المصالحة الفلسطينية… والخلفية المصرية

الأحد 2014/05/11

المشهد محزن ومؤلم وجارح ومحبط في الوقت ذاته. يُختصر المشهد في استغلال السيّد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس″، التي تمثّل تنظيم الإخوان المسلمين في فلسطين، اجتماعه بالسيّد محمود عبّاس رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية كي تطلق “حماس″ عناصر “فتح” الموجودة في سجون قطاع غزّة.

هل “فتح” عدوّ كي تكون عناصر منها في السجون الحمساوية… أم إن الاستحواذ على السلطة والاحتفاظ بها يبرّران كلّ شيء، بما في ذلك تصرّف الفلسطيني تجاه الفلسطيني الآخر على الطريقة الإسرائيلية؟

يبدو أن “حماس″ لم تعد تميّز نفسها عن إسرائيل منذ قرّرت الاستيلاء على قطاع غزّة منتصف العام 2007 ومنذ قرّرت الاحتفاظ به بصفة كونه “إمارة إسلامية” على الطريقة الطالبانية.

كذلك، يبدو المشهد الفلسطيني سورياليا. يلتقي “أبو مازن” مشعل في الدوحة على هامش زيارة ذات طابع عائلي قام بها رئيس السلطة الوطنية للعاصمة القطرية. يحصل اللقاء مع رئيس المكتب السياسي لـ”حماس″ فيصدر السيّد إسماعيل هنيّة رئيس الوزراء في الحكومة المقالة أمرا بإطلاق الأسرى من حركة “فتح”. هؤلاء أسرى بكل معنى الكلمة وليسوا سجناء. إنهم ضحايا الشبق إلى السلطة والسعي إلى الاحتفاظ بها بغض النظر عن الثمن.

حسنا، تمّت قبل ما يزيد على أسبوعين مصالحة بين “فتح” و”حماس″ خلال زيارة قام بها للقطاع قياديون من الحركة الفلسطينية الأمّ. اتفق الجانبان على تشكيل حكومة وحدة وطنية في غضون خمسة أسابيع، أي بعد أقلّ من ثلاثة أسابيع من الآن. اتفق الجانبان أيضا على انتخابات رئاسية وتشريعية بعد ستة أشهر.

هل يمكن للاتفاق بين الجانبين تأجيل إعلان “حماس″ لإفلاسها في ضوء سقوط مشروعها الفلسطيني بداية والمصري في نهاية المطاف؟

معيب أن تحاول “حماس″ المتاجرة بالأسرى الفلسطينيين لإظهار أنّه لا تزال لديها أوراق تلعبها. ما هو معيب أكثر أن يعلن قياديون في الحركة، بينهم الدكتور محمود الزهّار، أن المصالحة لا تعني تخلي “حماس″ عن الميليشيا التي تسيطر بواسطتها على غزّة. من يؤكّد استقلال الميليشيا التابعة له عن القوى الشرعية الفلسطينية، إنّما لا يريد مصالحة حقيقية وفي العمق تنقل القضيّة الفلسطينية إلى مكان آخر بعيدا عن الشرخ القائم حاليا.

ما يريده من يتصرّف بهذه الطريقة هو كسب الوقت لا أكثر ولا أقلّ. الواضح أن “حماس″ ما زالت تراهن على الوقت وعلى أن السلطة الوطنية في حاجة بدورها إلى الذهاب إلى مصالحة ما لتغطية الفشل السياسي مع إسرائيل، وهو فشل تسببت به حكومة بنيامين نتانياهو التي لا ترى في التسوية مصلحة إسرائيلية. تبدو حكومة نتانياهو مستعدّة حتى لمواجهة مع الإدارة الأميركية لقطع الطريق على التسوية، أي تسوية تقوم على حدّ أدنى من المنطق والشرعية الدولية.

في خلفية المصالحة الفلسطينية ـ الفلسطينية التطورات التي تشهدها مصر والتي ستكون لها أبعادها في المستقبل، خصوصا أن مصر لم تعد تربط القضية الفلسطينية بـ”حماس″.

يتبيّن، من خلال الكلام الأخير للفريق عبدالفتّاح السيسي، المتوقّع أن يكون الرئيس المقبل لمصر أنّ الرجل حزم أمره. في مقابلته التلفزيونية الأخيرة، تبيّن أيضا أنّ السيسي يدرك تماما خطورة بقاء غزّة خارج السيطرة، سيطرة الشرعية الفلسطينية، وتمدّد فوضى السلاح السائدة فيها إلى سيناء. ولذلك، تحدّث المرشّح الأقوى للانتخابات الرئاسية المصرية بشكل صريح عن أهمّية إغلاق الأنفاق التي جعلت من الغزّاويين فلسطينيين يعيشون من التهريب. هل هذا هو الشعب الفلسطيني الذي تحلم به “حماس″؟

لعلّ أخطر ما في كلام السيسي إعلانه أنّ الشعب المصري طوى صفحة الإخوان المسلمين. وانتقل بعد ذلك للربط بين طيّ “ثورة الثلاثين من يونيو” حقبة الإخوان في مصر والوضع في غزّة.

يظهر أن “حماس″ فهمت الرسالة باكرا، فهمتها قبل المقابلة الأخيرة للسيسي. فهمتها مع الجهود الجدّية التي تبذلها المؤسسة العسكرية المصرية من أجل إغلاق أنفاق التهريب، التي هي في الواقع أنفاق تستخدم من أجل نشر الإرهاب في سيناء وصولا إلى كلّ منطقة مصرية، بما في ذلك القاهرة نفسها.

لن ينفع شراء الوقت “حماس″ كثيرا. ستظلّ المصالحة من دون نتائج على الأرض في حال لم تتحرّك الحركة، التي نفّذت انقلابا في غزة، بطريقة توحي بأنّها تمتلك ما يكفي من الشجاعة للاعتراف بأخطائها. يفترض بها أن تعترف أوّلا بأنّها مفلسة على كلّ صعيد، خصوصا بعدما كشفت مصر دورها السلبي في مجال نقل تجربتها إلى أرض الكنانة.

بعد الانسحاب الإسرائيلي من القطاع صيف العام 2005، كانت هناك فرصة أمام الفلسطينيين كي يؤكّدوا أن في استطاعتهم دحض الفكرة التي تستند إليها إسرائيل من أجل خوض مفاوضات جديّة مع الجانب الفلسطيني. تقوم الفكرة الإسرائيلية على عدم وجود “شريك فلسطيني” يمكن التفاوض معه. عملت “حماس″، التي باشرت بإطلاق الصواريخ من غزّة، على دعم الموقف الإسرائيلي. كانت تريد تحرير فلسطين بواسطة صواريخ مضحكة ـ مبكية في الوقت ذاته. بعد سنوات، اكتشفت أن هذه الصواريخ ليست نافعة وأنّه يمكن أن تجرّ إلى اجتياح آخر للقطاع المحاصر، على غرار ما حصل آخر العام 2008 وبداية العام 2009. بقدرة قادر، صار مطلوبا وقف الصواريخ التي اكتشفت “حماس″ أنها تخدم الاحتلال!

يفترض في أية مصالحة فلسطينية أن لا تكون مجرّد عملية هروب إلى أمام تصبّ في شراء الوقت في انتظار حصول تغيير في مصر لمصلحة الإخوان المسلمين. مثل هذا التغيير غير وارد، أقلّه في المستقبل المنظور. بات هناك فهم مصري في العمق لخطورة بقاء غزّة تحت سيطرة “حماس″ وشعبها تحت الحصار الظالم الذي يصبّ في عملية تغيير طبيعة المجتمع الفلسطيني بشكل جذري.

لن يكون معنى لأيّة مصالحة فلسطينية ـ فلسطينية من دون اعتراف “حماس″ بأنها أخطأت. معنى ذلك أن عليها إشهار إفلاسها علنا. في النهاية ليس لدى الإخوان المسلمين في القطاع ما يقدّمونه للشعب الفلسطيني غير تكريس الحصار الإسرائيلي الظالم من جهة وخدمة حكومة بنيامين نتانياهو من جهة أخرى.

فلتقل “حماس″ ماذا تريد قبل الاستمرار في المصالحة التي ليس إطلاق أسرى من “فتح” سوى دليل على مدى هشاشتها وكم هي مصطنعة…

2