المصائب جمعت مُصابي السياسة السودانية في أديس أبابا

الخميس 2014/02/20

لم يفق الشارع السوداني من الانشغال بالخطاب الأخير للرئيس البشير، الذي دعا فيه الجميع إلى (وثبة) كبيرة، حتى فاجأت حكومة المؤتمر الوطني كل الأوساط بإعلان مفاوضاتها بأديس أبابا مع الحركة الشعبية لتحرير السودان، قطاع الشمال، الذي انقسمت قيادته بين ياسر عرمان، ومالك عقار.

الحدثان جاءا في وقت شديد الصعوبة في السودان، فأزمات مفصلية بدأت تلقي بظلالها على الشارع السوداني، ودخلت في مفاصل حياته اليومية كأزمة الوقود والخبز والطحين وغيرها من الأزمات المصحوبة بمستوى غير مسبوق لغلاء الأسعار، مع تدني غير مسبوق في مستويات الدخل، ما جعل المواطن السوداني يعيش جحيما حقيقيا، فالحكومة الجديدة التي احتل فيها الجنرال بكري حسن صالح موقع العرابين اللذين انزويا عن المناصب الكبيرة (علي عثمان محمد طه، النائب الأول السابق للرئيس، ونافع علي نافع، مساعد الرئيس السابق)، ورثها النائب الأول الجديد وهي خاوية على عروشها، وهو ما جعل المراقبين يذهبون إلى أن تخلّي صقري الحكومة السابقين عن منصبيهما، جاء بسبب بلوغ الأمور مرحلة لا يمكن معها فعل شيء، وفرصة لإفشال البديل الشبابي الذي ضغطت أطراف كثيرة داخل الحركة المتأسلمة، وداخل الحزب الحاكم من أجل إحلاله مكان القدامى.

وفي ظل التشرذم اللامسبوق في صفوف الحزب الحاكم الذي خرج منه فصيل آخر بقيادة مستشار الرئيس السابق، وأهم مهندسي اتفاقيات دارفور، غازي صلاح الدين، الذي كوّن حزبا آخر أسماه الإصلاح والتجديد، ليعمّق أزمة الانقسامات داخل المؤتمر الوطني، والذي انشق منه قبله، خال الرئيس الطيب مصطفى، وهو من أشد المتشددين، وأكثر المساهمين في فصل الجنوب، وقد كوّن لهذا الغرض كيانا أشبه بالحزب المنفصل أسماه (منبر السلام العادل)، ما جعل الحزب الحاكم الذي مارس لعبة إضعاف الأحزاب السياسية المعارضة في السابق عبر تأليب بعض قادتها على الانشقاق وتكوين كتل وجزيئات صغيرة، يقع في ذات الحفرة التي حفرها لغيره، فقد أصبح الحزب الحاكم فعليا وبذات عباءته وخطابه الأيديولوجي، ينقسم إلى أربعة أحزاب هي المؤتمر الوطني بقيادة البشير، والمؤتمر الشعبي بقيادة حسن الترابي، ومنبر السلام العادل بقيادة الطيب مصطفى، وأخيرا حزب الإصلاح والتجديد بقيادة غازي صلاح الدين، ولو صحّت حقيقة وجدية هذه الانقسامات، حيث يشكك الكثير من المراقبين في ما وراء كواليسها، فإن الانتخابات المقبلة ستكون غريبة النتائج.

ما يدعو للاستغراب بالفعل هو جلوس الحركة الشعبية (قطاع الشمال)، وهي الابن الشرعي للحركة التي دفعت بشدة عملية فصل الجنوب عن الشمال، وتولت زمام قيادته بواسطة الرئيس سلفاكير وأعوانه الذين تخلّى عنهم فيما بعد أمثال فاقان أموم وعدوّه الحالي رياك مشار الذي كان نائبا له بالأمس، مع الحكومة السودانية التي اعتبرت الحركة بالأساس امتدادا لحزب يحكم دولة أخرى، بل وظلت تسوّق دائما لحقيقة انتمائه للحركة الحاكمة في الجنوب، وتلقيه المعونات العسكرية والمالية، ليحارب عنها بالوكالة، وهو ما دعا حكومة المؤتمر الوطني في الشمال إلى الاختلاف مع مالك عقار الذي كان واليا على النيل الأزرق عن الحركة الشعبية التي لم يعد لها وجود بالشمال السوداني، واستبداله بوالٍ جديد يتبع للمؤتمر الوطني، وهو ما دفع عقار للتمرد وقيادة جبهة حرب جديدة في ولاية النيل الأزرق، بينما احتفظ ياسر عرمان القائد الشمالي الآخر- المتزوج من بنت القائد الجنوبي الراحل قرنق- والذي سبق له الترّشح لانتخابات الرئاسة عن الحركة الشعبية التي أصبحت حكومة لدولة مجاورة، قبل أن يتم سحبه في اللحظات الأخيرة على خلفية تهامس المقربين، على أنها صفقة تمت بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية التي كانت تقاسمه الحكم آنذاك، منطقة جبال النوبة في جنوب كردفان. فالطرفان لا يوجد بينهما أي شيء يتفاوضان عليه، لأن الطرف الشمالي لا ينظر للحركة على أساس أنها حركة سودانية، بينما الحركة الشعبية قطاع الشمال ظلّت دائما ترفع شعار لا تفاوض ولا محادثات في ظل وجود المؤتمر الوطني على سدة الحكم، فما الذي جعل الطرفان يلتقيان الآن في أديس؟

الواضح أن المؤتمر الوطني الحاكم يعيش أضعف أيامه بعدما أوصل البلاد إلى حالة من التردّي الاقتصادي التام، ورغم تغيير وجهه بالنائب الجديد بكري حسن صالح الذي يجد قبولا، حتى، من عدد كبير من غير مؤيدي الحزب الحاكم، أو أولئك الذين يؤيدونه نكاية في الثنائي المعزول عن مراكز القرار (النائب الأول والمستشار السابقين)، إلا أن الحقيقة تقول أن لا شيء يمكن أن ينقذ الاقتصاد السوداني إلا منح أو أموال تأتي من حلفاء آخرين كالسعودية وقطر، أو يحاول التنظيم الإخواني الذي يواجه الأمرّين في مصر، تهريب مدخراته حتى لا يفقد المتأسلمون السودان ومصر معا، أو تحتضنه بعض الدول الخليجية الغنية الأخرى وتحاول إنقاذه من التردّي لتقطع الطريق أمام تفكير الإخوان المصريين في بناء ملاذ آمن في أقرب دول الجنوب.

أما الحركة الشعبية قطاع الشمال، فتعيش أضعف حالاتها، فالداعم الأساسي للحركة انشغل حاليا بحربه ضد نائب وحليف الأمس وعدو اليوم، ولم يعد بإمكانه الاعتماد عليه، فحكومة الجنوب مجبرة على الانكفاء على ذاتها وهي تخوض الحرب الشرسة التي بدأت في التحول إلى حرب أهلية، وهو ما جعل الأوساط الحكومية تروّج لخروقات كثيرة من أفراد حركة قطاع الشمال، على ممتلكات المواطنين حتى لا يموت أفرادها جوعا بسبب انقطاع الموارد عنها جراء الحرب الدائرة في الجنوب.

الطرفان في أضعف حالاتهما، والمصائب وحدها التي جمعت المصابين في أديس التي تحتضن الآن حكومتي الدولتين في مفاوضات متعددة، رغم أن التجارب السابقة أثبتت أن الوسيط الأثيوبي في حلحلة مشاكل السودان لم يجن سوى النجاحات الوقتية، فقد تدخلت أثيوبيا كثيرا كوسيط لمشكلات السودان، ومنذ العهد المايوي وحتى هذه اللحظات، لم تصمد أية اتفاقية تم توقيعها في أديس أبابا، لأن الوساطة الأثيوبية تعودت أن تكون وساطة ترضيات وتهدئة، فهي متشابهة رغم اختلاف المتفاوضين والمفاوضين، تبدأ دائما بوقف لإطلاق النار، وتقسيم للسلطات والثروات، وبعد فترة قصيرة تتفجر الأوضاع لتبدو أضخم من فترة ما قبل الوساطة، ذلك أن أثيوبيا لم تتعلم حتى الآن كيف تقيم حلولا جذرية تتمكن من وقاية نفسها على المدى القريب والبعيد، ولم تتعلم كيف تبدأ في حلحلة المشكلات قبل وصولها خط النهاية، ولم تخف أيضا في كل وساطة تحاملها على هذا الطرف أو ذاك، فما الذي ستسفر عنه وساطة هذه المرة يا ترى؟


صحفي سوداني

9