المصارعة الشعبية في السودان مباريات لكسب ود الجميلات

تحظى المصارعة الشعبية في السودان برواج واهتمام كبيرين، فهي تعتبر بمثابة ممارسة ثقافية تستعرض من خلالها المجموعات والقبائل ثراءها التراثي ومهاراتها البطولية في فنون القتال.
الثلاثاء 2016/03/08
من يفوز بقلب حسنائه

الخرطوم - المصارعة السودانية نوع من أنواع الرياضة الشعبية التي يمارسها فتيان قبائل النوبة والقبائل العربية بولايات كردفان الكبرى لاستعراض العضلات وكسب ود الجميلات.

وتعتبر ولايات كردفان الموطن الأصلي للمصارعة السودانية، ثم انتقلت إلى العديد من المدن والقرى بسبب الهجرات المستمرة من منطقة إلى أخرى.

ويرى الباحث السوداني الصادق محمد سليمان أن “المصارعة النوبية هي أثر باق لحالة الحرب والقتال التي كابدتها أعراق المنطقة في زمن غابر، وعندما انتقل النوبيون من موطنهم الأصلي بجنوب كردفان إلى مدن الشمال السوداني الأوسط، استمروا في ممارسة المصارعة كرياضة مميزة لهم، في عصر يومي الجمعة والأربعاء من كل أسبوع، وتمثل المصارعة الرمز الذي يشدهم إلى الموطن القديم والقرية”.

وللمصارعة ثلاثة تصنيفات، هي شبل ومتوسط وفارس، وتعد لدى النوبة شيئا ضروريا للذكر لينتقل من مرحلة اليفاعة والطفولة إلى مرحلة القوة والرجولة، ويتقن النوبي المصارعة على يد خبير يسمى بـ”السّبَّاري”، والذي بدوره يتولى تنظيم مباريات المصارعة.

وتقام مبارياتها في الخرطوم أيام الجمعة بمدينتي أم بدة والحاج يوسف في أماكن معلومة منذ مطلع السبعينات. وتجرى في الأرياف موسميا في فصل الخريف و”الدّرت” أي وقت الحصاد، وتُقام المباريات بين القبائل أو المناطق أو القرى ويفوز فيها الذي يتمتع بمهارات فائقة وقوة جسدية خارقة.

وتعد المعسكرات للاعبين وتكون مغلقة، ويكلّف بعض المساعدين لخدمتهم يوفرون لهم المأكل والمشرب، ويسهرون على راحتهم حتى موعد المباريات المرتبط بأيام الأسواق، إذ يحضر الناس من كل حدب وصوب للتسوُّق ومشاهدة المباريات الشيقة التي تقام عصرا في أجواء حماسية تلهب الحاضرين.

الفتيات الجميلات يملأن حلبة الصراع يقدمن الأغاني الحماسية التي تمجد قوة المصارع وتسرد أمجاد عشيرته وأجداده الأقوياء

ويدخل المتصارعان الحلبة، التي تسمى “نقعة”، برفقة الحكم الذي يضع قوانين اللعبة ويطبقها، والقانون الرياضي لهذه المصارعة الشعبية لا يسمح بالضرب نهائيا ويتم إعلان الفائز حين يتمكن المصارع من إسقاط خصمه وجعل ظهره يلامس الأرض.

وعند سقوط المهزوم أرضا، يقوم الناس بحمل الفائز على الأكتاف ابتهاجا وسرورا بهذا النصر ويطوفون به المكان ويبدأون بالمكان المخصّص لجمهور المهزوم ولكن لا أحد يغضب بل يصفِّق له الجميع.

ولا تتجاوز جولة المصارعة 5 دقائق، يجب على المصارع خلالها إلقاء خصمه على الأرض، وإلا احتسب الحكم الجولة متعادلة، ولا يعطي طاقم التحكيم درجات على المهارات التي يظهرها المصارعون في حالة التعادل، لأنها في الغالب لا تحظى إلا بمناوشات يغلب عليها الحذر والكر والفر.

ويحضر المباريات الرجال والنساء والفتيات الجميلات اللاتي يملأن حلبة الصراع يقدمن الأغاني الحماسية التي تمجد قوة مصارع معين وتسرد أمجاد عشيرته وأجداده الأقوياء، بينما يقف المتصارعان وكل منهما يرمق الآخر بنظرات متربصة، وأشعة الشمس تنعكس على عضلاتهما البارزة فيؤجج بريقها حماس الجمهور أكثر فأكثر. ويشحن الحماس المصارع بقوة معنوية لكي يحقق النصر، وعندما يتمكن أحدهما من صرع خصمه، تطلق النساء الزغاريد ويعطينه “الشبال”، ويقُمن بتغطيته بالثياب ورشه بالعطور ووضع النقود على رأسه، وتُعرف بـ”النقوطة”، ويمتد الاحتفال من حلبة الصراع حتى داخل القرية في كرنفال كبير.

عند نهاية المباراة يقوم السّباري، وهو بمثابة الحكم، بكسر “عود” قصير إلى نصفين معلناً بذلك نهاية المباراة، وهو عُرف سائد منذ أن عرف أهل كردفان الكبرى لعبة المصارعة السودانية ولم يجرؤ أحد على تعديله.

وبدأت أنظار الجميع تتجه نحو المصارعة التقليدية كموروث ثقافي تقليدي مربوط بالهوية، وكاختراع سوداني خالص، وأصبح المتصارعون يحلمون بالمشاركة في الألعاب الأولمبية.

20