المصالحة مع الإخوان زيف يُحيي آمال التطرف

الكاتب والسيناريست وحيد حامد: الدراما كشفت حقيقة الجماعة قبل عقود من صعودها للحكم.
الأربعاء 2018/05/16
التلفزيون فرد من العائلة العربية

القاهرة - يكفي الجهر بحديث المصالحة مع جماعة الإخوان أو التلميح إليها، لأن يتعرض صاحبها إلى موجة من الغضب والانتقاد والاتهام بموالاة جماعة إرهابية، من قبل نخب كثيرة في مصر، وفي مقدمتهم الكاتب والسيناريست وحيد حامد، الذي يرى أن الجماعة ضالعة في التحريض على هدم مؤسسات الدولة.

وتنطلق مثل هذه الدعوات من حين إلى آخر، وسرعان ما تندثر تحت وقع الاستنكار والرفض، بيد أنها تفتح الباب لحالة من الجدل والنقاش، وكل شخص يجهر بتلك الدعوات، تصريحا أو تلميحا، تناله لعنات شعبية وإعلامية، لكن ذلك لم يثن البعض عن إثارتها حتى الآن.

من تلك الدعوات، ما جاء على لسان الإعلامي عماد أديب، حيث دعا إلى مخاطبة واستمالة الشباب المتعاطفين مع الإخوان، وفسرت على أنها دعوة إلى المصالحة، لكنها أخمدت في مهدها، وقوبل كلام الرجل بموجة عاصفة من الرفض.

 

البعض مازال يسعى لفرض مصالحة بين الحكومة المصرية وجماعة الإخوان، بداعي دحر الإرهاب والتطرف، إلا أن تلك المبادرات تقابل بالرفض الشعبي دائما. ويرى الكاتب والسيناريست وحيد حامد أن الفشل حول المصالحة سببه الكشف عن زيف أفكار الإخوان، التي فضحتها الأعمال الدرامية والأدبية قبل تولي الجماعة الحكم بعقود.

فسر وحيد حامد، في حواره مع “العرب” أسباب طرح تلك المبادرات ودلالة توقيتها، قائلا “يدرك العارفون بتاريخ جماعة الإخوان المسلمين أنهم كلما تواروا أو وجهت لهم الضربات، يعودون إلى التسلل بطريقة أو بأخرى، من دون كلل أو ملل”.

عندما أطلق أديب، دعوته، قيل إنها عملية جس نبض لرد فعل الشارع المصري، وقيل إنها أطلقت للحصول على رفض شعبي لوقف الضغوط التي تتعرض لها الحكومة المصرية من جانب بعض القوى الغربية التي لا تزال ترى في المصالحة مع الإخوان حلا سياسيا مناسبا.

وحيد حامد، التقته “العرب” أخيرا، وقال إن الكثير من المؤشرات تؤكد صعوبة عقد مصالحة مع الإخوان في القريب، خاصة في ظل حكم الرئيس المصري الحالي عبدالفتاح السيسي، ورغم عدم قدرة الحكومة على صياغة رؤية مؤثرة لمواجهة أفكارهم أو استمالة المتعاطفين معهم حتى اللحظة، لكن “تظل فكرة التصالح أو التحاور مع القيادات الإخوانية أمرا مرفوضا”.

وأرجع ارتفاع نبرة المصالحة ثم خفوتها وتراجعها، إلى الأصوات الأخرى المناهضة التي تتصدى لها، لافتا إلى أن تلك المطالبات مدبرة وتواكبها رعاية كبيرة وإنفاق باهظ، في محاولة لجعلها تأخذ اتجاها شعبيا، وهذا غير حقيقي.

وأكد السيسي، في أكتوبر الماضي، خلال لقاء مع تلفزيون “فرانس 24”، أن إجراء مصالحة في فترة حكمه مع جماعة الإخوان المسلمين، “قرار الشعب” وليس قراره، وقال موضحا “الإجابة عند الشعب المصري ليس عندي، والشعب المصري في حالة غضب شديد، ويجب على الآخرين وضع ذلك في الاعتبار”.

يرفض حامد فكرة المصالحة من الأساس، “مازال البعض لم يتعلم من الدرس الصعب الذي تلقيناه مع صعود الإخوان إلى سدة الحكم عام 2012، ومع أن الأعمال الأدبية والدرامية كشفت عن مخططات الإخوان منذ عقود، لكن بقي البعض ينكرها ويتهم صانعيها بمحاربة الفكر الإسلامي دون داع”.

وأضاف لـ”العرب” بأن الإخوان “أناس انشقوا عن الوطن وكونوا جماعة على طريقة عصابات المافيا في تشكيلها وتنظيماتها. كيف نتصالح وقد أشبعونا إرهابا وقتلا وتدميرا للبنية الأساسية للمجتمع، ودمروا التعليم وفرضوا على الشعب عادات بغيضة، لا تمت إلى الدين بصلة، وعلموهم ثقافة التسول والتنطع في الدين، وكان هدفهم الفعلي تدمير الحياة المصرية النشطة والمستنيرة والقضاء عليها وهو ما نجحوا فيه”.

ويرى حامد، أن حلفاء الإخوان في مصر، هم كل المستفيدين من الجماعة، لأنها مؤسسة اقتصادية كبيرة، تمتلك المستشفيات والمصانع والمتاجر وتقدم كل الخدمات للمواطنين، وتمنح العطايا لأعضائها والمحيطين بها.

يعترف وحيد حامد، بأن “الإخوان مازالوا يتمتعون بالنفوذ، فهم أصحاب تنظيم عالمي ومازالوا موجودين في الأردن والمغرب وتونس والكويت وقطر وتركيا”.

ويؤكد أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إخواني النشأة، ويتملكه حلم إعادة الدولة العثمانية، ويعتقد أن انتماءه وتحالفه مع التنظيم الدولي من الممكن أن يحقق حلم الإخوان في الخلافة، لكنه لم ولن ينجح.

وأكد أن الخلافة أساءت إلى المسلمين والدين الإسلامي والدول العربية، فقد شهد العصر الذي أعقب رحيل الخلفاء الراشدين، تحولا إلى نظام حكم استبدادي.

وأرجع الكاتب، الذي اشتهر بعدائه للإخوان من خلال كتاباته وأعماله، أسباب الميوعة التي تتعامل بها الدول الغربية مع الإخوان بأن “كل دولة لها منافع خاصة”.

وأبرز أعمال وحيد سيف المعادية للإخوان، كان فيلم “طيور الظلام” بطولة عادل إمام ويسرا، عام 1995، حيث كان قد كشف فيه عن علاقة الإسلاميين بنظام الرئيس الأسبق حسني مبارك ورغبتهم في الوصول إلى الحكم، والذي يرى البعض أنه تكرر حرفيا بعد أقل من عشرين عاما من إنتاج الفيلم.

وأوضح أن الدراما نجحت إلى حد كبير في كشف زيف الإخوان لكونها أكثر قدرة على الوصول إلى الجمهور، مدللا على ذلك بقوله “حين صنع الجزء الأول من مسلسل الجماعة عام 2010، تعرض لحملة شرسة من الهجوم من قبل الإخوان وغيرهم، وحين وصل الإسلاميون إلى الحكم وجد كثيرون أنه كان محقا، وأصبحوا يتغنون بكل جملة ومشهد في المسلسل”.

ولفت إلى أعمال أخرى ساهمت في مواجهة الإرهاب، من بينها فيلم “الإرهابي” للكاتب لينين الرملي ومسرحية “الجنزير” لمحمـد سلماوي، كما نوقش الإرهاب في أكثر من عمل بأشكال مختلفة وبدرجات متفاوتة من العمق.

وحيد حامد

وحيد حامد (مواليد 1944)، كاتب سيناريو مصري. عرف بتقديمه لأعمال اجتماعية ذات بعد سياسي تناقش قضايا المجتمع المصري بوعي

وتحذر بعض الأصوات من وقت إلى آخر من مغبة التضييق الذي تمارسه الحكومة المصرية، مطالبة بفتح المجال العام أمام الأحزاب والحركات السياسية، وتحذر أيضا من عواقب سوء الأوضاع الاقتصادية وموجة الغلاء التي أصابت المواطنين بالحنق الشديد، خشية أن تستغل جماعة الإخوان تلك الأوضاع وتتسلل من جديد داخل المجتمع المصري.

تواجه الحكومة المصرية اتهامات بكونها غير قادرة أو غير راغبة في القضاء على الإخوان، وهو السؤال الذي يطالب وحيد حامد السلطة بالرد عليه، إذ لا يمتلك الإجابة عليه.

ويرى الكاتب أن “الحكومة التي تحارب الجماعات الإسلامية منذ سنوات لن تتمكن من القضاء على الإرهاب بين عشية وضحاها، فتلك مسألة عسيرة وتتطلب المزيد من الوقت، ولا سيما أن جماعة الإخوان عمرها 85 سنة، استطاعت خلالها تربية أجيال، بدءا من مرحلة الطفولة والصبا وتملكت عقولهم، ولذلك نحتاج فترة زمنية لتغيير الفكر المجتمعي”.

ولا ينكر حامد أن الحكومة تحارب الإرهاب وحاملي السلاح بجدية شديدة وقطعت شوطا جيدا في هذا الطريق، لكنها “مازالت عاجزة عن محاربة فكر الإخوان وهو ما لا يجد له تفسيرا”.

وقال الكاتب المصري المعروف “نحتاج منظومة ثقافية وتعليمية واجتماعية ودينية، لأن السيسي يطالب منذ اعتلائه سدة الحكم بتجديد الخطاب الديني، من دون استجابة المؤسسات الدينية، لأن عقولهم مازالت متشبعة بالفكر الإخواني”.

وتطرح سيطرة عناصر الجماعة على المؤسسات الدينية سؤالا: هل الجماعة أقوى من الدولة التي لا تستطيع استئصال فكرها؟

ويعلق حامد بقوله “كاد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، أن يقضي على الإخوان، لكن بعد رحيله، جاء أنور السادات، وأفسد ما حققه سلفه”.

ونبه حامد إلى خطورة ما تقوم به قيادات سابقة تدعي توبتها من الجماعة، لكنها في طياتها خلايا نائمة تعمل لصالحها.

وأشار حامد إلى أن الدولة “اُخترقت وخُدعت من قبل الكثيرين، وثمة مسؤولون في مواقع حساسة كانت أيديهم بأيدي الإخوان، وآخرون يتقلدون المناصب العليا في ظل تراخي قبضة الحكومة”.

في ظل تراخي الحكومة، يرى حامد أن “المجتمع لم يكن متهاونا في مواجهة الإخوان، بل يكفيه أنه رفضهم ولفظهم تماما، ولم يعد بإمكان الجماعة اختراقه، فقد كشف زيفهم وبطلان وعودهم”.

13