المصالحة الفلسطينية: اتفاق الأمر الواقع

الاثنين 2014/05/05

بدا طرفا الانقسام الفلسطيني، حركة فتح في الضفة الغربية وحركة حماس في غزة، على يقين بإنهاء الانقسام المرير بينهما وهما يعلنان التوصل لاتفاق المصالحة الوطنية. مع ذلك يشك معظم الفلسطينيين في إمكانية نجاح الاتفاق، مرجحين أن يكون هشاً ودعائياً كجميع الاتفاقيات التي سبقته.

لكنه يوم للتفاؤل على أية حال، خصوصاً بعد أن وصلت القضية الفلسطينية إلى طريق مسدود، بل ربما إلى حافة الهاوية. إذ انسدت آفاق النضال ضد الدولة الصهيونية، وتشوشت الرؤية السياسية لعموم الفلسطينيين الذين تاهوا في غابةٍ كثيفة من الأسئلة المتداخلة: ما هو برنامج المشروع الوطني الفلسطيني اليوم؟ من أجل أية أهداف يناضل؟ ما هي أشكال النضال في المرحلة القادمة؟ هل تكفي المقاومة الشعبية لدحر الدولة الصهيونية التي تشبه الثكنة العسكرية أكثر مما تشبه الدولة؟ كيف يمارس الفلسطينيون العمل المسلح في حال اعتنقوه كشكل نضالي؟ وغير ذلك من الأسئلة غير المنتهية، تاه الشعب الفلسطيني في خضمها، وزاد الانقسام بين فصيليه الرئيسيين من حالة التيه والضياع.

كما أنه يوم للتفاؤل بإمكانية استعادة ترابط الضفة الغربية وقطاع غزة، بعد مرور سبع سنوات كاملة على الانقسام، وهو وقت طويل جداً وكفيل بتكريس الانقسام كأمر واقع لا يمكن إنهاؤه، ما دفع الفلسطينيين للتشاؤم بإمكانية توحيدهما من جديد. القادة الفلسطينيون بدورهم وإن كانوا يمارسون في السنوات الماضية ما يؤكد تكريس الانقسام، لكنهم يقولون اليوم بأنهم جادون فعلاً في إنهائه، بل هو قد انتهى بالفعل ولم يتبقّ سوى تطبيق بنود اتفاق المصالحة الموقع حديثاً، فهل الأمر بهذه البساطة؟

في مؤشر هام على جدية الطرفين في السير قدماً باتجاه المصالحة، أقامت حركة حماس جنازة لشهيدين في الضفة الغربية كان قد تم تسليم جثمانيهما من قبل الدولة الصهيونية. ويعتبر هذا النشاط هو الأول من نوعه منذ حدوث الانقسام، وتدل طبيعته الشعبية على أن العلاقة بين حركتي فتح وحماس قد تطورت بشكل كبير، ووصلت إلى نوع من الثقةً. إذ شارك في الجنازة نحو ستة آلاف فلسطيني، معظمهم من أنصار حركة حماس، وجابوا شوارع مدينة رام الله من دون أن تمنعهم الأجهزة الأمنية الفلسطينية التي اعتادت ملاحقتهم.

ويمكن إجمال الأسباب التي دفعت حركة حماس نحو المصالحة بازدياد وطأة الحصار الاقتصادي الذي تعيشه الحركة في القطاع المهدد بالحرب والدمار بصورة مستمرة من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي. وخصوصاً بعد سقوط حكم الإخوان المسلمين في مصر، وملاحقة قياداتهم، وتلاشي الأوهام بانبعاث الخلافة الإسلامية من جديد في المنطقة العربية.

هكذا، ضربت حركة حماس أزمة جفاف مالي غير مسبوقة في تاريخها، إذ قطعت الحكومة المصرية الجديدة الشريان الاقتصادي لقطاع غزة، أي الأنفاق تحت الأرض الواصلة بين غزة وسيناء، وهو ما تسبب بخسائر كبيرة جداً لمختلف الأنشطة الاقتصادية في القطاع، وخصوصاً للأنشطة الحكومية. وضاعف ذلك من الأزمة الاقتصادية التي تضرب حكومة حماس، والتي تسببت دوماً في تأخير صرف رواتب العاملين لديها، فضلاً عن ارتفاع مستويات الفقر ومعدلات البطالة.

كما تعاني حركة حماس من عزلة سياسية بعد أن تدهورت علاقتها مع حلفائها التقليديين، سوريا وإيران وحزب الله، وذلك بسبب موقفها المتعاطف إلى حد ما مع ثورة الشعب السوري، أو غير الداعم على أقل تقدير لنظام الأسد.

بالنسبة إلى السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، فقد أثبتت في السنوات الماضية أنها باتت أسيرة لمصالحها الضيقة التي عززت الأوهام حول تحقيق التسوية مع الدولة الصهيونية، فيما كانت تلك الأخيرة تواصل توسعها الاستيطاني وقضم مزيد من الأراضي الفلسطينية. ويبدو اليوم أن تلك السلطة، أو أحد أطرافها، قد يئست من السير وراء وهم التسوية، خصوصاً بعد العناد الإسرائيلي لتجميد الاستيطان في ظل المفاوضات. ويظهر هذا اليأس من اتجاه الدبلوماسية الفلسطينية إلى إجراءات دولية جديدة للضغط على إسرائيل والولايات المتحدة، كتفعيل عضوية فلسطين في المؤسسات الدولية، والإعلان عن الانضمام باسم دولة فلسطين إلى 15 اتفاقية ومعاهدة دولية، وفي هذا السياق تأتي أيضاً مساعيها لإتمام المصالحة مع حركة حماس.

في حقيقة الأمر، شكلت الظروف المحلية والإقليمية والدولية ضغوطاً كبيرة على حركتي فتح وحماس من أجل توقيع اتفاق المصالحة. غير أنه لا ضمانة حقيقية لالتزام الطرفين بتنفيذ بنود الاتفاق مع تغير تلك الظروف، أو حدوث ضغوط مفاجئة على أحدهما لإيقاف العمل على إنهاء الانقسام.

كاتب فلسطيني- سوري

9