المصالحة الليبية والدور القطري المريب

الخميس 2014/04/17

تتسع دائرة الحديث عن المصالحة بين الفرقاء الليبيين، في الوقت الذي تخرج فيه على مواقع الأنترنت أشرطة فيديو تظهر جنودا من جنسيات غير ليبية ومتشددين دينيين كانوا في طليعة من اقتحموا باب العزيزية، مقر إقامة معمر القذافي، وتنتشر على أرض الواقع جماعات القاعدة و”أنصار الشريعة” من درنة شرقا، إلى صبراتة مرورا ببنغازي وسرت والزاوية وغيرها من المدن الليبية.

وفي حين تتجه الأوضاع في ليبيا إلى “الأفغنة” أو “الصوملة” كما يرى المراقبون، وفي حين تم الدفع بآلاف من المتشددين من العرب والأجانب إلى التراب الليبي، لإعطاء فرصة للقوات الأميركية كي تخرج من أفغانستان بسلام هذا العام، يعاني ثلث الشعب الليبي من التهجير القسري في الدول المجاورة وعبر القارات الخمس، بينما يحاول الإخوان وضع أياديهم على الدولة متحصنين بمسلحي الميلشيات وبقيادات دينية كانت إلى حد قريب على القائمات السوداء لدول الغرب، قبل أن تصبح بقدرة قادر مدافعة عن الحرية.

وبعد اتهام المجلس الانتقالي بالفساد ورئيس الحكومة الأسبق عبد الرحيم الكيب بالتورط في إهدار المال العام، التجأ خلفه علي زيدان إلى الفرار إلى الدولة التي يحمل جنسيتها ألمانيا، وهو مطلوب اليوم للتحقيق والمحاكمة بتهمة الفساد كذلك، في حين تعرض رئيس الحكومة المكلف عبد الله الثني إلى التهديد وإطلاق النار ليجبر على الاستقالة، ولا يزال رئيس المؤتمر الوطني العام نوري بوسهمين عرضة للابتزاز بعد تسريب شريط فيديو في جزئين يظهره وهو يخضع للتحقيق من قبل هيثم التاجوري قائد إحدى الميلشيات، بتهمة التورط في علاقة نسائية غير شرعية، وقد تم الهجوم على معسكر التاجوري لتأديبه وللبحث عن الجزء الثالث من الفيديو، وهو الأخطر حسب تسريبات من داخل إطار القضية.

في هذه الأثناء، يتواصل مسلسل الاغتيالات في بنغازي مع إشارات واضحة على انتقاله إلى طرابلس، وتخضع مدن ليبية لتنظيم القاعدة، ورفعت الرايات السود فوق معسكر 27 الواقع غربي طرابلس بعد أن آلت قيادته إلى إبراهيم تنتوش العائد منذ شهرين من سجون جنوب أفريقيا، وهو المعروف بعلاقاته الوطيدة بتنظيم القاعدة وزعيمه أسامة بن لادن.

وتسعى قطر إلى تأكيد “احتلالها” المقنّع لليبيا، عبر إنقاذ الإخوان والجماعات السلفية المرتبطة بهم، حيث تدفع بحليفها التونسي راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة، إلى البحث عن أفق المصالحة في ليبيا بين رموز النظام السابق وحكام اليوم الذين لا يحكمون، غير أن الشرخ في ليبيا أكبر من أن يتم تجاوزه بهذا الشكل، فآلاف القتلى والمصابين، وأكثر من مليوني مهجّر إلى الخارج، وعشرات آلاف المهجّرين من مدنهم وقراهم في الداخل، وآلاف المساجين في السجون السرية التابعة للميلشيات الحاكمة، ومئات القتلى تحت التعذيب، وحالات الاغتصاب داخل المعتقلات، والهجومات المسلحة على القبائل في بني وليد وورشفانة والعجيلات والمشاشية والأصابعة وغيرها، والصراعات القبلية المستحدثة، وتحالف الحكم مع الإرهاب، كل ذلك يحول دون تحقيق أية مصالحة حقيقية، وهو وإن أدى إلى مصالحة سياسية، فإنه لن يفلح في تحقيق المصالحة الاجتماعية التي بدونها لا تُبنى الدولة ولا يأمن المجتمع.

تعتبر قطر جزءا من مشكلة ليبيا وليس من حلها، ونقطة ضعف مبادرة الغنوشي الأولى أنه محسوب على المشروع الإخواني القطري في المنطقة، وقطر التي تورطت في التآمر على ليبيا وتخريبها وقتل أبنائها، هي التي سعت منذ البداية إلى تسليح الميلشيات وفرض أجندة الإخوان، ووضعت يدها على ملفات النفط والغاز والسلاح والأمن، ورفضت بشدة تكوين جيش ليبي قادر على حماية الحدود، الأمر الذي كشفت عنه شخصيات ليبية كانت على علاقة جيدة بالدوحة مثل عبد الرحمان شلغم ومحمود جبريل. ويرى مراقبون أن هذا الدور القطري كان منسجما مع مشروع متكامل يقضي بتحويل ليبيا إلى نموذج لتوافق الإخوان والقاعدة في الحكم والسيطرة، على أن تتحول جماعات القاعدة إلى قوى مسلحة تحمي الخيارات السياسية لجماعة الإخوان، وهو ما حاول محمد مرسي إحداثه في مصر أثناء فترة حكمه، وظهرت ملامحه في تونس من خلال تحالف حركة النهضة مع أنصار الشريعة قبل أن يتغيّر المشهد تحت الضغط الدخلي والخارجي، خصوصا بعد أن اندفع الجهاديون إلى اغتيال شخصيتين ممن اعتبروهم أعداء للمشروع الإسلامي في البلاد وللمخطط القطري.

كما كانت قطر قد أوعزت للمقربين منها بفرض قانون العزل تحت قوة السلاح عندما حاصرت الميلشيات القريبة من الإخوان مقر المؤتمر الوطني العام، إلى أن تم تمرير قانون العزل الذي جاء على مقاس الإخوان والعائدين من الخارج والخارجين من السجون دون غيرهم.

وتُناصب أغلب القبائل الليبية بما فيها قبائل الشرق وقبيلة الزنتان العداء لقطر، وتنظر الأغلبية الساحقة من الليبيين للدور القطري في ليبيا على أنه دور تخريبي انطلق منذ ثلاثة أعوام، وأن الهدف القطري هو وضع اليد على ثروات ليبيا وخاصة الغاز الذي فشلت في الاستحواذ عليه في عهد القذافي من خلال مشروع “مدينة القرن” غربي البلاد، كما يعتقد جلّ الليبيين أن الخطاب الإعلامي المملى قطريا، والخطاب الديني- سواء كان رسميا من قبل دار الإفتاء المرتبطة بقطر أو حزبيا وطائفيا من خلال جماعة الإخوان حليفة قطر- أو من خلال الجماعات السلفية القريبة من قطر، أضحى عنصر تفرقة مجتمعية. وكان مفتي ليبيا صادق الغرياني اتهم في تصريح شهير من “لا يعترف بالفضل لقطر بأنه أقلّ من كلب” على حد تعبيره.

واليوم تحاول بعض الأطراف وخاصة راشد الغنوشي، إجراء مصالحة بين الليبيين، يؤكّد المهتمون بالشأن الليبي أنها لن تتحقق، فالجانب الأكبر من القبائل الليبية لا يزال مواليا للنظام السابق ولا يعترف بالعملية السياسية الحالية ولا برموزها بما في ذلك العلم والسلام الوطني والمؤتمر الوطني العام، كما يدعو إلى إطلاق سراح السجناء السياسيين بدون استثناء وقيادات وجنود الجيش السابق، وبعودة المهجرين، وحل الميلشيات وجمع سلاحها، وتكوين جيش وطني حقيقي، وإلغاء العزل السياسي، ومواجهة الإرهاب والجماعات المتطرفة، والتعويض لضحايا الحرب ومصابيها من أنصار النظام السابق كما تم التعويض لأنصار ثورة فبراير، وبالتحقيق في الفساد المالي ونهب الثروات، وفي الهجومات المسلحة على القبائل، وفي جرائم القتل والاغتصاب داخل السجون الميلشياوية السرية، وفي عقود النفط والغاز التي تم إبرامها بعد الإطاحة بنظام القذافي.

وترى القبائل الليبية الكبرى في الوسط والغرب، والشرق والجنوب أن سيطرة بعض المناطق على مقاليد السلطة والثروة في البلاد باسم ثورة فبراير يجب ألا يستمر خصوصا وأنها سيطرة مرتبطة بتدخل خارجي وخاصة من قبل القطريين والأتراك، ويبقى البحث عن وليّ الدم الذي يمكن أن يحل قضية الثأر بين القبائل والمناطق الليبية أمرا مهما في ظل مجتمع قبلي لا ينام الثأر في صدور أبنائه وإن طال المدى.

كما يبقى البحث عن حل سياسي داخل ليبيا محتاجا إلى تجاوز التدخل الخارجي الذي يفرضه الإخوان نتيجة ارتباطهم بمشروع خارجي، ويفرضه المتشددون نتيجة الخطر الذي يمثلونه على المنطقة والعالم. وتفترض أية مصالحة إلغاء قانون العزل السياسي وتنظيم انتخابات لا يُقصى منها أي طرف بما في ذلك رموز النظام السابق الذين تنظر إليهم قبائلهم كأبطال ورموز واجهوا التدخل الخارجي ضد بلادهم. ودون النظر إلى هذه الشروط والمطالب بعين الاعتبار، لا يمكن الحديث عن مصالحة أو وفاق في ليبيا.


كاتب صحفي تونسي

8