و في المقابل سعى النظام الإخواني ممثلا في حزب المؤتمر الوطني الحاكم إلى أخونة الدولة، وإضعاف المعارضة وجعل بقية الأحزاب الأخرى تابعة له.

مياه متدفقة وأرض خصبة، وثروات حيوانية ومعدنية، وذهبٌ يجنيه الأهالي من الأرض، وفقر مدقع وعوذ وبطالة، وسمك لبن تمر هندي، هذا هو حال سودان الشمال الذي حكمه الإسلاميون بحجة إنقاذه من فوضى الديمقراطية وإخراجه من الهاوية، فحولوا أرضه بعد ربع قرن إلى أرضين، والمواجهة مع التمرّد الوحيد الجيش الشعبي لتحرير السودان، تحولت بعد أكثر من ربع قرن إلى حرب أهلية شملت الغرب والوسط والجنوب الشرقي من البلاد، والبطالة زادت أضعافا، والفقر ازداد تمكنا ليصل حدّ العوذ في أغلب الحالات، وانتشر الفساد الأخلاقي، وبات مُحللا كل ما كان بالأمس في تقاليد المجتمع حراما.


فترة الأخونة / ثورة الإنقاذ


النموذج الذي قدمته ثورة الإنقاذ للسودان، يُعدّ حتى الآن من أسوأ النماذج التي عرفتها البلاد منذ استقلالها، فقد تمرحلت فترة حكمها ما بين بدايات الانقلاب وتكشير الأنياب بإعدام أكثر من عشرين ضابطا في بداية الحكم، ليكونوا عبرة لمن يحاول الوقوف في وجه هذه العاصفة الهوجاء، تلتها مرحلة التمكين التي قضت بأخونة الدولة حيث تم طرد آلاف الموظفين غير الموالين من الوظائف الحكومية، واستبدالهم بموظفين موالين تحت شعار الصالح العام ومقتضيات المرحلة، وذلك دون أن يتم إقناع أيّ منهم بأسباب طرده عن وظيفته، ولم يتم تفسير الأسباب التي جعلت شغل الوظائف الشاغرة لا يخضع للمؤهلات والكفاءات بل للولاءات.

مع وجود أحزاب ضعيفة ومجتمع فقير لا يقوى على الاحتجاج، وجد النظام نفسه الوحيد القادر على الاستمرار، بعد أن نجح في تفتيت الأحزاب السياسية وإضعافها

ولكن فترة التمكين والأخونة كانت فترة تاريخية في السودان، فقد استخدم فيها النظام قسوة غير مسبوقة لتغيير المجتمع، فقام بتشريع القوانين القاسية تحت مسمى النظام العام، وبالتضييق على مناوئيه في مختلف المجالات، فأفقر التجار بالضرائب الباهظة، وقام بإحلال رأسمالية موالية شابة نبتت فجأة لتحتل كل مواطن الاقتصاد السوداني العام والخاص، وبدأ في التضييق بوسائل مختلفة على معارضيه، وتسهيل الهجرة أمامهم، إلى الدرجة التي سُئل فيها أمين عام جهاز العاملين بالخارج عن جهود الجهاز في الهجرة العكسية والعودة الطوعية التي كان يرفعها سلفه شعارا، فقال بالحرف “نحن لا نسعى إلى إعادة توطين المهاجرين، بل على العكس، فنحن نريد مزيدا من المهاجرين حتى يتمكن أكبر قدر من المواطنين من اكتساب مختلف الخبرات وتحسين ظروفهم وظروف أهلهم”، وكانت نتيجة هذه السياسة أن شهدت فترة حكم الإسلاميين أكبر هجرة عرفتها البلاد في تاريخها، بل وأضحى البعض يخاطر بركوب قوارب التهريب المميتة إلى الغرب، هربا من الأوضاع الداخلية والمضايقات.

وبعدما انتهت فترة الأخونة بدأت فترة جديدة أملتها الظروف الإقليمية التي مُنيت بحروب عديدة لم تتوقف طيلة العقدين الماضيين، إضافة إلى العزلة التي عاناها النظام الحاكم بفعل المقاطعة الغربية، وسوء العلاقات الإقليمية والعربية، ما جعله ييمم شطر الدول الإقليمية في أفريقيا والوطن العربي، بعدما تمكن من ترتيب أوضاعه الداخلية، وعقد اتفاقية نيفاشا التي ذهبت فيما بعد بجزء عزيز منه، وبعدما أعلن القطيعة مع عرابه حسن الترابي، الذي بذر بذرة الإرهاب العالمي حيث غرس بذرة القاعدة والنهضة وغيرها من الحركات التي أنتجت فيما بعد مجتمعة فقاعة الربيع العربي الكاذبة.


لعبة النظام

مع وجود أحزاب ضعيفة ومجتمع فقير لا يقوى على التظاهر والاحتجاج وتعطيل يوم من حياته، بما يعني التضحية بوجبة كل الأسرة في ذلك اليوم، أو العجز عن شراء دواء مريض، وجد النظام نفسه الوحيد القادر على الاستمرار، فقد نجح في تفتيت الأحزاب السياسية وإضعافها، واستنساخ أحزاب عديدة منها، يعيش معظمها على نفقته الخاصة، ويدين له بولاء الخوف لا الرغبة، ويتهافت لتلقُّف فتات المناصب التي يرميها له النظام الحاكم تحت مسمى حكومة الوحدة الوطنية أو حكومة القاعدة العريضة، غير أن البالون سينفجر لو زاد مقدار الهواء عن المعدل الطبيعي، وهو ما حدث بالفعل في أكثر من ثورة تململية، كان النظام دائما يوئدها بقسوة ووحشية، وقد وصل الأمر برئيسه إلى وصف معارضيه بـ “شذاذ الآفاق” و “الضالين”، ووجه نحوهم كل أسلحته.

ويأتي التهافت للاستثمار في أولويات النظام، خاصة الاستثمار العربي الذي أُغلقت أمامه مختلف الأبواب الإقليمية القديمة كأرض الكنانة ولبنان وسوريا واليمن وغيرها من الدول التي أخاف عدم استقرارها المستثمرين العرب الذين باتوا يبحثون عن موقع استثماري تقلّ فيه نسب المخاطر، غير أن الاستثمار يبحث عن الأمن، ولتوفير الأمن وتهيئة الجو للاستثمار لابد من مواجهة المعارضين هنا وهناك لتسريع جلب الأمن ولو بالقوة، وهو ما قاد البلاد إلى الحروب الدائرة هنا وهناك، والتي تستحق التصنيف ضمن الحروب الأهلية رغم إنكار الحكومة ذلك المسمى، فمعظم الحركات المقاتلة تتكون من قبيلة واحدة أو مجموعة قبائل تتحد بنعرات جهوية أو عرقية أو قبلية، وهو ما زرعته الحكومة في فترة التمكين عندما حاولت تقليد اللعبة الإنكليزية المعروفة “فرّق تسُد”، غير أن حصاد ذلك الغرس، وبعد مرور كل تلك السنوات لم يأت دائما على هوى النظام، فقد واجهه من وثق فيه، فأحداث دارفور بدأت ببولاد الذي انشق عن النظام، وخلفه على قيادة الحركة الراحل خليل إبراهيم الذي تحوّل من قائد كتيبة دبابي النظام الجهادية، إلى مقاتل ضد الحكومة، وحتى في الداخل قامت انقلابات كثيرة، معظمها من داخل الجسد الحاكم، فالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله.

وتجيء الحرب الدائرة الآن في الجنوب السوداني نكسة أخرى لنظام الخرطوم الذي لم يحسب من قبل أية حسابات مستقبلية عندما قام بالتخلُّص من الجنوب المسيحي الذي يشكّل دائما النافذة التي تنتقد بها المنظمات الغربية حكومات الشمال عند محاولاتها تطبيق الشريعة الإسلامية، بحجة أن بالبلاد عددا كبيرا من المسيحيين والأقليات الدينية في الجنوب، وهو ما قاله الترابي في إحدى مداخلاته الإعلامية، ففصل الجنوب لم يرح حكومة الشمال من المهاترات التي تفشّت قبل الانفصال حينما كان الحزبان يتحكمان في كامل التراب السوداني، وهي فترة حكم اتّسمت بالمناوشات والغرائب، فالحزب الوطني الحاكم ظلّ يحكم، بينما الحركة الشعبية، ورغم أنها كانت شريكا في الحكم، إلا أنها كانت تلعب دور المعارض للحكومة، وما إن انفصل الجنوب حتى بدأ فقدان جزء كبير من النفط يلقي بظلاله على استقرار الشمال، وإلى جانب النفط تم الانفصال دون أن يتم حسم كامل للحدود وهو ما جعل منها قنبلة موقوتة تفجّرت بين حين وآخر، وأعطت مبررا لحكومة الجنوب لدعم الحركات الشمالية المناوئة خاصة في منطقة جبال النوبة المتنازع عليها بين الطرفين، وهو ما جعل حكومة الشمال تقوم بإجراءات تجويعية من قبيل إغلاق الحدود، ومنع تدفّق المواد الغذائية من شمال السودان إلى جنوبه، واستمرت الحرب الصامتة بين الطرفين بأشكال متعددة لم يفلح تدخل دول “الايقاد” ولا الغرب ولا حتى دول الاتحاد الأفريقي في حلّها جذريا، خاصة وأن دخول الدوحة على الخط في دارفور زاد الأمور تعقيدا.

ورغم أن نظام الخرطوم الذي ابتعد فيه كبار صقوره أمثال النائب الأول، ومساعد رئيس الجمهورية وغيرهما من كبار الرؤوس، ومعهما أيضا ابنا الزعيمين الطائفيين الصادق المهدي ومحمد عثمان الميرغني، اللذين تدور شائعات بأن تنصيبهما تم لشراء الحزبين الطائفيين، خاصة بعد المواقف السالبة التي اتّسم بها الزعيمان خلال الفترة الماضية، فإن الابتعاد لن يؤثّر على مسيرة الحكومة ولا على سياساتها، فالسياسيان ذاتهما ابتعدا عن الحكومة ليتفرغا لإصلاح الحزب، والحزب في نظام الإنقاذ هو الذي يحكم، وليس المنصب، فالحزب قد تعرض للترهل في الفترة الماضية، وقد ترجم ذلك الترهل آخر مؤتمر إسلامي تم عقده في الخرطوم، حيث ثار الشباب على ديناصورات الحزب مطالبين إعطاءهم دورا في الحكم والسياسة، وقامت عدة انقلابات عسكرية بذات الفهم، والأخطر من ذلك انشقاق مجموعة من كبار قادة الحزب أمثال غازي صلاح الدين وتكوينها حزبا جديدا باسم الإصلاح، وغير ذلك من أمور تطلّبت من بُناة الحزب الأساسيين مغادرة المناصب وإعادة ترميم الحزب، خاصة وأن الذهب الذي كان النظام يأمل في جعله بديلا للنفط بدأت أسعاره تترنح في الأسواق العالمية، ولم تعد الشركات الأجنبية متلهفة لعقود التنقيب رغم المحاولات العديدة التي قام بها وزير المعادن كمال عبداللطيف الذي فاجأته عاصفة التغيير، رغم أنه كان حتى وقت قريب في مأمن من العاصفة.


الحرب الأهلية في جنوب السودان


اعتقد النظام نفسه محظوظا بقيام الحرب الأهلية في الجنوب في هذه الفترة التي ينشغل فيها بالترتيب الجديد والتهيئة لدخول الانتخابات القادمة، ومحاولات التوفيق بين فئاته المتناحرة، ما يعني أن الجنوب سينشغل بنفسه عن دعم حركات التمرد ضد الشمال، خاصة الجبهة الثورية التي وصلت صواريخها إلى مدينة كادوقلي حاضرة جنوب كردفان، وتمكنت من التغلغل حتى منطقتي أبو كرشولا وأم روابة التابعة للشمال الكردفاني وغير بعيدة عن العاصمة الخرطوم، وأيضا وصلت قواتها حتى منطقة أبو زبد الاستراتيجية القريبة من حاضرة الشمال الكردفاني، إضافة إلى أكثر من إعلان للحكومة عن عثورها على أسلحة بالعاصمة الخرطوم، كلها خروقات أحدثتها الجبهة الثورية المناوئة بدعم من حكومة جنوب السودان، كما أعلن النظام، وهو ما قاد البشير، بعدما اطمأن على أن الحرب الدائرة في الجنوب لا يمكن أن تعطي أي طرف الفرصة لدعم الجبهة الثورية، إلى أن يطلق آخر تصريحاته معلنا بأن هذا العام سيكون عام اجتثاث التّمرّد، وأن الحكومة تقابل الصلح بالصلح والطلقة بمثيلتها، وليس من المتوقع أن تجنح الجبهة الثورية للسلم، فهي قد قامت على شعار إزالة النظام، وفي ذات الوقت ليس معروفا إذا ما كان النظام سيتمكن من سحق الجبهة الثورية، وغيرها من الحركات المقاتلة التي باتت تتزايد يوما بعد يوم، أو أن وعد الرئيس البشير سيلحق بالعديد من الوعود التي لم تجد الفرص المناسبة للتحقيق ؟

6