المشيشي: تونس تعيش أسوأ أزمة اجتماعية واقتصادية في تاريخها

رئيس الحكومة التونسية يتوعد معطلي الإنتاج بتطبيق القانون بـ"قوة الدولة".
الأربعاء 2020/11/04
المشيشي: لا تعطيل للإنتاج بعد اليوم

خرج رئيس الحكومة التونسية الثلاثاء عن صمته بعد أزمة بين حكومته والبنك المركزي بسبب طلبه تمويل عجز مالي قياسي عرفته البلاد حيث أكد المشيشي أن الدولة لن تتسامح مع معطلي الإنتاج، في إشارة إلى الإضرابات العشوائية، مشددا على أن هذه الأزمة لم تعرف تونس مثيلا لها في تاريخها وذلك في وقت تشكك فيه العديد من الأطراف في قدرة حكومته على حلحلة الأوضاع.

تونس - حذر رئيس الحكومة التونسية هشام المشيشي الثلاثاء من تداعيات الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تعيش على وقعها بلاده وذلك في وقت تعاظمت فيه مخاوف خبراء اقتصاديين من إفلاس تونس بسبب هذه الأزمات والتي انضافت إليها جائحة كورونا.

وقال المشيشي في ندوة صحافية بثها التلفزيون الرسمي ’’يكفي من الدمار الذي لحق بالبلاد‘‘ وذلك في إشارة إلى الاحتجاجات المتواصلة وتعطل الإنتاج في البلاد.

ويرى مراقبون أن تحذيرات المشيشي كانت متوقعة خاصة مع غياب الاستقرار السياسي وسط تجاذبات كبرى تذكيها حسابات كل طرف في ظل انقسام البرلمان على نفسه، وكذلك وجود العديد من البؤر الاجتماعية حيث يتوقف إنتاج البترول في جنوب البلاد منذ أشهر.

ويضيف هؤلاء أن هذه الأزمة التي تعاني منها تونس ليست وليدة اللحظة وإنما نتاج تراكمات تتمثل في تعطيل الإنتاج بذريعة الاحتجاج على تردي الأوضاع المعيشية.

وفي هذا الصدد قال المشيشي ’’إن الدولة لن تقبل في المستقبل توقيف الإنتاج (..) سنمر إلى تطبيق القانون بقوة الدولة‘‘ مشيرا إلى اعتصام الكامور الذي يقوم به شباب ولاية (محافظة) تطاوين (جنوب) منذ أشهر دون التمكن من الوصول إلى حل معهم.

وشدد المشيشي على أنه ’’لن يتم السماح مجددا بتعطيل إنتاج النفط وغلق السكة لنقل الفسفاط‘‘ مجددا التأكيد ’’ليس هناك أي مجال الآن للتسامح مع إيقاف الإنتاج وقطع الطرقات لأن هذا يعني قطع قوت التونسيين‘‘.

وقال إنه “بالإمكان التعبير عن المطالب المشروعة بالطرق المتاحة دون إيقاف الإنتاج”.

معز الجودي: كل الحكومات لا تملك رؤية لحلحلة الوضع الاقتصادي والاجتماعي
معز الجودي: كل الحكومات لا تملك رؤية لحلحلة الوضع الاقتصادي والاجتماعي

وتأتي كلمة المشيشي في أعقاب جدل دام لأيام بسبب رفض البنك المركزي شراء سندات خزانة لتمويل عجز مالي قياسي متوقع يعادل 14 في المئة من الإنتاج الداخلي.

وقال المشيشي إنه سيطلب من البنك المركزي تمويل عجز متوقع عند ثلاثة مليارات دينار عن طريق شراء سندات خزانة، مشيرا إلى أنه “سنقلص عجز ميزانية العام الجاري من 14 إلى 12 في المئة‘‘.

وترزح تونس تحت وطأة أزمة اقتصادية خانقة حيث تتوقع الحكومة أن يبلغ عجز الميزانية 14 في المئة من إجمالي الناتج المحلي في 2020 وهي نسبة تعد الأعلى منذ 40 عاما تقريبا.

وترجع الأوساط الاقتصادية ذلك إلى الزيادة في الإنفاق بمقدار بلغ أربعة مليارات دولار بهدف التخفيف من تداعيات الجائحة الصحية.

وفي هذا الصدد قال الخبير الاقتصادي معز الجودي إن ’’الحكومة هي التي تتحمل المسؤولية.. هل المشيشي ليست له أي دراية في كيفية التعامل مع البنك المركزي.. كان الأجدى برئيس الحكومة التفاوض مع البنك على الميزانية التكميلية قبل الذهاب إلى البرلمان‘‘.

وأضاف الجودي في تصريح لـ”العرب” أن ’’كل الحكومات لا تملك أي رؤية لحلحلة الوضع الاقتصادي والاجتماعي الراهن.. إنهم يتولون الحكم من خلال صفقات سياسية ثم يواصلون إغراق البلاد.. لا أمل في هذه الحكومات‘‘.

وقال المشيشي إن ’’جائحة كورونا ستكون لها آثار اقتصادية لمدة سنتين أو 3 سنوات‘‘ موضحا أنه التقى خبراء اقتصاديين لتبادل الأفكار والاستماع إلى أطروحاتهم التي يمكن التعويل عليها من أجل التعاطي مع الوضع الاقتصادي الحالي وإيجاد الحلول المناسبة.

ولكن العديد من الأوساط السياسية لا تساير المشيشي في رؤيته حيال الوضع المتأزم حيث قال أمين عام حركة تونس إلى الأمام، عبيد البريكي ’’إن الأزمة الاقتصادية في تونس ليست وليدة اللحظة، وكل من يمسك الحكومة يتحدث عن إرث، وكأن رئيس الحكومة شكل فريقه الحكومي وهو لا يعرف الوضع وتفاصيله‘‘.

وأضاف البريكي في تصريح لـ”العرب”، ’’المشيشي كان يعرف أن هناك أزمات وغلق طرقات واحتجاجات.. وهذه أصبحت مقولة لا قيمة لها، المفروض بحكم درايته بالوضع أن يكون له برنامج وطرق معالجة واضحة‘‘.

وتابع “نتائج هذه الاختيارات انطلقت منذ نظام بن علي ولكن حكومة الترويكا وتحديدا حركة النهضة هي المتسبب الأول والرئيسي في تعميق الأزمة لأن مجيئها إلى الحكومة كان بهدف الغنيمة ولم يكن مقترنا ببرنامج اقتصادي يتجاوز الصعوبات السابقة، وما نعيشه طيلة سنوات هو نتيجة لاختلال الأمن ما تسبب في فتح الباب أمام الإرهاب والفكر التكفيري والاغتيالات التي أثّرت سلبا على الوضع في تونس”.

وبالرغم من الأزمة التي تواجهها تونس إلا أن الملاحظ لتحركات الطبقة السياسية مؤخرا يتضح له أنها ركزت على حساباتها الضيقة دون معالجة الأوضاع التي تعيشها البلاد.

ويرى مراقبون أن المشيشي لا يزال يسعى لكسر الجمود السياسي قبل أن تكرس عليه “الترويكا البرلمانية الجديدة” التي تقودها حركة النهضة الإسلامية (54 نائبا) وفيها ائتلاف الكرامة (19 نائبا) وحزب قلب تونس (30 نائبا) ضغوطا من أجل جني ثمار دعمها له.

وفي المقابل، تواصل هذه الترويكا جهودها من أجل ترضية بعضها البعض دون النظر إلى مآلات السياسات التي اختارتها وتداعياتها على الوضعين الاقتصادي والاجتماعي في البلاد، حيث يسعى رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي لتحصين موقعه كرئيس للبرلمان ورئيس للنهضة غير مبال بالأوضاع التي تعيشها تونس.

وتزيد كل هذه المعطيات، وفقا لمراقبين، من تعقيد مهمة مؤسسات الدولة في وضع حد للأزمة الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة منذ أشهر والتي عمقتها إجراءات التوقي من كوفيد – 19.

وقال عبيد البريكي إن ’’هذه الأوضاع الصعبة شوهت صورة تونس في العالم ولم تصبح وجهة للمستثمرين، وهؤلاء الساسة وفي مقدمتهم حركة النهضة لا يملكون مقاربة لتطوير الاقتصاد، بل انتهجوا شراء السلم الاجتماعي، وأصبح كل قطاع يتحرك يتفاوضون معه ويطالبون بالزيادة في الرواتب‘‘.

4