المصالحة وتفصيلاتها

الاثنين 2017/10/02

لا يعلم واحدنا الفلسطيني المتفائل والراغب في أن تأخذ المصالحة الوطنية الفلسطينية مجراها، ما إذا كانت مناقشة الأمر بالمنطق من شأنها إزعاج أمثاله المتفائلين، أم ستُسهم في إغناء الوعي الجمعي الذي يقطع الطريق على الالتفافات، ويُعزز فكرة الشراكة والعمل حسب الوثيقة الدستورية التي سُميت النظام الأساسي.

في موضوع أوسلو ومقارباته، كان الكثيرون تنبهوا مبكرا إلى خطأ في ترتيب الأولويات، وهو الخطأ الذي أوصل الشعب الفلسطيني إلى طريق مسدودة. ففي كل النزاعات يكون الاتفاق بالجملة، والتنفيذ بالمفَرّق. أي أن توضع الصيغة التفصيلية لما يتمّ الاتفاق عليه ثم تبدأ مراحل التنفيذ. لكننا في أوسلو، نفذنا بالجملة فانتقلت منظمة التحرير بكل مؤسساتها إلى أراضي الحكم الذاتي المحدود، ثم اكتشفت أنها أصبحت في القفص وأن الطريق مسدودة والمحتلون يتحكمون في قيام الفلسطينيين وقعودهم. ومنذ بدء المرحلة الأولى لم يكن أحد يعرف ما الذي سيجري في المرحلة الثانية.

الفارق بين تلك التجربة وعملية تنفيذ المصالحة بالجملة، قبل الاتفاق على تفصيلاتها، وانتقال حكومة رامي الحمدالله بكل وزاراتها إلى غزة، أن الطرفين فلسطينيان، وأن ثمّة وعودا بأن تنعقد سريعا في القاهرة اجتماعات لإنجاز الصيغة التفصيلية.

لكن شيطانا مُفترضا يكمن في التفصيلات، وهو شيطان موصول بالرغبات القصوى لدى كل من طرفي الخصومة، لا سيما العناصر الفاقدة لثقافة الدولة. ومثلما يحدث في حالات قلب الأولويات، يكون هناك معارضون للفكرة وللسياق، كامنون في ثنايا الطرفين، وسيكون الرهان هنا، على القوتين المتنفذتين على الأرض. فإن كانت كلتاهما، تقرّ بالحقوق الدستورية للمواطنين، فإن الأمور ستأخذ مجراها الحميد، وصولا إلى لحظة الاحتكام إلى الشعب.

هنا من المفيد التذكير، أن الحقوق الدستورية للمواطنين، منتهكة حتى الآن في كُلٍ من الضفة وغزة، وأن النظام الوطني لا زال في أمسّ الحاجة إلى إصلاح ديمقراطي، وأن غزة تزدحم بكل الألوان، وأن مرحلة حلّ اللجنة الإدارية الحمساوية وتسليم الجهاز الحكومي لحكومة الحمدالله، هو محض مرحلة أولى تمهيدية، لن تكون بعدها مرحلة ثانية ما لم يجر الاتفاق الشامل والمُلزم، على منهجية الحكم ومرجعياته القانونية وضوابطه الدستورية. فالحكاية الفادحة، ليست مجرد جهاز حكومي. فإن نجح الطرفان، ستكون غزة، المساحة الجغرافية الوحيدة في العالم، التي تتعايش فيها شرعيتان تمتلك كل منهما القدرة على ممارسة الإكراه في اللحظة التي تريد: الشرعية الدستورية وهي ظاهرة قانونية، وشرعية المقاومة وهي ظاهرة تاريخية، ذلك علما بأن أهم شروط قيام الكيانات هو احتكامها إلى شرعية واحدة تمتلك سلاحا وحيدا.

هناك فرصة لاجتراح هذا المُستحدث، في حال تم التوافق على حقوق المجتمع: الضوابط الدستورية التي تحكم السلوك الأمني، والعدالة في توزيع الثروة المتاحة، وحُرمة الإقصاء، وحرية الإعلام وفق القانون وبما تكفله الوثيقة الدستورية للناس، ورد أمانة السلطة إلى الشعب، بعد مرحلة انتقالية قصيرة يُصار فيها إلى انتخاب من يمثلونه في مؤسسة الرقابة والتشريع، وبالطبع إنهاء التفرّد.

المُعضلة الكبرى في التطبيقات تكمن في السلاح، وفي المنهجيات الأمنية في الضفة وغزة. الأول يتطلب التأطير في صيغة أقرب إلى الجيش الوطني الذي لا يتدخل في السياسة ولا في إدارة المجتمع، والثانية أن تُطوى صفحة الجموح الأمني والتدخل في كل سياق وفي كل وزارة وسفارة، على قاعدة أن للأمن منهجية تلائم شعبا يرزح تحت الاحتلال، وأن المقاومة من بين أهم حقوق المجتمع ولو من حيث المبدأ، ووفق الاعتبارات التي تأخذ في الاعتبار مبدأ الربح والخسارة.

الفلسطينيون متمسكون بتفاؤلهم، راغبون في إنجاز المصالحة من حيث هي مسألة تستوجب التوافق على صيغة الحكم ومرجعياته، مفعمون بالتمني أن يكون الطرفان على مستوى المسؤولية، وأن يذهب الطرفان إلى اتفاق شامل، يجري تنفيذه بالجملة، لكي تنتهي مرحلة الشقاء الطويلة، وعندئذ يكون للإفراط في التفاؤل ما يبرره.

ستكون نتائج اجتماعات القاهرة المزمعة، والتي قيل إنها للاتفاق على المسائل التفصيلية، هي التي ستحسم الأمر، لأن حماس التي ظنت أن شن الحرب الفورية هو الخيار الصحيح، بات خيارها أن تتجنّب فتح النار وأن تستمر في التهدئة، وبالتالي لم يعدّ ثمة خلاف بين حركتي فتح وحماس إلا حول التفصيلات، وفي هذه التفصيلات أصاب التشوّه سلطتي الحكم في حال الانقسام.

كاتب وسياسي فلسطيني

9