المشيشي يختار القطيعة مع قيس سعيد وسط توتر اجتماعي

تحركات احتجاجية ليلية بمناطق متفرقة بتونس تحمل رسائل سياسية مُلتبسة.
الاثنين 2021/01/18
من يحرك الفوضى

تونس – قطع رئيس الحكومة التونسية هشام المشيشي خطوة جديدة بعيدا عن ظل الرئيس قيس سعيد، من خلال التعديل الوزاري الواسع الذي أعلنه مساء السبت في إجراء أملته جملة من الحسابات السياسية المُتعددة، ترافقت مع ضغوط حزبية وبرلمانية، وأخرى شعبية عكسها تنامي حركة الاحتجاجات الليلية التي اتسعت رقعتها لتشمل أكثر من 10 محافظات في البلاد.

وشمل التعديل الوزاري الذي أعلنه المشيشي حوالي ثلث فريقه الحكومي، وحقيبتين سياديتين هما الداخلية والعدل، حيث عمد فيه المشيشي إلى تحجيم نفوذ الرئيس قيس سعيد، عبر إلغاء -وبشكل نهائي- حضوره في تشكيلة حكومته الجديدة، باستثاء حقيبتي الدفاع والخارجية اللتين تعودان إليه بالنظر وفقا لأحكام الفصل 89 من دستور البلاد.

مبروك كورشيد: المشيشي أخرج بالتحوير الوزاري رئيس الجمهورية من اللعبة
مبروك كورشيد: المشيشي أخرج بالتحوير الوزاري رئيس الجمهورية من اللعبة

وفي المقابل، سعى المشيشي في هذا التعديل الوزاري إلى إرضاء أحزاب حزامه السياسي والبرلماني، وخاصة منها حركة النهضة وحزب قلب تونس، وذلك من خلال تعزيز حضورهما في تشكيلة حكومته الجديدة عبر إسناد عدد من الحقائب الوزارية إلى مُقربين منهما.

كما سعى أيضا إلى تمكين بعض المحسوبين على الاتحاد العام التونسي للشغل من عدد محدود من الحقائب الوزارية، وذلك بحثا عن هدنة اجتماعية يبدو أنه في أمس الحاجة إليها في قادم الأيام، بالنظر إلى ارتفاع منسوب الإضرابات والاعتصامات التي ترافقت مع تزايد الاحتجاجات الشعبية.

وعلى ضوء هذه المقاربة التي لا تخلو من حسابات بدت تجلياتها واضحة في الرسالة التي وجهها المشيشي إلى مكونات “وسادته السياسية والبرلمانية” التي لا تُخفي رغبتها في تقليص نفوذ الرئيس، وربما عزله نهائيا عن مجريات العمل الحكومي، تباينت الآراء والمواقف في توصيف أبعاد هذا التعديل الوزاري، وانعكاساته المُرتقبة على قواعد المُعادلة السياسية الراهنة.

وسارع حزب قلب تونس إلى الترحيب بهذا التعديل الوزاري، حيث قال أسامة الخليفي، رئيس كتلته النيابية، “نُبارك هذا التحوير(التعديل) الذي جاء بعد تقييم جدي في العمق”، مُعربا في الصدد عن اعتقاده بأن هذا التعديل “سيضمن لرئيس الحكومة أن يكون رئيسا فعليا للحكومة بكامل الصلاحيات، ويعمل مع فريق متجانس يضمن استقرار المؤسسات والدولة”.

ويؤكد هذا الترحيب مرة أخرى الآراء التي تحدثت في وقت سابق عن ضغوط قوية تعرض لها المشيشي من قلب تونس، وكذلك أيضا حركة النهضة، وهو بذلك يُكرس القراءات التي تذهب إلى القول إن هناك خيارات أخرى ما زالت على الطاولة، عنوانها الأبرز هو فك الارتباط بشكل نهائي بين رئيس الحكومة هشام المشيشي والرئيس قيس سعيد.

لذلك، لم يُفاجئ هذا الموقف المراقبين والناشطين السياسيين، ومنهم النائب البرلماني مبروك كورشيد، الذي قال لـ”العرب”، إنه تمت في هذا التعديل الوزاري “مراعاة الحزام البرلماني من خلال تعيينات قريبة لركائز الحكم التقليدية، حزب قلب تونس وخاصة حركة النهضة، وبذلك عزز المشيشي ثقة الحزام الحكومي فيه، وأخرج لاعبا أساسيا من اللعبة وهو رئيس الجمهورية”.

واعتبر أن “الخيارات التي نزع إليها رئيس الحكومة لم يكن مجبرا عليها، وكان يمكن أن يكتفي بالتحوير لسد الشغور، غير أنه خير تحويرا طال نصف وزرائه وقد أفقد بمحصلته الرئيس قيس سعيد كل عناصر القوة ضمن الفريق الحكومي، حيث لم يعد له وزراء يعول عليهم (أملاك الدولة والعدل والفلاحة والشباب) وأصبح دون أي نفوذ حقيقي”.

خالد شوكات: هناك أطراف ترغب في الخروج بالصراع إلى الشارع
خالد شوكات: هناك أطراف ترغب في الخروج بالصراع إلى الشارع

وفي سياق هذه القراءة التي تعكس أن قواعد المعادلة السياسية في البلاد بدأت تتحرك في أكثر من اتجاه، وربما مُنزلقة نحو مربع “القطيعة” التامة بين قيس سعيد وهشام المشيشي، قال الوزير الأسبق خالد شوكات لـ”العرب” إن التعديل الوزاري “يحمل قدرا من الرغبة لدى رئيس الحكومة في القطع مع تركيبة وزارية يرى أنها لا تخضع له بالكامل مثلما يقضي بذلك الدستور”.

وأشار إلى أن التحدي تمثل في “أن يحافظ رئيس الحكومة على الحزام السياسي الذي سانده، والذي لا يخفى على أحد أن جزءا منه في صراع مفتوح مع رئيس الجمهورية،… ومن هنا قد يكون المشيشي قد ظهر بهذا التحوير بمظهر الراغب في تعزيز مواقعه في هذه المعركة المفتوحة بين قصور الحكم الثلاثة”.

لكن اللافت في هذا التعديل الوزاري الذي يُرجح أن يتواصل الجدل حوله في قادم الأيام، هو تزامن الإعلان عنه مع اندلاع موجة من الاحتجاجات الليلية الصاخبة في ضواحي العاصمة، وفي عدد كبير من محافظات البلاد، تخللتها أعمال شغب وتخريب وحرق لمراكز أمنية، جعلت السلطات الأمنية تدفع بالمدرعات والعربات المُصفحة في سياق التصدي لها.

وتضاربت التقديرات في تحديد أسبابها، والأطراف التي تقف خلفها، حيث اعتبر مبروك كورشيد في تصريحه لـ”العرب”، أنها “ظاهرة تحدث خلال شهر يناير منذ سنوات، لكنها هذه السنة وقعت بشكل متزامن في العديد من المناطق، وهو ما يؤشر على أن لها بعدا سياسيا، فضلا عن أنها كشفت عن نزعة إجرامية لدى بعض المشاركين فيها من الطبقات المسحوقة”.

وفي المقابل، لم يتردد خالد شوكات في وصف هذه التحركات الاحتجاجية الليلية بـ”المشبوهة”، قائلا في هذا الصدد “يبدو جليا أن هناك من الأطراف السياسية من يرغب في تسخير بعض الأدوات الاحتجاجية والخروج بالصراع إلى الشارع لتحقيق بعض الأهداف السياسية، وهذه التحركات الليلية تتنزّل في هذا السياق”.

1