المشيشي يختار الهروب إلى الأمام مستقويا بالنهضة والدعم الخارجي

مصادر لـ"العرب": المشيشي يعتزم الإعلان في بداية الأسبوع القادم عن تفعيل التعديل الوزاري المعطل.
السبت 2021/05/01
معادلة جديدة في الأفق

تونس - قالت مصادر سياسية تونسية لـ”العرب” إن رئيس الحكومة هشام المشيشي ينوي الإعلان في مطلع الأسبوع المقبل عن تفعيل التعديل الوزاري المعطل منذ فترة في تصعيد مع الرئيس قيس سعيد أرجعته تلك المصادر إلى استقواء المشيشي بحركة النهضة الإسلامية ودعم خارجي.

وتراجعت حركة الاتصالات بخصوص معالجة الأزمة السياسية الحادة التي تعيشها تونس منذ يناير الماضي، وانكفأت المشاورات بشأنها بعد الزخم الذي شهدته في أعقاب إعلان الاتحاد العام التونسي للشغل مبادرته للحوار الوطني التي تاهت وسط المساحة الكبيرة من اللاثقة لا تزال تسود بين فرقاء الصراع.

وتعكس التصريحات السياسية التي تتالت خلال اليومين الماضيين أن كل طرف من أطراف الصراع بين الرئاسات الثلاث ما زال عند موقفه، ولا شيء يوحي بأن خرقا ما قد حصل باتجاه التهدئة، حيث وصلت كل المبادرات والمحاولات لإيجاد صيغة لتسوية توافقية إلى طريق مسدود.

وتنظر مختلف الأوساط السياسية إلى هذا الواقع بكثير من القلق والارتياب، خاصة بعد تواتر سلسلة من الإشارات التي تشي بأن المُعلن حتى الآن من مواقف يختلف تماما عما هو مخفي منها، وهي لا تخرج عن إطار تصعيد الصراع عبر الهروب نحو مربعات أخرى من الصدام بعناوينه السياسية والدستورية.

وقالت مصادر سياسية لـ”العرب” إن هذا المخفي الذي يدور حاليا في الكواليس يضيف إلى القرائن المتداولة التي تؤكد ارتهان رئيس الحكومة هشام المشيشي إلى مناورات حركة النهضة الإسلامية التي تدفع نحو معادلة جديدة تقوم على فرض معالجة للأزمة لا تأخذ بعين الاعتبار تداعياتها الكارثية.

ولفتت إلى أن هذه المعادلة التي بدأت ملامحها تتشكل تستند في جوهرها إلى جر رئيس الحكومة هشام المشيشي إلى تصعيد خلافاته المفتوحة مع الرئيس قيس سعيد عبر الإقرار بضرورة غلق ملف التعديل الوزاري المثير للجدل على قاعدة “التفعيل” الذي تُنادي به حركة النهضة.

واعتبرت أن تصريحات المشيشي الأخيرة التي حاول فيها التنصل من أي مسؤولية له في الأزمة السياسية الراهنة، التي لا تزال عصية على الحل والتغطية على دوره في منع حصول انفراج على خط المسار الحكومي، ليست معزولة عن سياق هذه المعادلة.

وكان المشيشي قد زعم في تصريحات أدلى بها على هامش مشاركته في احتفالية دينية بذكرى نزول القرآن الكريم، وذكرى غزوة بدر الكبرى بجامع عقبة بن نافع بمدينة القيروان بوسط البلاد، أن حكومته “لم تختر الأزمة السياسية، ولا تحبها ولم تذهب لها”، على حد قوله.

وتابع في سياق تنصله من المسؤولية قائلا “على المستوى الحكومي نحن غير معنيين بالتجاذبات السياسية، وشغلنا الشاغل هو العمل على تجاوز الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والصحية”، داعيا في نفس الوقت من وصفهم “الأطراف المُتسببة في الأزمة إلى التعقل والعمل الجماعي من أجل النهوض بالبلاد”.

Thumbnail

وقرأت مصادر “العرب” في هذه التصريحات أهدافا متعددة تعكس هروبا إلى الأمام، والتغطية على مسؤوليته في منع حصول انفراج على خط المسار الحكومي، خاصة وأن ما ذهب إليه المشيشي يعكس تفاهما مع حركة النهضة فرضته التحالفات التي نشأت على قاعدة التوازنات البرلمانية الداعمة لمنظومة الحكم حاليا.

وتُطالب حركة النهضة الإسلامية منذ عدة أسابيع بضرورة تفعيل التعديل الوزاري، حيث حثت في آخر بيان لها صدر قبل ثلاثة أيام المشيشي على هذا الأمر، ودعته إلى “اتخاذ الخطوات المناسبة لإنهاء أزمة التعديل الوزاري”، متهمة في نفس الوقت الرئيس قيس سعيد بـ”تعطيل مصالح ودواليب الدولة”.

وكشفت المصادر أن المشيشي يعتزم الإعلان في بداية الأسبوع القادم عن تفعيل التعديل الوزاري الذي كان البرلمان قد صادق عليه خلال جلسة صاخبة عقدها في الحادي والعشرين من يناير الماضي، الأمر الذي فتح معركة سياسية ودستورية بين رأسي السلطة التنفيذية.

وشمل التعديل الوزاري المذكور 11 حقيبة وزارية بينها الداخلية والعدل، وقد أطاح بوزراء محسوبين ومقربين من الرئيس قيس سعيد منهم وزير الداخلية توفيق شرف الدين، حيث برره المشيشي في ذلك الوقت بهدف “الرفع من مستوى النجاعة، وإحكام تطبيق سياسة الحكومة وتنفيذ خططها”.

ورفض قيس سعيد هذا التعديل الوزاري بعد أن أبدى عددا من التحفظات على بعض الوزراء الجدد بحجة تورطهم في قضايا فساد وتضارب مصالح، مُؤكدا أنه لا مجال لأن يؤدي هؤلاء اليمين الدستورية أمامه، ما فتح جدلا دستوريا حول مشروعية هذا الإجراء وتداعياته.

وبحسب ما تسرب من مُعطيات فإن “تفعيل” هذا التعديل الوزاري الذي يعتزم رئيس الحكومة الإعلان عنه في بداية الأسبوع القادم، يتضمن اتخاذ جملة من الإجراءات، منها تعيين الوزراء الذين رفضهم قيس سعيد كمستشارين، وبالتالي الالتفاف على جوهر الأزمة وإحراج الرئيس سعيد.

واعتبرت أن الأخطر من ذلك هو انتقال رئيس الحكومة إلى تكثيف اتصالاته بالسفراء الأجانب المُعتمدين في تونس، وخاصة منهم سفراء دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وذلك في تحرك بدا مُحددا بأهداف وغايات ليست بعيدة عن البحث عن دعم أجنبي وتأييد خارجي يمكنه من فرض رؤيته للحل.

وتنطلق هذه الرؤية التي تُشاطره فيها حركة النهضة الإسلامية من عنوان مفاده أن الوجهة الجديدة للمعالجة تبدأ من معادلة اعتبار المعالجة الاقتصادية متقدمة على المعالجة السياسية، وبالتالي تحميل الرئيس قيس سعيد مسؤولية استمرار الأزمة وتعطيل مؤسسات الدولة.

ويدفع المشيشي ومعه حركة النهضة بهذه المقاربة إلى الواجهة وسط ضجيج من التصريحات التي تُشير إلى اتساع دائرة التأييد الدولي لرئيس الحكومة، وذلك في رسائل مباشرة للرئيس قيس سعيد مفادها أن المجتمع الدولي يُساند الحكومة بتركيبتها الحالية التي كان البرلمان قد منحها الثقة.

لكن هذا الضجيج لم يحجب حقيقة أن المشهد الداخلي في البلاد ما زال محكوما بلغة التراشق بالاتهامات على إيقاع التوترات السياسية والتجاذبات التي تُبقي مُجريات الأزمة الراهنة مفتوحة على جولات جديدة من الصراع غير مُحددة بسقف زمني، يسعى فيها كل طرف معني بها إلى محاولة جعلها فرصة لتعزيز عناصر قوته.

4