المصارف المركزية فقدت أسلحتها وأصبحت تتسابق في اتجاه واحد

الاثنين 2016/10/10

أثارت تصريحات المسؤولين البريطانيين وخاصة رئيسة الوزراء تيريزا ماي ومستشارها جورج فريمان ووزير المالية فيليب هاموند، جدلا واسعا حين أكدت أن بريطانيا ستبحث عن وسائل أخرى لتحفيز الاقتصاد، بدل الاعتماد على سياسات البنك المركزي، خلال فترة الطلاق الصعب مع الاتحاد الأوروبي.

وفجرت تلك التصريحات الجدل بشأن الأسلحة التي تملكها المصارف المركزية اليوم لإدارة دفة النظام المالي والاقتصادي، وهو يعد استمرارا للجدل المتواصل منذ سنوات بشأن سياسات التقشف الأوروبية، التي تفرضها ألمانيا بشكل أساسي على الدول المتعثرة مثل اليونان.

ويرى منتقدو سياسات التقشف بأن المنطق يؤكد أنك إذا كنت في حفرة فعليك أن تتوقف عن الحفر، وأن التقشف يعمق الركود والأزمات الاقتصادية، بدل إيجاد وسائل لتحفيز الاستثمار وتعزيز الطلب للخروج من الأزمات.

وغالبا ما يشير الخبراء إلى تجربة ماليزيا أثناء أزمة “النمور الآسيوية” في نهاية التسعينات، حين رفضت سياسات التقشف واعتمدت سياسة توسعية فكانت البلد الوحيد الذي نجا من تلك الأزمة.

وقبل الدخول في تفاصيل الجدل تنبغي الإشارة إلى أن النظريات الاقتصادية التقليدية لم تعد صالحة لإدارة الأنظمة المالية والاقتصادية حاليا، لأن مفهوم السيادة المالية المطلقة للدول لم يعد له وجود تقريبا.

قبل 20 عاما كان يمكن أن تجد أن أسعار الفائدة في بريطانيا مثلا تزيد عن 10 بالمئة في حين كانت منخفضة بشكل كبير في اليابان وكذلك في البعض من الدول الأوروبية مثل ألمانيا.

تلك الجزر السيادية ماليا، لم يعد لها وجود بعد أن حطمت نشاطات الأسواق المالية والشركات جميع الحدود وأصبح العالم عبارة عن “أوان مستطرقة” تنتقل بينها التداعيات المالية فورا، وأصبح للاعبين الكبار من المصارف والمؤسسات المالية والشركات المتعددة الجنسيات، حضور في جميع الاقتصادات الكبرى.

من المستحيل اليوم أن نجد أسعار الفائدة الأساسية تختلف بنقطتين مئويتين أو حتى نقطة مئوية واحدة بين البلدان الصناعية الكبرى، حتى لو كانت تواجه خطر ارتفاع التضخم.

وقد لجأت بريطانيا إلى خفض أسعار الفائدة في أغسطس الماضي، رغم أن التقـديرات تشير إلى إمكانية ارتفاع التضخم بسبب فقدان الجنيه الإسترليني لنحو 20 بالمئة من قيمته منذ تصويت البريطانيين للانفصال عن الاتحاد الأوروبي.

جميع أسعار الفائدة الأساسية في الدول الصناعية الكبرى اليوم قريبة من الصفر، من الاتحاد الأوروبي إلى اليابان وبريطانيا، وحين حاولت الولايات المتحدة السير عكس التيار، لم تتمكن من رفع أسعار الفائدة على مدى عام سوى بربع نقطة مئوية لتضعها عند 0.5 بالمئة.

بل إن الكثير من المصارف المركزية مثل اليابان وسويسرا والسويد والبنك المركزي الأوروبي تفرض اليـوم فائدة سلبية على ودائـع المصـارف، أي أنها تأخذ رسوما على إيداع الأموال.

يحدث ذلك بسبب قاعدة الأواني المستطرقة، لأن الأنظمة المالية أصبحت متداخلة، وتستطيع الشركات والمصارف الاقتراض من أيّ بلد تشاء بسبب حضورها في جميع الدول الصناعية الكبرى.

ويستطيع اليوم مصرف مثل أتش أس.بي.سي أو شركة تويوتا الاقتراض من أيّ بلد صناعي متقدم.

ويمكن القول إن المصارف المركزية فقدت معظم أسلحتها ولم تعد قادرة على إدارة دفة الاقتصاد الوطني كجزيرة معزولة عن العالم.

وحين يقول المسؤولون البريطانيون إنهم لن يعتمدوا على سياسات بنك إنكلترا المركزي في تحفيز الاقتصاد، فإنهم يقرّون بأن أدواته لم تعد فعالة وكافية، باستثناء استخدام التيسير النقدي وإغراق الأسواق بالسيولة لتشجيع الاقتراض والاستثمار والإنفاق لتحفيز الاقتصاد.

وقد ذهبت رئيسة الوزراء البريطانية إلى أن أسعار الفائدة الشديدة الانخفاض لها “البعض من الآثار الجانبية السيئة” دون أن تدرك أن البنك لا يستطيع رفع أسعار الفائدة في ظل النظام المالي العالمي الحالي.

البعض اعتبر تلك التصريحات تقليلا من شأن دور المركزي البريطاني، وهو ما دفع محافظ بنك إنكلترا مارك كارني، إلى التأكيد بأن تصريحات رئيسة الوزراء بشأن تداعيات سياسة أسعار الفائدة المتدنية للغاية التي يتبناها البنك، ليست هجوما على استقلالية البنك المركزي.

الحقيقة الراسخة تؤكد اليوم أن المصارف المركزية فقدت معظم أسلحتها وأصبحت تتسابق في استخدام سلاح واحد فقط هو التيسير النقدي لمواجهة خطر انكماش التضخم، الذي يمكن أن يسقط الاقتصاد في دوامة انكماش يصعب الإفلات منها.

كما أن سياسة التيسير النقدي أصبحت وجها جديدا لحروب العملات، حيث يمعن المركزي الياباني وكذلك المركزي الأوروبي في إغراق الاقتصاد بالسيولة لدفع الين واليورو للانخفاض، من أجل إعطاء ميزة تنافسية لمنتجات شركات التصدير في الأسواق الأخرى.

وقد أكد البنك المركزي الأوروبي في الأسبوع الماضي عزمه على مواصلة سياسة التحفيز التي تنطوي على أسعار فائدة سلبية وبرنامج ضخم لشراء السندات لمنع انزلاق معدلات التضخم إلى الانكماش.

وأنفق البنك المركزي الأوروبي أكثر من تريليون دولار على شراء السندات في مسعى لتعزيز التضخم، الذي مازال رغم ذلك قريبا من الصفر، ومن غير المتوقع أن يصل إلى المعدل الذي يستهدفه البنك عند نحو 2 بالمئة على مدار عامين على الأقل.

ويرى كبير الاقتصاديين لدى البنك المركزي الأوروبي بيتر برات إن وقف التحفيز مبكرا، وهو أمر أدّى التكهن به إلى إحداث اضطراب في أسواق السندات خلال الأسبوع الماضي، قد يتسبب في تعطيل التعافي الاقتصادي الذي مازال بحاجة إلى “قدر كبير من الدعم.”

وفي اليابان أكد هاروهيكو كورودا محافظ البنك المركزي أيضا أن البنك سيعمق أسعار الفائدة السلبية أو يتوسع في شراء السندات إذا واجه الاقتصاد صدمات خارجية تفرض حاجة “كبيرة” إلى المزيد من التيسير النقدي.

ولا يخلو ذلك الإمعان في التيسير النقدي من البعض من المخاطر، حيث يشكك البعض من الخبراء في حجم ذخيرة بنك اليابان المركزي في مواجهة العوامل الخارجية المعاكسة نظرا إلى أن أسعار الفائدة السلبية تضرّ بأرباح البنوك عن طريق خفض هوامشها الهزيلة بالفعل.

لكن السباق العالمي للهروب من سفينة الركود تدفع الجميع إلى التسابق في برامج التيسير النقدي لمنع السقوط في دوامة انكماش الأسعار التي يصعب الإفلات منها، والتي حدثت في اليابان في منتصف الثمانينات ولم تتمكن من الإفلات منها حتى اليوم.

كل ذلك يؤكد أن البنك المركزي البريطاني لا يملك سوى سلاح واحد، هو الدخول في سباق مع المصارف المركزية الأخرى في توسيع الاقتراض والتيسير النقدي وتأجيل التفكير في عواقبه السلبية، التي كانت أحد أسباب الأزمة المالية العالمية في عام 2008.

10