المصالحة العراقية بوابة لتحقيق الاستقرار السياسي والأمني

الأربعاء 2014/03/05
الشعب العراقي في حاجة إلى دولة وطنية موحدة بعيدا عن التقسيمات الطائفية

لم يجد سُنة السلطة في اعتزال مقتدى الصدر العمل السياسي سوى منفعة لائتلاف دولة القانون لأنه يفسح المجال لولاية ثالثة للمالكي، فهم لا يفكرون في ما يريدون أو في ما يفترض أنهم يريدون وهو مصلحة العراق، ولكنهم يفكرون في ما لايريدون وهو منفعة المالكي! ولو فكروا بعقل العراق لا بعقل الطائفة لوجدوا أن القرار يصب في صالحهم لعدة أسباب، منها:

أولا: أن مقتدى الصدر بعد انسحابه من الحياة السياسية أصبح شخصية وطنية متحررة من قيود العمل السياسي وتوازناته، وبالتالي بات من الممكن التواصل معه لنسج مظلة وطنية جامعة عابرة للطوائف تسحب البساط من تحت أقدام مشروع المحاصصة الذي فتح الباب لطوفان الفساد والظلم السياسي والاجتماعي والاقتصادي.

ثانيا: التيار الصدري طرف أسياسي ومحوري في المصالحة الوطنية وليس من مصلحة السُنة وصول رئيس وزراء من الصدريين من دون أن يسبق ذلك أو يزامنه ويوازيه تحقيق تقدم على مسار المصالحة السنية – الشيعية ومع تيار الصدر تحديداً، وذلك لمعالجة الأحقاد الكامنة بين الطرفين من أيام الحرب الأهلية 2006-2007 ولتمهيد الطريق لشراكة سياسية سنية – شيعية في ظل وجود رئيس وزراء صدري.

كما أن التيار الصدري غير مقتدى الصدر فالتيار يضم مراكز قوى يصعب السيطرة عليها ولها مفاسدها الداخلية وربما امتداداتها الإقليمية. واعتزال الصدر هو براءة ضمنية من ممارساتهم، وهؤلاء ربما هم من سيتحلق حول رئيس الحكومة لو جاء من الصدريين لاسيما وأن التيار جيل شبابي وليست لديهم شخصيات تتمتع بالخبرة السياسية والإدارية اللازمة للتعامل مع مراكز القوى وتحجيمها، وبالتالي فإن مواجهة هذا الخطر يتطلب شراكة حقيقية وتحالفا قويا كابحا لجماح الطائفية بين السنة من جهة والشيعة ممثلين في التيار الصدري من جهة ثانية، وبما يضمن تقليل تأثير القوى الأكثر فساداً وتعصباً وطائفية ودموية في كلا الطرفين.

أما السبب الثالث فهو يرجع إلى أن اعتزال الصدر، لو كان حاسماً ونهائياً وليس عبارة عن إعادة تموضع سياسي كما وصفه بعض الباحثين، سيفسح المجال لسُنة السلطة ليتحركوا على مستوى المجلس الأعلى الإسلامي العراقي بقيادة عمار الحكيم.

كل سياسي عراقي من المتوقع أن يتحول إلى مستبد إذا استمرت المحاصصة والطائفية


شوكة الطائفية


يغفل الساسة السنة عن الفرص المتاحة ويتصورون أنها محن ومصاعب تصب في صالح الخصوم، فالسنة يريدون إزاحة المالكي من السلطة لكنهم لايقدمون البديل، وهذه هي المشكلة، وهم فوق ذلك يعتبرون المالكي المشكلة الحقيقية في حين أن المشكلة الحقيقية هي الطائفية، وعليهم كسر شوكة الطائفية والاستقطاب المذهبي وحينئذٍ سيكون من السهل إزاحة المالكي أو بعبارة أدق سيضعف دور المالكي وتتساقط أوراقه كلما ضعف الاستقطاب الطائفي في البلاد.

إن نموذج المحاصصة أو “دولة المكونات” المعتمد في العراق هما حقيقة وواقع لا نستطيع القفز عليهما، بل ينبغي الاعتراف بهما لتغييرهما، تاريخياً ونفسياً واجتماعياً وثقافياً، هنالك حقيقة اسمها سُنة وشيعة. والانتقال إلى “دولة المواطنة” أو “الدولة الوطنية” يتطلب الاعتراف بالواقع ومحاولة كسر الاستقطاب الحاصل فيه.

وهذا يتحقق بتحالف سُني – شيعي حقيقي قادر على إحداث اختراق في جدران المحاصصة الصماء، فكل سياسي من المتوقع أن يتحول إلى مستبد طائفي جديد إذا استمر نموذج المحاصصة واستمرت القطيعة الطائفية واستمر السياسيون السُنة يتعاملون مع الشيعة باعتبارهم كائنات فضائية غريبة ينبغي الاحتراز منها.


التيار الصدري والسنة


حين نتكلم عن الصدريين وموقفهم من السنة نتذكر مبادرات مقتدى الصدر التي تصب في صالح المصالحة الوطنية، لكن السؤال يبقى معلقاً حول الطبقات الشعبية الفقيرة من مناصري التيار الصدري والذين عانوا الأمرين من التفجيرات التي يقوم بها تنظيم القاعدة الموصوف بأنه “سُني” وهم يدركون أن الأدوات عراقية حتى لو كانت التفجيرات مدعومة من إيران أو تساهلت سلطات المالكي الأمنية في تمريرها، وعلى القوى السياسية والاجتماعية والدينية السنية أن تبادر إلى اعتماد مقاربات وطنية معينة للتواصل مع الشرائح الاجتماعية الشيعية بغية إيصال رسائل واضحة تعلن البراءة من الجرائم التي يرتكبها تنظيم القاعدة ضد الشيعة. مثلما ينبغي على الصدريين أن يكونوا صريحين وواضحين في البراءة من جرائم الميليشيات التي ارتكبت بحق السنة.

مثلما فرض السياسيون والأميركان نموذج المحاصصة علينا كعراقيين وطنيين أن نفرض نموذج الدولة الوطنية

على الصعيد السياسي ربما تكون الطريقة المثلى لاحتواء الصدريين كتيار سياسي واجتماعي مؤثر واستثمار حضورهم الوطني إيجابياً هي استيعابهم وإدماجهم في السلطة بصورة ديمقراطية وربما يتطلب الأمر الدفع برئيس وزراء منهم ضمن حكومة وحدة وطنية لأن البديل قد يكون اندلاع القوى المتطرفة في التيار في الشارع للضغط على أي رئيس حكومة ضعيف جديد أو التحول إلى دولة داخل الدولة.

وحين نتكلم عن السياسة العراقية من زاوية مكوناتية (سنة وشيعة وأكراد) فليس المقصود بالاعتراف بهذا الواقع التحاصصي الطائفي الخضوع له وإنما قصدت الإدراك والفهم والوعي. فالأميركان حين جاؤوا إلى البلد واحتلوا العراق، وجدوا المعارضة العراقية منقسمة إلى سُنة وشيعة وأكراد فأقروا ذلك، والشعب العراقي أقر هذه التقسيمة في عدة دورات انتخابية وتعامل مع النخب التي أفرزتها، لكن العقل الجمعي اليوم بدأ يراجع نفسه نوعاً ما، والسنوات العشر التي مرت كانت مليئة بالدماء المتبادلة بحيث أصبح الانقسام الطائفي حقيقة ماثلة. ولانستطيع إلقاء اللوم على الساسة الوافدين فقط لأن القوى السُنية والشيعية الداخلية أوغلت في دماء بعضها.

يقول العراقيون دائماً: “نحن بحاجة إلى واحد شريف ليحكمنا”. في الواقع نحن لسنا بحاجة إلى “شخص” سياسي شريف بقدر ما نحن بحاجة إلى “نظام” حكم شريف، وهذا النظام ينتج من تغيير يحصل في القاع المجتمعي، في الواقع الشعبي، ذلك أن الله لا يغير ما بقوم (من ظروف وأوضاع) حتى يغيروا ما بأنفسهم (من أفكار وقناعات). ومثلما فرض السياسيون والأميركان نموذج المحاصصة من أعلى علينا نحن كعراقيين وطنيين أن نفرض نموذج الدولة الوطنية والمجتمع المتصالح فيما بينه من أسفل.

وهنا لابد من الإقرار بأن التغيير يحتاج إلى نضال توعوي طويل، وعمل دؤوب لتثقيف الجمهور، لأن الواقع السياسي بكل مساوئه هو انعكاس للواقع الاجتماعي والثقافي الذي يعيشه الناس. والعدالة لن تتحقق بزوال المالكي، لكن الوضع الحالي يبقى عقبة كؤود أمام المستقبل، والتغيير ضرورة لحصول انفراج، أما الطبقة السياسية فمن الصعب التكهن بزوالها لأن العراق دولة ريعية نفطية وكثرة الأموال بيد الحاكمين تشير إلى صعوبة زحزحتهم عن أماكنهم. ولكن تبقى المصالحة هي البوابة لتحقيق استقرار سياسي يمكننا مستقبلاً من تحقيق عدالة في هذا البلد.

6