المشيشي مشتت بين الاستجابة لضغوط الشارع وتطويق كورونا

مجالس بلدية جهوية ترفض الالتزام بقرار منع الأسواق الأسبوعية.
الثلاثاء 2021/04/13
كورونا يحشر المشيشي داخل أزمة مجهولة النتائج

وضع الواقع الصحي والاقتصادي المأزوم الحكومة التونسية أمام امتحان عسير لإيجاد صيغة شاملة تهدف إلى كبح انتشار فايروس كورونا المستجد، وضرورة امتصاص الغضب الشعبي المتنامي من القرارات الأخيرة التي أعلنتها، والتي سرعان ما تراجعت عنها بسبب ضغط الشارع.

تونس – رفض عدد من المجالس البلدية الالتزام بقرارات الحكومة التونسية الخاصة بمنع الأسواق الأسبوعية في خطوة يرى مراقبون أنها وضعت حكومة هشام المشيشي في مأزق حقيقي حيث تتصاعد ضغوط الشارع من جهة وضرورة التحرك لتطويق وباء كورونا من جهة أخرى. ودعا نائب رئيس الغرفة الوطنية لأصحاب المقاهي صدري بن عزوز الحكومة إلى تمديد ساعات حظر التجوال إلى منتصف الليل.

واعتبر بن عزوز في تصريح لإذاعة محلية أن الوضعية الاقتصادية والاجتماعية لعمال المقاهي تتطلب مزيدا من التخفيف في الإجراءات، مؤكدا أن معدل رواتب عمّال المقاهي لا يتجاوز 500 دينار (180.67 دولارا).

وسبق أن أعلن رئيس الحكومة هشام المشيشي عن مراجعة توقيت حظر التجوال الليلي من الساعة السابعة إلى العاشرة مساءً استجابة إلى طلب الرئيس التونسي قيس سعيد، إثر الغضب الذي خلفه قرار فرض حظر الجولان بداية من الساعة السابعة لدى العاملين في المقاهي والمطاعم.

الصادق جبنون: المشيشي في وضعية صعبة جدا في ظل هبوط نسبة النمو
الصادق جبنون: المشيشي في وضعية صعبة جدا في ظل هبوط نسبة النمو

وقال إن حكومته استجابت لطلب رئيس الجمهورية وقررت أن ينطلق توقيت حظر الجولان من الساعة العاشرة ليلا بدلا من الساعة السابعة ويستمر إلى الساعة الخامسة صباحا، فضلا عن التراجع عن قرار غلق الأسواق الأسبوعية.

وأثار القرار غضبا واسعا لدى العمال وأصحاب المقاهي والمطاعم والتجار حيث كان من المرتقب أن يحيل قرابة 400 ألف شخص على البطالة، وفقا لغرفة أصحاب المقاهي التابعة لاتحاد الصناعة والتجارة.

ويرى مراقبون أن الحكومة كانت متخبطة في إدارة الأزمة الصحية ما جعلها تضع نفسها أمام عقبات جديدة بين ضغوط الشارع التي تنذر باحتقان مجتمعي جديد وقرارات اللجنة العلمية الهادفة إلى كبح انتشار فايروس كورونا وكسر نسق العدوى.

وأفاد الصادق جبنون الناطق الرسمي باسم حزب قلب تونس أن “القرارات المتعلقة بالجائحة في سائر بلدان العالم هي محل جدال ورفض من مختلف الفئات الشعبية”. وأضاف في تصريح لـ”العرب” أن “المجالس البلدية تعبر عن صغار المهنيين والمهن الحرة، و63 في المئة من الاقتصاد يأتي أساسا من الخدمات (السياحة والتجارة)، فضلا عن ضعف الدعم لمجابهة الموجة الثالثة من الوباء وارتداداتها الاقتصادية والاجتماعية”.

وتابع جبنون “حكومة المشيشي في وضعية أكثر صعوبة في ظل هبوط نسبة النمو إلى 9 – في المئة وغياب أفق للخروج من الأزمة، والحظر وقع تأجيله مع حالة مراقبة مستمرة لتطور الوضع الصحي”. وأشار إلى أن “منحة 200 دينار (70 دولارا) التي تمنحها الحكومة للعاملين بالمقاهي والمطاعم ضعيفة وكان من الضروري تمديد حظر التجوال الليلي”.

ولدى سؤاله عن مسألة رفض المجالس البلدية للقرار الحكومي الذي يوحي بنوع من التمرد على قرارات السلطة المركزية، قال جبنون “البلديات لها تخصصاتها بحكم القانون، وهناك آليات للتعديل من قبل الولاة وسلط الإشراف على الصعيد المركزي، وفي نهاية المطاف أعتقد أن الواقع الصحي هو ما سيفرض نفسه”.

ووضعت المعادلة بين الجانب الاقتصادي والصحي مشروعية قرارات حكومة المشيشي في زاوية صعبة، حيث أعلنت أغلب الفئات المتضررة من الغلق التمرد على قرارات الحكومة.

وأعلن أصحاب المهن الحرة وعملة المطاعم والمقاهي والباعة في الأسواق الأسبوعية عبر ممثليهم أنهم لن يلتزموا بالقرارات إلا إذا رافقتها إجراءات اجتماعية ودعم مباشر لهم للتقليص من التداعيات المالية والاقتصادية.

وبدورها أعلنت أجهزة تابعة للسلطة على غرار المجالس البلدية عن عدم التزامها بقرارات الحكومة. وعبر عدد من رؤساء بلديات بعض الولايات عن عدم التزامهم بقرار الحكومة بمنع الأسواق الأسبوعية على غرار ولاية مدنين (جنوب) وسيدي بوزيد (وسط).

نبيل حجّي: الحكومة في تخبط كبير وواضح في التعامل مع الأزمة الصحية
نبيل حجّي: الحكومة في تخبط كبير وواضح في التعامل مع الأزمة الصحية

وفضلا عن الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية يكشف رفض القرارات عن هشاشة القرار السياسي وأن الحكومة فقدت امتدادها في الشارع السياسي والشعبي حيث تواجه انتقادات حول تعاطيها مع الأزمة في العديد من جوانبها على غرار حملة التطعيم وغيرها.

وقال النائب عن التيار الديمقراطي نبيل حجّي في تصريح لـ”العرب”، “لم نرَ تعاملا جديّا من قبل الحكومة مع الأزمة، وهي تعيد نفس الأخطاء السابقة، وتعاملها مع اللقاحات كان متأخرا جدا، والإقبال عليها ضعيف”.

وأضاف “هذه الحكومة ترى بعين واحدة، وكان يفترض بناء على معطيات اللجنة العلمية أن تعلن حجرا صحيا مع التعويض للفئات المتضررة، ولكن المشيشي يتجنب إقرار الحجر حتى لا يتم التعويض المادي للمواطنين، ويقول لا بد من التضامن في الوقت الذي كان عليه إيجاد حلول أخرى”.

وبرأي حجّي “حتى التراجع عن القرارات غير مجد لأنه لا يُؤمّن رزق التونسيين ولا يمنع العدوى بالفايروس، وهذا يدل على أن القرارات أتخذت دون عقل، والحكومة في تخبط كبير وواضح”. واستطرد “أصبحت هناك معركة حياة أو موت بين الحكومة والفئات الشعبية”.

وفي خطوة تصعيدية ضد القرارات قطع محتجون الطرقات في ولاية الكاف (شمال غربي البلاد) وتجمع آخرون في مدينتي المنستير والمهدية الساحليتين رفضا لقرارات الحكومة.

وقالت الحكومة إنها ستصرف منحا بقيمة 200 دينار للآلاف من العمال في خطوة لتفادي احتجاجات اجتماعية في البلاد، غير أن هذه المنحة لا تلبي أدنى الاحتياجات خاصة في ظل موجة غلاء غير مسبوقة، فضلا عن صعوبات توزيعها على الفئات التي تستحقّها.

وسبق أن خاطب الرئيس سعيّد المشيشي قائلا “إنه من المفترض أن تتم مراجعة توقيت حظر التجول”، مضيفا “هناك الجانب العلمي ولكن هناك جانب اجتماعي واقتصادي، لا بد من قرارات تراعي هذه العناصر“.

وقال الأمين العام لاتحاد الشغل نورالدين الطبوبي إن قرار حظر التجول الجديد يحتاج للتعديل لأنه لم يراع مصلحة الكثيرين في الفئات الضعيفة، فيما أكد اتحاد الفلاحين في بيان له أن منع الأسواق الأسبوعية سيساهم في ارتفاع الأسعار.

واعتبر الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية أن الإجراء الحكومي ستكون له تداعيات مأساوية وقاسية جدا على العديد من القطاعات وخاصة على أصحاب المقاهي والمطاعم والعاملين بهما. وهددت الاتحادات الجهوية للصناعة والتجارة بالعصيان لأن القرار يهدد المئات من المؤسسات بالإفلاس ويحيل عشرات الآلاف من العاملين إلى البطالة.

4