المصالح الوطنية في مواجهة قوانين السوق الحر

الاثنين 2014/05/12

يتصاعد الجدل هذه الأيام في كل من بريطانيا وفرنسا حول عزم شركتين أميركيتين الاستحواذ على مجموعتين عملاقتين في البلدين.

الغريب أن قمة هرم السلطة في لندن وباريس لم يترددا في الحديث عن معارضة إتمام الصفقتين، مع أن البلدين من رواد مبادئ تحرير الأسواق، ورغم أن الطرف الذي ينوي الاستحواذ ينتمي لذات المعسكر الغربي وليس من الصين أو روسيا أو إيران على سبيل المثال.

القضيتان لم تصلا بعد الى ذروة المواجهة الصارخة، لأن الشركتين الفرنسية والبريطانية لم تقررا حتى الآن قبول عروض الشركتين الأميركيتين.

الصفقة الأولى في قطاع الأدوية حيث قدمت شركة فايزر الأميركية العملاقة 3 عروض متتالية لشراء شركة استرا زينيكا البريطانية، كان آخرها بقيمة 106 مليارات دولار.

وقررت الشركة رفض تلك العروض لأنها لا تلبي تقييم حملة الأسهم للشركة، التي أعلنت عن توقعات بمضاعفة مبيعاتها خلال 10 سنوات، والتي بلغت في العام الماضي نحو 26 مليار دولار.

ويجري الحديث عن محاولة استحواذ قاهرة برفع قيمة العرض الى 113 مليار دولار، حينها يمكن أن تصل القضية الى مواجهة تجبر الحكومة على اتخاذ موقف صارخ.

ويعزو البعض رفض الشركة، الى امتلاكها لعدد كبير من براءات الاختراع التي سيكون لها شأن كبير في المستقبل. ويدور الحديث عن أن بعض براءات الاختراع، التي دفعت فايزر للاندفاع للاستحواذ على أسترا زينكا بأي ثمن، مرتبطة بمادة الغرافين.

ولا بأس هنا بمعلومة إضافية لا تتعلق بمحور الموضوع، فهذه المادة العجيبة التي تم ابتكارها في بريطانيا، يصفها العلماء بأنها أخطر اختراع في القرن الحالي ويمكن أن تغيير حياة البشرية. فهي من أخف المواد وأكثر صلابة من الفولاذ بمئتي مرة ويمكن استخدامها بسمك ذرة واحدة فقط، وهي تعد بثورة خارقة في جميع المجالات، من الالكترونيات الى صناعة الأدوية والطائرات وصولا لجميع الصناعات الأخرى.

أما صفقة الستوم الفرنسية لصناعة معدات الطاقة والقطارات، والتي تنفذ اليوم عددا من العقود الكبيرة في الشرق الأوسط، فمعارضة الحكومة الفرنسية لعرض شراء قطاع الطاقة فيها من قبل جنرال الكتريك الأميركية يفوق معارضة الحكومة البريطانية لشراء استرا زينيكا.

قد يعود سبب حدة تدخل الحكومة الفرنسية إلى أنها سبق أن انقذت الشركة من الانهيار عام 2004 بمنحها حزمة من المساعدات، إضافة الى أن وضع الاقتصاد الفرنسي ومستويات البطالة أسوأ بكثير من الوضع في بريطانيا. ولا بد أن نذكر حماس الفرنسيين مقارنة بهدوء البريطانيين.

وقد كثفت باريس جهودها نحو صفقة بديلة للحيلولة دون المواجهة بتشجيع سيمنس الألمانية على الاستحواذ على قطاع الطاقة في الستوم، مقابل حصول الأخيرة على قطاع صناعة القطارات في سيمنس.

مخاوف الحكومتين الفرنسية والبريطانية تتركز حول خطر إعادة هيكلة الشركتين ونقل بعض الوظائف الى الخارج، إلا أنه يصعب تبرير التدخل في قرار الشركتين، في ظل عدم امتلاك الحكومتين لأية حصص فيهما.

ماذا لو وجد مجلسا إدارة الشركتين أن العرضين مغريان ويخدمان مصالح حملة الأسهم؟ ألا يتعارض ذلك مع قوانين السوق الحر ويحرم حملة الأسهم من حرية بيع ما يملكون وهو حق يكفله القانون؟

المعارضة الحكومية في البلدين والتصريحات التي صدرت من قمة هرم السلطة فيهما، لا تزال تقتصر على محاولة الحصول على ضمانات بعدم إغلاق المصانع وتسريح العمال ولم تصل الى وقاحة رفض اتمام الصفقتين.

لا بد من الاشارة هنا إلى أن الولايات المتحدة سبق لها أن منعت اتمام بعض الصفقات بحجة الأمن الوطني، رغم أن بعضها كان يتعلق بشركات نفطية أو إدارة الموانئ، وليس بشركات لإنتاج المعدات العسكرية.

في الخلاصة يمكن القول إن الاعتراضات تشير الى أن أسس النشاط الاقتصادي في اقطاب النظام الراسمالي ما عادت مثلما كانت قبل الأزمة المالية العالمية. وتوفير فرص العمل والدفاع عن النشاط الاقتصادي أصبحت من أسس الأمن الوطني.

وتبدو الحكومات الغربية اليوم أكثر استعدادا لخرق القوانين التي كانت تقدسها وتدافع عنها حتى لو تعارض ذلك مع أحكام القانون.

11