المصالحة الفلسطينية.. أو ضرورة الخط الثالث الوطني

الجمعة 2017/10/06

المصالحة الفلسطينية بين حركتي فتح وحماس، والتي توجت الاثنين الماضي بتسليم حماس إدارة غزة لحكومة الوفاق الوطني الفلسطينية، هي أكثر من انفراج سياسي بين فصيلين فلسطينيين فرقتهما الرؤى للقضية والأجندات الخارجية، بل هي بداية تصحيح للمسار السياسي الفلسطيني برمته، وفي أساسه إعادة النظر إلى الصراع وشروط التحرير وصولا إلى مسارهما الوطني.

كانت لحظة الاثنين الماضي، الثاني من أكتوبر، القائمة على حل حركة حماس الإسلامية لجنتها الإدارية وتسليم الوزارات لحكومة الوفاق وتمكينها من الصلاحيات الكاملة، لحظة فارقة في المسار السياسي الفلسطيني، إذ أنهت عشر سنوات من الانقسام الفلسطيني والتشظي بين قطاع غزة والضفة الغربية، لكن وضع الانقسام كان يؤشر على وضع سياسي موسوم بالانسداد لا فقط على المستوى الجغرافي والميداني والسكاني، بل تمتد مفاعيله إلى الخيارات السياسية وآثارها لدى طرفي الانقسام.

المصالحة التي تمت برعاية مصرية كللت جهودا طويلة من المفاوضات والضغوط واللقاءات، كانت تعبيرا مكثفا ومختصرا على فشل الخيارات السابقة لدى الطرفين المتخاصمين. فشل في النظر إلى طبيعة الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، وفشل في إدارة وتنظيم شؤون الناس، وإصرار على مسار تفاوضي عقيم تحول إلى ممارسة سياسية عبثية، لأسباب فلسطينية وإقليمية ودولية متداخلة رسمت الرؤية الفلسطينية للتفاوض والمماطلة الإسرائيلية المبنية أحيانا على ادعاء غياب طرف فلسطيني جدي في التفاوض.

المهم أن مسؤولية الانسداد الفلسطيني كانت مشتركة بين حماس وفتح، ولو بتفاوت المسؤوليات. انسداد حتم البحث أولا عن خط ثالث يقطع مع الاحتكار الثنائي (الحمساوي الفتحاوي) للمسألة الفلسطينية، ويسعى إلى اعتبار للخط الوطني الفلسطيني انطلاقا من وعي بأن تديين الصراع وتطييفه لن يؤدي إلى أي تقدم في مسار قضية عمرها أكثر من 60 عاما، والوعي كذلك بأن المواظبة على مفاوضات عبثية لا تمتلك شيئا من العتاد اللازم في موازين القوى القائمة لن تؤدي سوى إلى تأبيد الوضع القائم والتطبيع معه نفسيا وشعبيا.

تسليم حماس لمقراتها وحل لجنتها الإدارية كان إقرارا ضمنيا من الحركة بأن خياراتها “المقاومة” لم تؤد سوى إلى المزيد من التردي لقضية تعيش خريفا طويلا بدأ مع لحظة الربيع العربي، التي صنعت اهتمامات أخرى لدى الفاعل السياسي العربي أو الدولي. لم يكن انطواء حركة حماس على نفسها في القطاع وتغليب ولاءاتها الإقليمية والأيديولوجية، للإخوان المسلمين، وارتباطاتها بالمحور القطري التركي على حساب التصور الوطني، موجها فقط للغريم الفتحاوي أو للشعب الفلسطيني في غزة، بل كانت شظاياه تضرب القضية الفلسطينية في العمق وتفقدها التعاطف. ولعل الصورة التي صنعتها حماس للقطاع المعسكر الشبيه بإمارة إسلامية تكتظ بالعاطلين واليائسين، كانت مفيدة جدا للدعاية الإسرائيلية المشيرة إلى “البديل السياسي” الذي تقيمه حماس في غزة.

تراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية، وانحدارها من مرتبة القضية العربية الأولى إلى أرق عربي تسهم حماس في إطالته، إضافة إلى الارتباط الحمساوي بمدارات إخوانية غير وطنية تبدأ من النظرة للصراع وما تفضي إليه النظرة من ممارسة، ولا تنتهي بتغليب مصلحة التنظيم على ما تقتضيه مصلحة القضية، عوامل تضافرت في العمق لتفرز ضرورة إحداث تغيير في الأداء السياسي الفلسطيني عموما، ولا بما يتعلق بحماس فقط. وهذا يفترض الوعي بالأضرار التي أحدثتها مقاومة حماس على المقاومة الوطنية الحقيقية والمفترضة.

من هذه المنطلقات كان الوعي الفلسطيني يتجه بالتدريج نحو الإجماع على ضرورة بلورة خط ثالث، يقطع مع مغامرات حركة حماس ومع بيروقراطية حركة فتح. خط ثالث يولي القضية ما تستحقه من تأصيل سياسي وما تحتاجه من ممارسات وعلاقات دبلوماسية. والواقع أن الشعب الفلسطيني، في الضفة أو في القطاع، كان يبحث عن تصور سياسي وطني يعيد للقضية ألقها أكثر مما كان يتعلق بالأشخاص، وهو إحساس عام يمكن تبينه من تفاعل الفلسطينيين مع المفاصل السياسية الفلسطينية، سواء كانت انتخابات أو فعاليات أو مهرجانات.

الإشراف المصري على جهود دؤوبة للمصالحة، وفرت للمتابعين راحة الاطمئنان إلى طرف من خارج محور إقليمي طالما تاجر بالقضية وبفاعليها، وظهور اسم محمد دحلان عضو حركة فتح، أكد للمؤمنين بضرورة الخط الثالث وجاهة الفكرة وأن الانسداد الثنائي ليس قدرا فلسطينيا. الوساطة المصرية والخطاب الذي قدمه دحلان الذي يقدم نفسه زعيما للتيار الإصلاحي الذي لا يستثني في نقده أي طرف من طرفي الانقسام، كانت مؤشرات على إمكانية العودة بالقضية الفلسطينية إلى مداراتها الوطنية أولا، وإلى فضائها العربي ثانيا.

عقبات كثيرة تقف أمام تتويج المصالحة وتحويلها إلى واقع سياسي فلسطيني موحد، وأولى العقبات تبدأ من انتظارات الطرف الراعي للمصالحة ذاته، أي مصر.

مصر التي تراهن على أن نجاح المصالحة في توطيد أركانها بعد ضروري للخروج بالقضية من أزمتها المزمنة، وهي أزمة تعود في جانب كبير منها إلى طرق تعاطي القائمين عليها ذاتهم، تنظر أيضا (أي مصر) إلى المصالحة بوصفها عاملا مفصليا في حمايتها لأمنها القومي. وهي عقبة ودافع في آن؛ إذ يلتقي الحرص المصري على صون القضية الفلسطينية من عبث طال مداه وتشعبت مفاعيله، مع الحرص المشروع على حماية الأمن القومي، لينتج إصرارا مصريا وعربيا وفلسطينيا على عدم تفويت الفرصة.

المصالحة الفلسطينية كانت تعبيرا عن فشل الخيارات السياسية التي مورست طيلة عقود، والتي كان يعاد انتهاجها، عبثيا، مع انتظار نتائج مختلفة، وكانت أيضا دليلا على أن أسلمة المقاومة أو تطييفها وارتهانها لمحاور لا تعترف بالأوطان، لم تود بالقضية إلى مهاو سحيقة فحسب، بل أنتجت انقساما مريرا بين الشعب الفلسطيني سيحتاج علاجه سنوات من الإصرار الفلسطيني والدعم العربي. المصالحة الفلسطينية كانت دليلا على أن الحد الأدنى الوطني هو الكفيل وحده بإخراج القضية من أوحال التوظيف السياسي والديني، وهو ما يقتضي إرساء خط سياسي ثالث، لا يسوق الشعارات ولا يولي ظهره شطر الوطن.

كاتب تونسي

6