المصاحف العثمانية تلخص قصة الدين والسلطة في تركيا

ينظر الأتراك، العثمانيون والكماليون على حد السواء، إلى المصاحف القيّمة على أنها تعبير عن الهيمنة وامتلاك السلطة والهيبة السياسية والدينية. وتكشف المعارض الإسلامية، خصوصا التي تنظم في الخارج، على غرار المعرض الذي احتضنته مؤسسة سميثسونيان في واشنطن في الفترة من 22 أكتوبر 2016 إلى 20 فبراير 2017، كيف أن تركيا كانت دائما ساحة منافسة بين التيارين العلماني والإسلامي.
الأربعاء 2017/02/22
نوستالجيا عثمانية

واشنطن - تعتبر المصاحف والمخطوطات القرآنية والإسلامية أحد أهم مكونات المتاحف في تركيا. ولا تستمد هذه المعروضات أهميتها من بعدها الجمالي فقط، بل أيضا من بعدها التاريخي. تروي هذه المعروضات جزءا من قصة الدين والسلطة في تركيا؛ وهي قصة ولئن اختلفت في ظاهرها بين تركيا الأتاتوركية العلمانية وتركيا العلمانية الإسلامية، إلا أنها تكشف كيف كان الدين دائما هاما حتّى لأكثر الحكومات علمانية، وتبقى السلطة مهمّة حتّى لأكثر الحكومات الدينية.

لم تبق هذه القصة حبيسة جدران قصر دولما باهتشة وتوب كابي ومتحف الآثار التركية الإسلامي وغيرها من متاحف إسطنبول، بل يتردد صداها في عدة معارض عالمية، من ذلك معرض فن كتابة القرآن: كنوز من متحف الفنون التركية والإسلامية، الذي تم تنظيمه مؤخرا في واشنطن.

احتضن المعرض عددا من المصاحف المزخرفة تم جمعها في عهود مختلفة من حكم الإمبراطورية العثمانية الذي دام 6 قرون سيطرت خلالها على غالبية العالم الإسلامي. أحد هذه المصاحف صادرها السلطان سليمان القانوني من مقبرة حاكم مغولي غابر، وتظهر أطرافه المسطّحة من الذهب، مع خطوط كتابة متعدّدة الألوان، وآخر للقراءة على روح «سليم الثاني»، ويضمّ أشكالا تشبه أوراق الشجر على خلفية من اللازورد.

لكن وراء جمال هذه المصاحف المعروضة التي تم عرضها في قاعة آرثر إم ساكلير غاليري للمعروضات الفنية التابعة لمؤسّسة سميثسونيان، كما عرضت على معرض الموقع الإلكتروني لمتحف سميثسونيان، يكمن التاريخ أيضا. وقد رصد جزءا من هذا التاريخ نيك دانفورث، في قراءة نشرتها مجلة فورين افيرز الأميركية.

يقول دانفورث إنه في حين كثيرا ما يصف المراقبون تركيا الحديثة باعتبارها دولة ممزّقة بسبب التنافس بين العلمانية والإسلام، كشف المعرض عن غير قصد الطرق المعقّدة لكيفية تعايش الأيديولوجيتين معا طوال الوقت. وفي تركيا، كما في أي مكان آخر، كان الدين دائما مهما حتّى عندما حكمت البلاد أكثر الجهات علمانية، مثلما تشكل السلطة عاملا مهمّا حتّى عند الإسلاميين.

عرض الموقع الإلكتروني لمتحف سميثسونيان مجموعة من الخرائط التفاعلية التي تظهر «رحلات التنقّل الطويلة» للمصاحف في المعرض، بدءا من طباعتها وتنقّلها بين المدن المختلفة، وكيف وصلت إلى مقرّها النهائي الدائم حاليا بمتحف الفنون التركية والإسلامية في إسطنبول.

ويوضّح القائمون على المعرض كيف «حاز السلاطين العثمانيون على البعض من أثمن المصاحف، كهدايا أو غنيمة حرب، أو من خلال شرائها، ثمّ قاموا بمنحها للمؤسّسات العامة والدينية تعبيرا عن التقوى والسلطة ولكسب الهيبة».

ولأي شخص يهتم بالدين والسلطة في تركيا المعاصرة، فإنّ تاريخ تلك الكتب المقدّسة يخبر بذلك. ففي تركيا الحديثة، كما هو الحال في الإمبراطورية العثمانية، فإنّ امتلاك ونقل وعرض المصاحف الشهيرة لا يزال طريقة لإظهار الولاء والحداثة والفخر الوطني.

الدين كان دائما أساسيا ومهما في تركيا حتى في الفترات التي حكمت فيها أكثر الحكومات علمانية وأشدها معاداة للخلافة

وفي أواخر القرن التاسع عشر، رأى القادة العثمانيون أراضي إمبراطوريتهم الواسعة تتآكل على يد الثورات القومية والزحف الأوروبي، فسعى السلطان عبدالحميد الثاني إلى تعزيز الإمبراطورية من خلال الجمع بين المركزية والحداثة والتدين للحد من هذه الخسائر.

وفي نفس الوقت الذي بنت فيه الدولة خطوط السكك الحديد وخطوط التلغراف لربط الإمبراطورية، أبرز السلطان عبدالحميد دوره كخليفة لكسب ولاء رعاياه المسلمين. وفي بعض الأحيان، كان العمل على بناء دولة قوية وتعزيز الشرعية الدينية يسيران جنبا إلى جنب.

ومع بداية العقد الأول من القرن العشرين، بدأ السلطان عبدالحميد إنشاء خط السكة الحديد الذي يمتدّ من إسطنبول إلى مكّة. وفي الخطاب العثماني، تمّ الترويج للمشروع كوسيلة لتسهيل نقل الحجّاج إلى المدينة الإسلامية المقدّسة، لكن كما تعلم الأميركيون من لورانس العرب، فإنّ السكك الحديدية كان يقصد بها أيضا مساعدة الإمبراطورية في ممارسة القوّة العسكرية في المناطق البعيدة والثائرة.

وفي عام 1908، قام ضباط في الجيش العثماني بما عرف حينها باسم “ثورة تركيا الفتاة”، التي أدت إلى خلع السلطان عبدالحميد الثاني وتنصيب أخيه محمد الخامس. وسارت حركة تركيا الفتاة على نفس النهج العثماني في بناء سياسات الدولة، لكن مع زيادة التركيز على القومية التركية والتحديث العلماني.

وبعد عدة سنوات، بدأت الحكومة بجمع خيرة المصاحف التي تبرّع بها السلاطين إلى المساجد والمقابر والمؤسّسات الدينية، لعرضها في متحف جديد في العاصمة إسطنبول. وهذه المجموعة هي التي تم عرضها في متحف سميثسونيان، مؤخرا.

وكان تجميع هذه المجموعة عملا في إطار بناء الدولة العلمانية لكن مع الحفاظ على الجانب الديني؛ وهي سياسة أرجعها نيك دانفورث إلى أن الدولة كانت تسحب السيطرة على المشاريع الدينية الهامة من أيدي المؤسّسات الدينية، لتضعها تحت سيطرة مؤسسات، في شكل متاحف، تابعة لها.

وكانت الحداثة والتحضر واكتساب الطابع الأوروبي من ضمن الأهداف التي دفعت الحكومة إلى تجميع تلك القطع الثمينة ووضعها في متحف وطني، ولكن في نفس الوقت، تم تقديم تلك المجهودات على اعتبار أنها احتفال بهوية الإمبراطورية الإسلامية. وتمّ افتتاح المتحف الجديد باسم متحف الأوقاف الإسلامية.

وبعد هزيمة العثمانيين في الحرب العالمية الأولى، جاء مصطفى كمال أتاتورك ليبني الجمهورية التركية على أنقاض الإمبراطورية العثمانية. وركّزت أيديولوجيا أتاتورك على الهوية القومية وليس الدين، لكن استمرّ نهج الحكومة في عرض الفنّ الديني رغم التغيير.

واستخدمت المصاحف بشكل روتيني كهدايا دبلوماسية في أنحاء العالم الإسلامي لترسيخ التحالفات السياسية والعسكرية. وسرعان ما تحوّل متحف الأوقاف الإسلامية بإسطنبول إلى متحف الفنون التركية والإسلامية. وجاء الاسم الجديد كتأكيد على القومية التركية، لكنّ الإسلام كان لا يزال موجودا.

ومع سعي أتاتورك لجعل تركيا أكثر علمانية، أصبحت المصاحف العثمانية المزخرفة، في الخطاب الرسمي، دليلا على العبقرية الفنية التركية بدلا من التقوى الإسلامية، لكن في نفس الوقت، وفّرت هذه اللغة الجديدة على الرغم من ذلك سبيلا للنظام الجديد، وبعض أعضائه المتدينين، لاستمرار إجلال الدور الذي يلعبه الدين في هوية الدولة الجديدة.

ومع تخطّي الزمن والوصول إلى الحاضر، يبقى معنى المصحف العثماني أكثر مرونة مما قد يبدو. وفي يناير عام 2002، وصل أحد هذه المصاحف إلى واشنطن في ظروف فريدة من نوعها إلى حدّ ما. فقد جلب رئيس الوزراء التركي، بولنت أجاويد، صاحب الفكر اليساري والملتزم بالعلمانية، مصحفا صغيرا يرجع إلى القرن السادس عشر للرئيس جورج دبليو بوش.

وفي أعقاب تفجيرات 11 سبتمبر 2001، بدت الهدية لمحة مميّزة من زعيم علماني في بلد أغلبه من المسلمين الحريصين على فصل الدين عن الإرهاب. وبالنسبة إلى أجاويد، كان ذلك تذكيرا للأميركيين في سياق آخر بأنّ الأتراك، شاؤوا أم أبوا، مسلمون وأن الهدية القرآنية في معناها هي إقرار بهذه الحقيقة واحتفاء بالإيمان.

وليس من المفاجئ اليوم، أن تسير حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان الإسلامية على هذا النهج، بل وباحتفاء أكبر، قلب معادلة أتاتورك، حيث التأكيد على المحتوى الإسلامي للمصاحف العثمانية إلى جانب قيمتها كإرث فنّي.

وأكثر ما يثير الاهتمام والفضول، أنّ المعرض أعطى منافسي أردوغان من العلمانيين فرصة المشاركة في الاحتفال. فبالإضافة إلى مشاركة وزارة السياحة التركية، برز اسم مجموعة دوغان كراع للمعرض. ويمثّل أيدين دوغان ومجموعته جزءا تقليديا من مجتمع الأعمال العلماني في تركيا.

12