المصادر الحكومية وراء شحة المعلومات عن كورونا في الإعلام المصري

إصرار بعض الحكومات على تقييد حرية الإعلام وقت الأزمات الإنسانية يخلق لدى الجمهور حالة من الخوف تفوق تأثير نشر الشائعات.
الجمعة 2020/03/06
الهاتف مصدر المعلومات الأساسي

يساهم نقص المعلومات والأخبار المحلية عن فايروس كورونا في مصر في تكريس القطيعة بين الجمهور ووسائل الإعلام لصالح منصات التواصل التي أصبحت المصدر الأهم لدى الجمهور للحصول على المعلومة.

القاهرة- تعاني وسائل الإعلام المصرية شحّا في المعلومات وتهديدا بالعقاب إذا نشرت ما يخالف البيانات الرسمية المرسلة إليها حول فايروس كورونا، فيما الجمهور أصبح في حالة شتات بين ما يُبث من أخبار على منصات التواصل الاجتماعي وبين المعلومات التي يبثها الإعلام الرسمي.

وأصدر مجلس تنظيم الإعلام قبل أيام تعميما للصحف والقنوات والمواقع الإلكترونية بحظر تناول أي معلومات أو بث مواد تتعلق بحدوث أوبئة إلا بمعرفة الجهات المختصة، لدرجة أنه قرر معاقبة 16 صحيفة رقمية بـ”لفت النظر” لأنها رفضت الالتزام بقواعد التغطية الخاصة بفايروس كورونا.

وتكمن المعضلة الأكبر في أن الجمهور لا يثق في بيانات الجهات المعنية بإدارة الأزمة، ويتم التعامل مع المعلومات الرسمية على أنها موجهة ومغايرة للحقيقة، نظرا لالتزام الصحف والقنوات الفضائية حرفيا بما يتم إعلانه في البيانات، والتغاضي عن مناقشة القضية من وجهات نظر مختلفة.

وقال صفوت العالم، أستاذ الإعلام السياسي بجامعة القاهرة، لـ”العرب”، إن إصرار بعض الحكومات على تقييد حرية الإعلام وقت الأزمات الإنسانية يعكس أن أغلب من يديرون المنظومة لا يصلحون لتولي المهمة، لأنه من البديهي أن يكون الإعلام شريكا أصيلا في المواجهة والتوعية لا أن يتم تحميله مسؤولية الهلع والخوف.

ويجب على الإعلامي أن يكون ظهيرا للحكومة بكشف التقصير في أي خطوة يمكن أن تنقذ البلاد من كارثة، وهذا لا علاقة به بالدور الذي يقوم به الإعلام في مساعدة الحكومة، لأنه يرتبط بحياة الآلاف من الناس، فإذا وجد ثغرة عدم تطبيق معايير السلامة في أحد المطارات يجب نشرها، لا أن يتم إلزام المؤسسات الإعلامية بإظهار الحكومة وكأنها بطل قومي.

صفوت العالم: إصرار أي دولة على التقليل من دور الإعلام في تغطيته لفايروس كورونا، يعزز إخفاقها في مواجهة الوباء
صفوت العالم: إصرار أي دولة على التقليل من دور الإعلام في تغطيته لفايروس كورونا، يعزز إخفاقها في مواجهة الوباء

ويرى متابعون أن تكميم أفواه الإعلام مع التضييق على حرية تداول المعلومات وقت الكوارث الإنسانية يخلق لدى الجمهور حالة من الخوف تفوق تأثير نشر الشائعات، لأن الشارع حينها سوف يشعر بأن الحكومة تخفي الواقع الحقيقي، وهناك الكثير من الكوارث والمعلومات المحبطة تتخفى وراء البيانات الرسمية ولا يتم نشرها.

ويقول هؤلاء إن شيطنة وسائل الإعلام التقليدية لمجرد التحرر من البيانات الرسمية التي تصدر بشكل بطيء لا تتواكب مع سرعة تطورات الحدث، وتكرس القطيعة بين الجمهور والصحف والشاشات لصالح منصات التواصل حتى أصبحت الأخيرة المصدر الأهم لدى الجمهور للحصول على المعلومة.

وأصبح لدى الكثير من المواطنين شعور بأن هناك تعتيما على الحالات المصابة بفايروس كورونا ولا يعرفون عددها، بسبب عدم تركيز الإعلام على الوضع محليا مقابل الاهتمام بدول أخرى، وهو ما دفع الأصوات الإعلامية والناطقين باسم وزارات في الحكومة المصرية للخروج على الجمهور كل يوم لتأكيد أنه لا يتم إخفاء شيء.

وأكد (محمد.م) وهو اسم مستعار لصحافي يعمل بإحدى المؤسسات الإعلامية الخاصة، أنه عندما حاول الحصول على تصريح لإجراء تغطية ميدانية من داخل مستشفى الحجر الصحي بمحافظة مرسى مطروح القريبة من الحدود الليبية، قوبل طلبه بالرفض وتم إبلاغه بأنه محظور على الإعلام الاقتراب من المنطقة، لأنه المتهم الأول في إثارة الذعر بين الناس.

وأضاف أنه عندما حاول شرح مبرراته بالذهاب إلى المستشفى، ويريد طمأنة الجمهور بتعافي الحالات المحتجزة وليس كل مشتبه به ينتظر الموت، وإجراء لقاءات معهم بعيدا عن لغة البيانات الرسمية لم يفلح في تليين مواقف المسؤولين بوزارة الصحة، وكان ردهم أن “لديهم تعليمات بحظر وجود الإعلام في المكان”.

ويشير خبراء إلى أنه يمكن التغاضي عن تقييد حرية الإعلام وقت الكوارث مثل انتشار كورونا، شريطة أن يتم تعويض ذلك بتدفق معلوماتي يلبي احتياجات الجمهور، ويدحض الشائعات، حتى لا يضطر الإعلام إلى اللجوء لمصادر مجهولة، لكن المشكلة أن هناك حكومات تريد أن يظل إعلامها خاضعا للمعلومة الموجهة، وعكس ذلك سوف يكشفها أمام الشارع.

ويلفت هؤلاء إلى أنه من الصعب أن يكون هناك إعلام توعوي مع استمرار سياسة التعتيم، لأن الحرية في مناقشة القضايا المجتمعية محل تركيز واهتمام الشارع، ولا يمكن أن تكون خاضعة لتوجيهات وإملاءات، واحترام الرأي العام من خلال إفساح المجال للإعلام للتفاعل مع مخاوفه السبيل الأمثل لتجييش الشارع خلف المؤسسات الرسمية.

 

وأوضح صفوت العالم، لـ”العرب”، أن إصرار أي دولة على التقليل من دور الإعلام في تغطيته لفايروس كورونا، يعزز إخفاقها في مواجهة الوباء، فتبحث عن حلقة ضعيفة لتحسين صورتها أمام الرأي العام، في حين أنها لو اختارت المكاشفة والمصارحة وسمحت للإعلام بأن يقوم بمهمته بشكل مستقل لن تواجه صعوبة في مواجهة الأزمة.

أصبح لدى الكثير من المواطنين شعور بأن هناك تعتيما على الحالات المصابة بفايروس كورونا ولا يعرفون عددها، بسبب عدم تركيز الإعلام على الوضع محليا مقابل الاهتمام بدول أخرى

وذكر مؤيدون لعدم إطلاق العنان للإعلام، أن الكثير من المنابر تفتقد إلى الحنكة في معالجة الأزمات وتهتم بالإثارة على حساب التوعية والتثقيف، لكن أصحاب هذا الرأي لا يدركون أن الأمر يرتبط بإصرار جهات مالكة للإعلام على اختيار شخصيات في منصب الإدارة والتحرير والجلوس على كرسي المذيع غير مؤهلة وبعضها يعاني خواء معرفيا.

ولا يقتصر الأمر على مصر، حيث تعمل بعض الحكومات العربية على شيطنة وسائل الإعلام عند تغطيتها لقضية انتشار فايروس كورونا، ما يؤكد أنها لم تقتنع بعد بأن العصر لم يعد يسمح بأن يكون الإعلام موجها، أو تُفرض عليه إملاءات وتوجيهات في ظل التطور السريع الذي تعيشه وسائل الاتصال المختلفة، ما يستدعي أن تكون الشفافية مبدأ عاما في التعامل.

وتكفي مطالعة جزء بسيط من تصريحات مسؤولين حول فايروس كورونا للوقوف على حالة العداء مع وسائل الإعلام، والإصرار على تشويه صورتها في أذهان الجمهور، والإيحاء بأن أغلب ما يُنشر عن هذه القضية شائعات ضاعفت الهلع والخوف لدى المواطنين، ومبررات المسؤولين تنحصر تقريبا في أن الإعلام خرج عن البيانات الرسمية.

ويبدو الواقع الراهن، وكأن هناك شبه اتفاق على تحميل الإعلام مسؤولية انتشار المخاوف من الفايروس. ففي لبنان اتهمت وزيرة الإعلام منال عبدالصمد الصحف والقنوات المحلية بنشر أخبار كاذبة على نحو مكثف حول انتشار المرض، وفي الجزائر، وصف رئيس الحكومة عبدالعزيز جراد وسائل الإعلام بأنها “تهوّل الموقف”، فيما توعدت وزارة الشؤون القانونية بالأردن بمحاسبة الخارجين عن البيانات الرسمية.

18