المصارف الأميركية والبريطانية تخنق العملات الالكترونية

الثلاثاء 2018/02/06

حتى أيام قليلة مضت لم يكن أحد يتخيل إمكانية مواجهة زحف العملات الرقمية، التي كانت تنذر بتقويض نفوذ السلطات المالية للدول. وكان جميع المحللين يرجحون مواصلة انتشارها مهما بلغت العقبات التي تعترض طريقها.

لكن الخطوة التي اتخذتها مصارف أميركية وبريطانية بمنع شراء العملة الرقمية وبيعها باستخدام بطاقات الائتمان، تطرح إمكانية خنقها وحصر تداولها في أقبية سرية محدودة إذا ما امتد الإجراء إلى المصارف في أنحاء العالم.

يمكن لتلك الخطوة أن تبعد ملايين الأشخاص عن التعامل بالعملات الرقمية لعدم قدرتهم على شرائها وبيعها الأمر الذي يقلص مساحة تداولها بدرجة كبيرة.

كان الاعتقاد الشائع أن العملات المشفرة قدر محتوم لا يمكن إيقافه مهما كانت الإجراءات التي تتخذها السلطات المالية لأنها تقوم على تعاملات ثنائية لا وجود لأي طرف ثالث فيها وخارج نفوذ السلطات التنظيمية.

لكن أكبر البنوك الأميركية فاجأت الأوساط المالية بحظر استخدام بطاقات الائتمان في شراء جميع العملات الرقمية، في خطوة قالت إنها تهدف إلى الحد من المخاطر المالية والقانونية.

وأطلق بنك أوف أميركا شرارة الحظر يوم الجمعة الماضية، ثم تبعه مصرف جيه.بي مورغن في اليوم التالي. وأعلنت مجموعة سيتي غروب المصرفية أنها ستوقف شراء العملات الرقمية باستخدام بطاقات الائتمان. وسرعان ما انضم مصرفا كابيتال وان وديسكفر، ما يعني أن 5 جهات رئيسة لإصدار بطاقات الائتمان في الولايات المتحدة أعلنت أو فرضت بالفعل حظرا على هذه المشتريات.

ثم امتدت الخطوة إلى الجانب الآخر من المحيط الأطلسي حيث أعلن بنك لويدز، أكبر بنوك بريطانيا، حظر شراء عملائه للعملة الافتراضية بتكوين باستخدام بطاقات الائتمان التي يصدرها البنك.

وسرعان ما ظهر تأثير تلك الخطوات واضحا في الهبوط الكبير لعملة بتكوين، التي انحدرت أمس بنسبة 18 بالمئة لتقترب من حاجز 8 آلاف دولار، في مؤشر كبير على قوة تأثير ذلك الإجراء.

وتراجعت القيمة السوقية الإجمالية لعملات بتكوين إلى نحو 120 مليار دولار أمس بعد أن كانت تزيد على 300 مليار دولار في نهاية العام الماضي حين تجاوز سعرها حاجز 20 ألف دولار.

وامتد التراجع بنسب مشابهة إلى جميع العملات المشفرة حيث فقدت عملة اثيريوم أكثر من 16 بالمئة من قيمتها، وتراجعت ريبل بنحو 18.6 بالمئة وعملة بتكوين كاش بنسبة 18.4 بالمئة.

ويمكن أن تمتد خطوة المصارف الأميركية والبريطانية إلى دول أخرى مثل الاتحاد الأوروبي ودول معارضة لاستخدام العملات الرقمية مثل الصين ومعظم دول الشرق الأوسط.

وقد تتلقف حكومات الدول الكبرى هذه الهدية المفاجئة بعد أن كانت خائفة من تقويض النظام المصرفي العالمي إذا ما تراجع النفوذ المالي للمصارف المركزية، الأمر الذي يهدد بانهيار الدول في المستقبل.

وتعد السلطة النقدية أبرز سلطات الدول التي تمكنها من فرض سلطانها وإدارة وتنظيم النشاطات الاقتصادية، ومن دونها يمكن أن تنهار سلطاتها وتعم الفوضى إذا ما تقلصت العوائد المالية للحكومات.

يمكن أن نتخيل ضغوطا من الحكومات الكبرى على دول العالم لفرض منع استخدام البطاقات الائتمانية في شراء وبيع العملات الرقمية وهو ما سيحرمها من معظم المتعاملين ويبقي قيمتها حبيسة في أقبية سرية.

وقد تتلقف المصارف المركزية الكرة في غياب تلك العملات لتصدر عملات رقمية تخضع هذه المرة لرقابة السلطات المالية الحكومية.

كاتب عراقي

10