المصالحة الفلسطينية.. تفاهمات ومخاوف

الجمعة 2017/08/04

لا يتردد الوطنيون الفلسطينيون والعرب القوميون ولا يتلعثمون، في تأييد أي توجه لدى رئيس السلطة الفلسطينية إلى المصالحة الوطنية، علما أن البعض الفلسطيني على يقين أن ما يجري تداوله حول هذا التوجه الجديد، ليس أكثر من مناورة ستنتهي قبل موعدها المقرر.

نُقلت عن صلاح البردويل، النائب في المجلس التشريعي الفلسطيني، رؤية حماس لبعض المتطلبات الرئيسة كمستلزمات مستعجلة لكي تدور عجلة المصالحة. وكرجع الصدى، جاء الجواب من الطرف العباسي: إن الشروط تعجيزية.

كان البردويل قد انتقى لغته، فقال إن حماس ترى، ولم يقل إن حماس تشترط. ولم يكن ثمة تعجيز فيما قاله البردويل، أحد نواب حماس في المجلس التشريعي الفلسطيني. نقول ذلك رغم علمنا بأن اشتراطات حماس سوف تهطل، بعدئذ، وستكون خليطا من ماء وبَرَدْ. فمع تأييد الوطنيين الفلسطينيين ومساندتهم لأي خطوة تصالحية يتوجب عليهم معاينة أي كلام في هذا السياق، بمنظور السياسة ومنطقها.

ربما غاب عن كثيرين أن الذين أنجزوا تفاهمات القاهرة كانوا حريصين على وضع القاعدة السياسية التي يقوم عليها التوافق على الخطوط العامة لعملية إنقاذ غزة، بعد أن أصبحت هذه المنطقة تتنفس بصعوبة، وظل عباس يريد نزع الأنابيب عنها.

في التوطئة السياسية لعملية التفاهم، قال الطرفان المتفاهمان، وهما إصلاحيو فتح وقيادة حماس في غزة إن المسعى يُبنى من الوجهة الإستراتيجية على وثيقة الأسرى المتعلقة بالتسوية وعلى برنامج الإجماع الوطني، ومن الوجهة التكتيكية على قرار الطرفين الشريكين في التفاهم، بأن يتجنبا، بوسائل العلاقات الإقليمية والدولية، أي حرب يشنها العدو على غزة، لأن غزة ليست بحاجة إلى حروب.

إن أحد أهم مآزق عباس ناجم عن انقلاب في الأولويات. قيل مرارا إن الأمن يتأسس على السياسة وليس العكس

قال الطرفان ذلك دون تلعثم، وكانت ولا زالت لديهما الجرأة، لأن يسموا الأشياء بأسمائها. فالمحتلون هم العدو، ولدى الوطنيين الفلسطينيين اشتراطات للتسوية، التي إن لم تتحقق فإن الصراع ماضٍ الى يوم القيامة!

إن أحد أهم مآزق عباس ناجم عن انقلاب في الأولويات. قيل مرارا إن الأمن يتأسس على السياسة وليس العكس. فإن حددنا أهداف المسار السياسي، يصح أن تنشأ عملية أمنية تخدمه، وهذا ما فعلته قيادة منظمة التحرير الفلسطينية في بداية تطبيقات أوسلو. لكن عندما ينقلب المحتلون على مسار التسوية تنتهي تلقائيا العملية الأمنية في لحظة انهيار قاعدتها السياسية وتصبح المسألة، من الجانب الفلسطيني، عسيرة ومريرة وجارحة وعادلا موضوعيا للتواطؤ مع العدو، ولن تفلح محاولات تجميلها.

كان “التنسيق” في مرحلة التطبيقات الأولى طبيعيا ولا يستهدف المجتمع لأنه نشأ أصلا لكي لا يتوغل العدو في مناطق السيطرة الأمنية الفلسطينية. أما اليوم فقد أصبح المحتلون يعتقلون الناس من جوار مقر الرئاسة الفلسطينية، ومن جوار منزل عباس، وينتهكون المناطق المصنفة “أ” ويسدّون آفاق التسوية ويطلقون أشرار المستوطنين على الناس والزرع والطرقات.

اختار عباس أن يتوسل من خلال الأمن ابتسامة أميركية تعقبها ابتسامة إسرائيلية ساخرة واهما أنهما ابتسامتان سياسيتان تتحققان مرة وتستعصيان على التحقق مرات. يستقبله دونالد ترامب مرة بحفاوة ملعوبة فيظنها انفراجا، ثم يزجره ويعنّفه في فلسطين نفسها، فيراها انتكاسة. لقد وضع نفسه في هذه المتاهة، لأنه قَلَبَ الأولويات، وارتضى أن تتأسس السياسة على الأمن، وليس أن يُبنى ويترتب الأمن على السياسة.

في هذه اللحظة، يجري حديث عن مصالحة بين عباس وحماس. لكن كل من يرحب من الفلسطينيين بهذا التوجه، والفتحاويون الإصلاحيون من بينهم، يتساءلون: هل الرجل، الذي لم يستطع رفض المطلب الإسرائيلي والأميركي، الآثم اجتماعيا وإنسانيا، قطع رواتب أسر فلسطينية تعذبت وأشقتها تبعات العمل الوطني يجرؤ على وقف التنسيق الأمني مع إسرائيل. الجواب: لا.. بالطبع.

فإن كان الناطق الذي يلقنه الأمن العباسي يسارع إلى وصف رؤية حماس بأنها تعجيزية، وقد أسقط منها البردويل مطلب وقف “التنسيق الأمني”، فماذا والحال هذه، عندما يدخل الطرفان في مباحثات جدية، ويصبح وقف “التنسيق” الأمني شرطا أساسيا؟

إن رفض مجموعة عباس للرؤية التي طرحها البردويل يعكس الموقف الحقيقي للسياسات العامة وللسياسة الاجتماعية التي تضمرها مجموعة عباس المتنفذة وتتبناها، وإلا ما هو التعجيز في مطلب أن يتراجع عباس عن الإجراءات غير القانونية وغير الدستورية التي اتخذها بحق الموظفين الغزاويين من سلطته وبحق قطاع الخدمات في غزة؟ وما هو التعجير، في تفعيل “المجلس التشريعي”. وما هو التعجيز في عقد اجتماع للإطار القيادي الفلسطيني الذي أجازه عباس نفسه.

الطبقة السياسية لم تعد في موضع ثقة الشعب الفلسطيني بعد أن سجلت فشلا ذريعا في أن تكون قدوة

فإن كان هذا هو جوهر الرؤية الحمساوية المقتضبة لمستلزمات بدء عملية المصالحة، فهل يصح اعتبارها تعجيزية قبل أن يصل الطرفان إلى الأسئلة التي يعجز عنها كل منهما.

رب سائل: ما هي الأسئلة التي يعجز عنها عباس وتعجز حماس عنها؟ الجواب، بالنسبة إلى عباس يتعلق باشتراطات المحتلين وبـ”التنسيق” معهم أمنيا ضد أرادة الشعب الفلسطيني وبمخاوف الانسحاب من المشهد السياسي مع وجود منظومة دستورية وقانونية. أما الجواب بالنسبة إلى حماس فهو اللعثمة في السياسة، أو المضمضمة فيها، وخلطها بكل مفردات الأيديولوجيا والرنين المنبري، توخيا للحُسنيين، مباهج السلطة مع مباهج الخطابَة ولو على حساب شقاء المجتمع المحاصر. كذلك فإن المطالب التعجيزية، تتعلق بمصير “التمكين” الذي أحرزته حماس في غزة، واتكاء جماعة الإخوان عليه، وبمخاوف حقيقية، من استحواذ الشعب على إرادته.

لم يعد أمام الفلسطينيين إلا التوافق على إعادة بناء النظام السياسي، انطلاقا من حقائق ومعطيات لا مناص من جعلها مُحفّزا على التحرك عاجلا.

ومن أهم هذه الحقائق أن الطبقة السياسية لم تعد في موضع ثقة الشعب الفلسطيني بعد أن سجلت فشلا ذريعا في أن تكون قدوة، لا سيما وقد عجزت حتى عن أخذ حقها في المشاركة السياسية من رأس السلطة الفلسطينية، فما بالنا بعجزها عن الأخذ بيد الشعب الفلسطيني إلى خطوات مُحكمة على طريق الاستقلال الوطني.

ومن بين هذه الحقائق والمعطيات، أن التسوية السياسية لا تزال بعيدة، والأوجب أن ينشغل المهتمون بالعمل الوطني الفلسطيني على ترتيب البيت الداخلي واستقطاب قطاعات شعبية لمساندة إعادة بناء النظام السياسي، بدءا بتجديد أطر منظمة التحرير الفلسطينية، مرجعية كل الفلسطينيين، وفي الوقت نفسه إعادة الاعتبار للثقافة الوطنية، وتعلية شأن وضرورة وأهمية إبقاء الصراع قائما طالما أن المحتلين يعربدون.

فلا مصالحة ذات بُعد استراتيجي وفق المعطيات الداخلية الفلسطينية الراهنة. هناك أفق لتوسيع التفاهمات على أن تشمل الأراضي الفلسطينية والمجتمع الفلسطيني وتتعلق بشؤون الحياة وحقوق المواطنين وتكريس العدالة وبناء المنظومة القضائية المستقلة، وإنهاء التفرد وفتح مسارب النجاة والتقدم توطئة لاستكمال بناء النظام السياسي، وتسهيلا له وصولا إلى التمكين للإرادة الشعبية الفلسطينية.

كاتب وسياسي فلسطيني

7