المصادقة على قانون الجمعيات الأهلية: خطوة مصرية لتجفيف منابع التمويل الأجنبي

الأربعاء 2016/11/16
حماية للأمن القومي

القاهرة – عززت مصادقة البرلمان المصري على غالبية مواد قانون الجمعيات الأهلية، الرقابة على الجمعيات، حيث يلزم القانون الأخيرة بالإعلان عن مصادر تمويلها وميزانيتها وأنشطتها السنوية، وجاءت المصادقة بعد شهرين من تأييد منع عدد من النشطاء الحقوقيين من التصرف في أموالهم، لارتباطها بالقضية المعروفة في مصر بـ”التمويل الأجنبي”.

ويوجب القانون الجديد على جميع الكيانات التي تمارس العمل الأهلي أن تقوم بتعديل نظمها وتوفيق أوضاعها وفقا لأحكامه، خلال ستة أشهر من تاريخ العمل به وإلا قُضى بحلها بحكم القضاء، ويلزم القانون الجهة الإدارية أولا بأول بحصر الكيانات التي لم تقم بتوفيق أوضاعها وفق أحكام القانون.

وبعد الموافقة على معظم مواد القانون المقدم، تكون جميع منظمات المجتمع المدني في مصر مطالبة بالكشف عن مصادر تمويلها ووضعها تحت رقابة البنك المركزي المصري، وتقديم كافة تلك البيانات إلى الجهاز القومي لتنظيم عمل المنظمات الأجنبية غير الحكومية، وهي جهة رسمية جديدة نص على إنشائها القانون الجديد وتهتم بكل ما يتعلق بتأسيس وعمل ونشاط المنظمات الأجنبية غير الحكومية في مصر.

وفجر القانون خلافا بين البرلمان والحكومة، وبين البرلمان ومنظمات المجتمع المدني، بعدما رفض مجلس النواب انتظار مشروع القانون المقدم من الحكومة، ورأى أنها تباطأت في تقديمه، وهو ما جعله يناقش مشروعا لقانون تقدم به رئيس لجنة التضامن الاجتماعي بالبرلمان، وبموافقة 200 نائب، بل إنه وافق على القانون بشكل مبدئي في نفس الجلسة مساء الاثنين.

وحاول القانون تقليص الأدوار السياسية لمنظمات المجتمع المدني، فلم يجز لها العمل في مجال أو ممارسة نشاط يدخل في نطاق عمل الأحزاب أوالنقابات المهنية أو العمالية أو ذات الطابع السياسي أو كل ما يضر بالأمن القومي للبلاد أو النظام العام أو الآداب العامة أو الصحة العامة.

وقال طارق فهمي الخبير بمركز دراسات الشرق الأوسط بالقاهرة، لـ”العرب”، إن” القانون يأتي ضمن إستراتيجية للحكومة المصرية في التعامل مع الأطراف التي تتلقى تمويلات أجنبية لأغراض سياسية، وأن تلك الإستراتيجية بدأت منذ عام 2011 في ما عرف بقضية التمويلات الأجنبية، وأعقبها تجفيف لمنابع تمويل جماعة الإخوان وانتهاء بقانون الجمعيات الأهلية.

وتعرضت الحكومة المصرية للعديد من الضغوط الدولية، منذ أن أعادت فتح قضية التمويلات الأجنبية في شهر مارس الماضي، ورغم أن تلك الانتقادات لم توقف استمرار القضية، غير أنها كانت سببا رئيسيا في تعثر إقرار القانون.

جميع منظمات المجتمع المدني في مصر مطالبة بالكشف عن مصادر تمويلها ووضعها تحت رقابة البنك المركزي المصري

وأوضح فهمي أن إقرار القانون في الوقت الراهن له دلالات سياسية مرتبطة بالانتخابات الرئاسية الأميركية، وتيقن القاهرة من عدم وجود ردود فعل دولية قوية تجاه القانون الجديد، مشيرا إلى أن القانون الحالي كان قد تم تأجيله أكثر من مرة لإدخال تعديلات عليه من دون أن تكون هناك أسباب ملحة في ذلك.

وفي سبتمبر الماضي، قضت محكمة مصرية بالتحفظ على أموال خمسة حقوقيين مصريين، بينهم الناشطان جمال عيد، وحسام بهجت، إلى جانب 3 مؤسسات حقوقية غير حكومية تعمل في البلاد، لاتهامهم في ما يعرف إعلاميا بـ”قضية التمويل الأجنبي”.

وقبل خمس سنوات اتهم القضاء المصري 43 ناشطا، من مصر والولايات المتحدة وألمانيا والنرويج ولبنان وفلسطين، بإنشاء جمعيات أهلية والحصول على تمويل دون تصريح رسمي، قبل أن تقرر محكمة الاستئناف إلغاء حظر السفر المفروض على المتهمين الأجانب في القضية بعد دفع كفالة مليوني جنيه (نحو 150 ألف دولار) لكل منهم، ما أثار الرأي العام في حينه.

وأعربت الإدارة الأميركية الحالية (إدارة أوباما) في أكثر من مناسبة عن مخاوفها العميقة إزاء أوضاع حقوق الإنسان في مصر، وقال جون كيري وزير الخارجية الأميركي إن “أحد أسباب مخاوفه إعادة فتح السلطات المصرية التحقيق في عمل منظمات المجتمع المدني التي ترصد انتهاكات حقوق الإنسان، وتدافع عن الحريات”. وردت عليه القاهرة بأنها ترفض الوصاية أو التوجيه في هذا الشأن من أي جهة أجنبية.

وأشار متابعون إلى أن النظام أراد الإسراع في إقرار القانون الجديد، بعدما تلقى إشارات غير مباشرة من الرئيس الأميركي الجديد، دونالد ترامب، في التعامل مع المنظمات الحقوقية وتأييده لتجفيف منابع تمويل الإرهاب، وهو أمر اعتمدت عليه القاهرة في القانون الجديد، بعد أن حظرت إنشاء أو استمرار الجمعيات السرية، وتكوين السرايا أو التشكيلات ذات الطابع العسكري أو شبه العسكري.

وقال عبدالغفار شكر، نائب رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان (منظمة حكومية)، لـ”العرب”، “إن البرلمان تجاهل المناقشات التي جرت على مدار السنوات الماضية، وبالتالي فإن القانون الجديد لم يصدر بتوافق المجتمع المدني أو الحكومة عليه، ولا يأتي في صالح إستراتيجية الدولة في التعامل مع المجتمع المدني وتنمية أدواره”.

وأضاف أن الحكومة المصرية لديها إشكالية في التفرقة بين العمل المدني التطوعي، وبين استغلال المنظمات للعمل السياسي، والقانون الجديد به العديد من التعقيدات التي تصعب من مهمة إصدار الجمعيات، بالرغم من كونها بالإخطار.

وتوقع مراقبون أن يزيد القانون حدة التوتر بين منظمات المجتمع المدني والحكومة، بما يرخي بظلاله على السياسة الخارجية، وتحديدا من قبل الاتحاد الأوروبي، الذي طالما انتقد تعامل الحكومة مع تلك المنظمات، إلا أنهم أكدوا صعوبة أن تؤثر الانتقادات على علاقات مصر الخارجية.

وأكد حافظ أبوسعدة، رئيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، لـ”العرب”، أن الهدف الأساسي من القانون الجديد منع دخول التمويلات الأجنبية، لكن تم الالتفاف على ذلك الهدف من خلال إنشاء الجهاز القومي لتنظيم عمل المنظمات الأجنبية، والذي سيضم في عضويته أعضاء من جهات عدة أهمها وزارتا الدفاع والداخلية، وهيئة الرقابة الإدارية والبنك المركزي.

وبشكل عام فإن إقدام البرلمان المصري على إقرار القانون في الوقت الحالي، ولو بشكل مبدئي، له أهدافه بالنسبة إلى البرلمان الذي يحاول أن ينجز العديد من الملفات السياسية خلال الفترة المقبلة، والتي يأتي على رأسها تعديل قانون التظاهر، وإقرار قانون العدالة الانتقالية، كما أن الحكومة المصرية ترى أن هذا التوقيت مناسب لإقرار القانون في شكله الحالي بعدما ضمن عدم وجود معارضة داخلية قوية ضده لا سيما وأن الأسبوع الحالي شهد عزوف القوى السياسية والمواطنين العاديين عن النزول إلى الشارع للتظاهر ضدالنظام.

6