المشيشي يضع الأحزاب التونسية أمام خيارين كلاهما مر

تشكيل حكومة تونسية مستقلة للانجاز الاجتماعي والاقتصادي وتقديم الحلول العاجلة.
الأربعاء 2020/08/12
المشيشي: المواطن فقد الثقة بالنخب السياسية

تونس - حسم رئيس الحكومة التونسية المُكلف، هشام المشيشي، خياراته السياسية بإعلانه التوجه نحو تشكيل حكومة كفاءات مستقلة تماما عن الأحزاب، وتتوفر في أعضائها النجاعة والنزاهة بعيدا عن التجاذبات السياسية.

وتُجمع مختلف القراءات السياسية على أن هذا التوجه سيُساهم في حشر حركة النهضة الإسلامية في زاوية ضيقة تفقد فيها سطوتها على المشهد السياسي، وتجعلها أمام خيارين لا ثالث لهما، وكلاهما مر.

محمد صالح العبيدي: رفض بعض الأحزاب مجرد مناورة لضمان مواقع في وزارات قوية
محمد صالح العبيدي: رفض بعض الأحزاب مجرد مناورة لضمان مواقع في وزارات قوية

ويتعلق الخيار الأول بالقبول بحكومة كفاءات مستقلة، والتصويت لصالح منحها الثقة في البرلمان، بينما يتعلق الخيار الثاني برفضه، ثم العمل على إسقاط الحكومة في البرلمان، وبالتالي تحمّل النتائج المُترتبة عن ذلك، بحل البرلمان والذهاب إلى انتخابات سابقة لأوانها.

ويُنظر إلى الخيارين على أنهما صادمان لتوجهات حركة النهضة ومناوراتها، ولا ينسجمان مع توجهات بقية الأحزاب الأخرى، ليبقيا مع ذلك مُقدمة لرسم مشهد جديد قد يتم فيه لجم سطوة الأحزاب، وخاصة منها حركة النهضة.

وقال المحلل السياسي التونسي محمد صالح العبيدي إن “المشيشي وضع الجميع أمام الأمر الواقع، فإما أن يصوتوا لصالح حكومته أو الذهاب في مغامرة مجهولة العواقب خاصة لحركة النهضة تتمثل في الانتخابات البرلمانية السابقة لأوانها”.

وعبر العبيدي في تصريح لـ”العرب” عن اعتقاده أن تصريحات الأحزاب جزء من مناورة في ما تبقى من المشاورات الحكومية لضمان مواقع في وزارات قوية لا أكثر. مؤكدا أن المشيشي حسم أمره وهو ينفذ استراتيجية الرئيس قيس سعيّد.

وعن فرضية الذهاب إلى انتخابات مبكرة يقول العبيدي “هي بمثابة المقامرة خاصة لحركة النهضة التي قد تكون هذه الانتخابات فرصة لخصومها، المتمثلين بالأساس في حركة الشعب والتيار الديمقراطي والدستوري الحر، لمواصلة الصعود”.

وتؤكد تصريحات رئيس حركة الشعب زهير المغزاوي ما ذهب إليه العبيدي الذي أكد في تصريح لـ”العرب” عقب لقائه بالمشيشي إن “المشاورات متواصلة مع رئيس الحكومة المكلف حول طبيعة الحكومة التي سيشكلها. لقد حاول طمأنتنا في اجتماعنا به الثلاثاء وأبلغنا أن الحكومة لن تكون منقطعة نهائيا عن الأحزاب بل ستكون منفتحة عليها”.

زهير المغزاوي: النهضة تحاول تخويف المشيشي والتونسيين وحتى ترهيبهم
زهير المغزاوي: النهضة تحاول تخويف المشيشي والتونسيين وحتى ترهيبهم

وأضاف المغزاوي في تصريح لـ”العرب” أن “حركة النهضة تحاول تخويف المشيشي والتونسيين وحتى ترهيبهم، بعد أن  فقدت المبادرة منذ سقوط حكومة الحبيب الجملي التي قدمتها على أساس أنها حكومة كفاءات مستقلة وفي الواقع هي حكومتها” وهو ما عكس تبدلا في موقف المغزاوي الذي عبر في تصريحات قبل لقاء المشيشي عن رفضه لخيار الحكومة المستقلة.

وقال المغزاوي تعليقا على رفض قيادات من النهضة لخيارات المشيشي “رئيس الحكومة المكلف اختار نهجه، فمن يريد الذهاب والتحالف معه له ذلك، ومن يريد أن يبقى في المعارضة فله ذلك”.

وبشأن الانتخابات المبكرة شدد المغزاوي على أنه “إذا فشلت هذه الحكومة في المرور، على الأحزاب أن تعيد الأمانة إلى أصحابها، ولا يمكن أن نرهن مستقبل التونسيين ومصلحتهم، ومعركتنا في حركة الشعب ليست معركة تموقع سياسي”.

وقال  المشيشي خلال مؤتمر صحافي عقده مساء الاثنين، هو الثاني له منذ تكليفه بتشكيل الحكومة الجديدة في منتصف الشهر الماضي، “إن عدم الاستقرار السياسي يُعد من أهم أسباب الأزمة التي تعيشها تونس”.

واعتبر أن الوضع الذي يسود البلاد حاليا “يُحتم تشكيل حكومة إنجاز اجتماعي واقتصادي، وتُقدم الحلول العاجلة دون أن تكون رهينة للتجاذبات السياسة، وقادرة على العمل في تناغم”.

وفي رسالة سياسية بالغة موجهة لغالبية الأحزاب السياسية، شدد المشيشي على أن “المواطن بدأ يفقد الثقة في قدرة النخب السياسية على تقديم الحلول المطلوبة، والاستجابة لتطلعاته”.

وسارع الحزب الدستوري الحر برئاسة عبير موسي (17 مقعدا برلمانيا)، وعدد من المنظمات الوطنية الكبرى، منها منظمة أرباب العمل، إلى الترحيب بهذا التوجه، فيما رفضته بقية الأحزاب.

وقالت موسي في تدوينة نشرتها في صفحتها الرسمية على فيسبوك إن حزبها سيتفاعل بشكل إيجابي مع هذا التوجه، وسيلتقي اليوم الأربعاء هشام المشيشي لتقديم اقتراحاته ورؤيته المستقبلية.

وبالتوازي شدد سمير ماجول رئيس منظمة أرباب العمل على “أهمية تكوين حكومة كفاءات اقتصادية مستقلة عن السياسة”، مُعتبرا في تصريحات إذاعية، أن “الحكومات السياسية أثبتت فشلها”.

ويُعزز هذا الرأي التقديرات التي تذهب إلى القول بأن  خيار المشيشي وما رافقه من رسائل سياسية يُعد ردا مباشرا على سطوة الأحزاب، وخاصة منها الضغوط التي مارستها حركة النهضة الإسلامية خلال الأيام القليلة الماضية لتوجيه مسار مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة نحو مُخططاتها.

بل إن البعض من المراقبين ذهبوا إلى حد القول إن توقيت الإعلان عن هذا التوجه الذي جاء بعد ساعات قليلة من انتهاء اجتماع طارئ لمجلس شورى حركة النهضة الإسلامية خُصص لبحث المسار الحكومي، من شأنه إسقاط مناورات هذه الحركة الإسلامية، وتضييق الخناق عليها.

ويجد هذا الموقف صدى له في رد فعل حركة النهضة وبعض القوى القريبة منها، على خيار الذهاب إلى حكومة كفاءات مستقلة،، حيث سارع نائب رئيسها، علي العريض، إلى رفض هذا التوجه، بحجة أنه يُشكل “اعتداء على الديمقراطية”.

وقال في تصريحات بثها التلفزيون الرسمي في ساعة متأخرة من ليل الاثنين – الثلاثاء، إن إعلان المشيشي تكوين حكومة كفاءات مستقلة يُشكل “إبعادا للأحزاب السياسية الفائزة في الانتخابات واعتداء على الديمقراطية”.

واعتبر في تهديد مُبطّن أن منح البرلمان الثقة للحكومة المُرتقبة “أمر غير مضمون، وأن حركة النهضة مُقتنعة تماما بأن حكومة غير مدعومة بأحزاب سياسية ستصطدم بالواقع المرير ولن تتمكن من الصمود”.

وبالتوازي، دعا هشام العجبوني، القيادي في حزب التيار الديمقراطي (22 مقعدا برلمانيا)، رئيس الحكومة المُكلف إلى “مراجعة خياره لأن الوقت لا يزال مبكرا جدا لتشكيل حكومة كفاءات مستقلة عن الأحزاب”.

1