المصالح المتبادلة تحكم العلاقة بين واشنطن والخرطوم

تمر العلاقة بين الولايات المتحدة الأميركية والسودان بحالة مد وجزر ففيما تبقي واشنطن على العقوبات المفروضة على الخرطوم، ترسل بالمقابل إشارات عن رغبتها في الانفتاح على هذا البلد، ويفسر خبراء ومحللون هذا الوضعية بالبراغماتية التي تحكم سياسة الولايات المتحدة.
الأحد 2015/11/08
النظام يحث السودانيين على التظاهر ضد العقوبات بعد التماسه إمكانية تليين الموقف الأميركي

القاهرة - بدأ وفد من الكونغرس الأميركي، أمس السبت، زيارة إلى الخرطوم تستمر ثلاثة أيام، يلتقي فيها عددا من المسؤولين الكبار في السودان، في وقت بدأت تتراجع فيه حدة التصعيد، وتميل العلاقات نحو التوصل لتفاهمات بشأن بعض الملفات الشائكة.

وبرأي بعض المراقبين فإن العلاقات السودانية-الأميركية تسير منذ فترة على وتيرة متذبذبة، فتارة ترفع واشنطن صوتها اعتراضا على بعض تصرفات نظام البشير في مجال الحريات والحوار الوطني مع المعارضة، وأخرى تغض الطرف فيها عن ممارسات تأتي في صميم انتهاكات حقوق الإنسان.

ووسط التلميحات والإشارات المتناقضة الصادرة عن الإدارة الأميركية خلال الفترة الماضية، عمدت الخرطوم إلى توظيفها بصورة توحي أن واشنطن لا تستطيع تطبيق معاييرها السياسية عليها، لأن هناك سلسلة من المصالح في السودان جعلتها ترفض الإقدام على ممارسة ضغوط حقيقية عليها، خاصة في ملف محاكمة الرئيس عمر البشير المطلوب من قبل المحكمة الجنائية الدولية، لاتهامه بارتكاب جرائم حرب في إقليم دارفور.

ما عزز الاستنتاجات السابقة أن الولايات المتحدة لم تتجاوب مع صراخ المعارضة السودانية، حول تجاوزات نظام البشير، الذي دخل في مسرحية للحوار الوطني قبل أسابيع قليلة، لم تتجاوب معه سوى أحزاب هامشية، ودار حوار بينهم يشبه “حوار الطرشان”، فلم تنجم عنه نتائج إيجابية وظلت جميع الجبهات ملتهبة.

فلم تتحرك واشنطن كما تحركت في مشكلة الجنوب، ووقفت خلف متمرديه حتى ضمنت انفصال الإقليم وحصوله على الاستقلال، بعدها فتر حماس الولايات المتحدة حيال السودان، بعد أن أنجزت مهمتها الأساسية وبقي تعاملها يتراوح بين التصعيد والتهدئة، فهناك عقوبات اقتصادية على السودان مستمرة منذ عام 1997، وهناك أيضا تبادل للزيارات واللقاءات والحوارات.

وقبل أيام أعلن معهد “إتش دي أي” الأميركي بالتعاون مع المعهد الأميركي الدولي، ومجموعة “سي تي سي” السودانية، عن تنظيم زيارة خاصة لوفد يضم عددا من أعضاء الكونغرس للخرطوم، خلال الفترة من 7 إلى 9 نوفمبر الجاري، بهدف توسيع نطاق التواصل بين جهات سودانية وبعض مؤسسات اتخاذ القرار في الولايات المتحدة، وبينها الكونغرس الأميركي.

الزيارة ترمي إلى تطوير العلاقات بين واشنطن والخرطوم في مجالات اقتصادية واجتماعية وثقافية، وعقد لقاءات مع بعض الرموز السياسية والدينية والنسوية ومنظمات المجتمع المدني في السودان.

وفد الكونغرس، ضمّ ممثلين عن الحزبين الجمهوري والديمقراطي وأعضاء من معهد “إتش دي أي” الأميركي، الأمر الذي أعطى الزيارة أهمية سياسية.

يذكر أن معهد “اتش دي أي” المستقل والمكون من 23 عضوا بالكونغرس، ويضم عددا من كبار الشخصيات الأميركية، ينشط في مجال رعاية وتسهيل الحوار بين قادة الولايات المتحدة وشركائها حول العالم، كما يقوم بتنسيق العمل بين الكونغرس والأمم المتحدة، ويبدأ أنشطته بعد الحصول على موافقة لجنة الأخلاق والقواعد بالكونغرس، ويلتزم بالعمل وفقا لمجموعة الإجراءات الصادرة من وزارة الخارجية الأميركية والتي تنظم رحلات عمل وفود الكونغرس.

الولايات المتحدة ومن خلال زيارة الوفد تحاول الحفاظ على نسق معين في العلاقة مع الخرطوم وذلك بالنظر لعدة دوافع لعل من بينها قضية جنوب السودان.

بعض المصادر السودانية في القاهرة، قالت لـ”العرب” إن الأوضاع الهشة في جنوب السودان، كادت تدفع الخرطوم إلى التصعيد مجددا ضد جوبا، ومحاولة تغيير النتيجة التي أفرزها استقلال الإقليم، خاصة الخريطة النفطية، التي حرمت السودان من حوالي 80 في المئة من موارده النفطية، لكن واشنطن نجحت في كبح جماح الخرطوم بطرق دبلوماسية وتهديدات خفية.

وأوضح أيمن شبانة خبير الشؤون السودانية بمعهد الدراسات الأفريقية بجامعة القاهرة، أن جوبا مفتاح التقارب الأميركي السوداني، فواشنطن لديها مشروع في السودان قائم على وجود دولتين، إحداهما عربية إسلامية في الشمال والأخرى علمانية أفريقية في الجنوب، تكون حائط صد ضد التيار العروبي والإسلامي في الشمال.

واشنطن تخشى خسارة مشروعها في الجنوب إذا انهارت الدولة، لذلك تسعى لحشد دعم لجهود السودان أملا في تهدئة الأوضاع في البلد المجاور

وأضاف لـ “العرب” أن واشنطن وظفت العقوبات التي فرضتها على السودان كأداة للضغط على نظام البشير لتسهيل استقلال وانفصال الجنوب، ونجحت في تنفيذ مشروعها وانفصل الجنوب بالفعل عام 2011، واستمرت العقوبات، وزعمت واشنطن أنها تطبق نظام العقوبات الذكي الذي يستهدف النظام وعناصره ولا يستهدف الشعب.

لكن في الحقيقة أن السودان بدأ يتأثر بشكل كبير بالعقوبات في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية وتراجع عائدات تصدير نفط الجنوب عبر أراضيه بعد أن قرر الجنوب في عام 2012 وقف تصدير النفط عبر الأنابيب التي تمر إلى موانئ الشمال بسبب النزاع في إقليم أبيى الحدودي، كما اعتبر السودان أن ديونه للخارج قبل انفصال الجنوب وصلت إلى 38 مليار دولار ولا بد أن يتحمل الجنوب بعد استقلاله جزءا منها، لكن جوبا رفضت ذلك، والآن وصلت الديون إلى 45 مليار دولار.

وترى الولايات المتحدة أن السودان ورقة سياسية مهمة في تهدئة الوضع في جنوب السودان الذي يعاني صراعا وحربا أهلية نتيجة الخلاف المحتدم بين الرئيس سيلفا كير ونائبه الأول السابق رياك مشار.

وأكد شبانة أن واشنطن تخشى خسارة مشروعها في الجنوب إذا انهارت الدولة، لذلك تسعى لحشد دعم لجهود السودان، أملا في تهدئة الأوضاع في الجنوب.

وكان الرئيس الأميركي باراك أوباما قد التقى على هامش زيارته لأثيوبيا في يوليو الماضي صبحي غندور وزير الدولة السوداني للشؤون الخارجية، وأيضا التقى وزير الخارجية جون كيري غندور على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي، وهو ما يعكس رغبة في تحسين العلاقات وتوظيفها في إنقاذ المشروع الأميركي بجنوب السودان.

وأوضح أيمن شبانة، أن الولايات المتحدة تميل إلى تخفيف العقوبات لضمان ولاء الخرطوم، كما أن ما كانت تريده من هذه الورقة (انفصال الجنوب) قد تحقق.

وقد فهم النظام السوداني بعض التلميحات التي جاءته في هذا المضمار لذلك شجع خروج مظاهرات شعبية نددت بالعقوبات وتأثيرها السلبي على المواطنين.

من هذه الزاوية يمكن فهم مغزى زيارة وفد الكونغرس في هذا التوقيت، حيث عملت شخصيات سودانية (مجموعة “سي تي سي”) لتشجيع أعضاء الوفد على زيارة الخرطوم، والاطلاع مباشرة على أثار العقوبات على الأرض، لا سيما أن خسائرها بلغت نحو 40 مليار دولار لتمهيد الطريق أمام المطالبة برفعها مقابل الدور السوداني في تحقيق استقرار الجنوب وعدم السماح بانفلات الأوضاع هناك.

وقال هاني رسلان الخبير في الشؤون السودانية، لـ”العرب” إن الخرطوم تسعى الآن لتخفيف العقوبات وتحسين العلاقات مع واشنطن عبر اختراق المجتمع الأميركي وتوطيد العلاقات الشعبية، لذلك هناك اهتمام وترحيب كبيران بزيارة وفد الكونغرس.

غير أن رسلان قطع بأن واشنطن تربط بين قيام السودان بحل النزاع المسلح في منطقتي النيل الأزرق وجنوب كردفان وتسوية الأزمة في دارفور وبين إعادة العلاقات مع الخرطوم إلى مسارها الطبيعي.

وشدد حلمي شعراوي مدير مركز البحوث والدراسات الأفريقية بالقاهرة، على أن واشنطن لن ترفع العقوبات بشكل كامل عن السودان، فقد جددتها منذ أسابيع قليلة وسوف تواصل استخدام سياسة العصا والجزرة، أي أنها تلوّح بورقة العقوبات لممارسة الضغوط على النظام السوداني لتحقيق مصالحها، كما فعلت من قبل في قضية دارفور، حيث وظفت مطالبات المحكمة الجنائية بتوقيف البشير بذريعة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية كورقة ضغط عليه من أجل تحقيق انفصال الجنوب، من هنا يمكن فهم تراجع الدعوات الأميركية والمطالبات بتسليم البشير للمحكمة الدولية عقب حدوث الانفصال.

في هذا السياق قالت أماني الطويل الخبيرة في الشؤون السودانية بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية إن براغماتية المصالح تتحكم في مسار التقارب، فالخرطوم بحاجة لتخفيف العقوبات وواشنطن

تحتاج إلى مزيد من تعاون السودان في قضايا أمنية حرجة، منها خاصة مواجهة الإرهاب وقد أبدى البشير بالفعل مرونة في التعاون مع أجهزة الاستخبارات الأميركية.

وتزداد أهمية الدور السوداني في ظل تمدد تنظيم داعش في بعض دول شمال أفريقيا ووسط فتور العلاقات بين مصر والولايات المتحدة.

لكن أسماء الحسيني الخبيرة في الشؤون السودانية، نفت في تصريحات لـ”العرب” وجود علاقة بين التقارب الأميركي السوداني وبين التوتر الحاصل بين القاهرة وواشنطن، مؤكدة أن الرئيس أوباما يستهدف دعم السودان في الجنوب ومحاربة الإرهاب.

2