المصانع الذكية في قلب العصر الصناعي الرابع في ألمانيا

البشر رؤوس مبدعة وهمزة الوصل بين الآلات والبيانات، وتحسين ظروف العمل والإنتاج يطغى على المخاوف من فقدان الوظائف.
الأحد 2018/09/09
المخاوف بشأن التوظيف لها ما يبررها

شتوتغارت (ألمانيا) – من المعتاد أن يكون الغبار والزيوت وبرادة المعادن جزءا من الحياة اليومية، للعاملين في مصانع شركة “ترومبف” الألمانية التي تنتج آلات الخراطة وهي شركة متخصصة أيضا في تكنولوجيا الليزر.

وفي مصنع الشركة الكائن بمدينة شتوتغارت، ينزلق لوح معدني ضخم على متن منصة نقالة متحركة ذاتية القيادة، كما لو كانت تقودها يد خفية.

هذه علامة من علامات رقمنة الإنتاج، ويلاحظ وجود ميزات أخرى حيث تحتل قاعات الإنتاج مساحات واسعة وتبدو مشرقة ونظيفة بشكل لافت للنظر، ولا يضطر العاملون من البشر إلى القيام بجر صفائح من المعادن داخل عنابر الإنتاج أو تشغيل روافع ثقيلة، ولكن بدلا من ذلك يقومون بالتنقل بهدوء بين شاشات المراقبة وهم يتفحصون سير عمليات الإنتاج.

وعبر مناطق جنوب غربي ألمانيا، كانت شركة ترومبف والكثير من الشركات الأخرى متوسطة الحجم، وأيضا الشركات الكبرى تعمل منذ فترة طويلة على إدخال الرقمنة إلى مصانعها.

وكان الدافع لإحداث هذا التغيير شيء أكبر بكثير من الحفاظ على النظافة وتوفير الأموال الناجم عن تقليص أعداد العاملين، ذلك أن المصانع الذكية باتت في قلب العصر الصناعي الرئيسي الرابع أو الثورة الصناعية الرابعة.

ويتمثل هدف الشركات في تحقيق الاتصال والربط الرقمي بين خط الإنتاج برمته، وبين كل جزء من العملية المصورة على شاشة مراقبة أو حاسوب لوحي (تابلت).

ويتم برمجة المعلومات وفقا للغرض المطلوب، ويمكن عندئذ أن تنظم خطوط الإنتاج نفسها، بحيث يتم رصد مختلف مواد التصنيع ومعالجتها على خط الإنتاج، وتقوم الأنظمة بتقديم المعلومات وإصلاح الأخطاء، ويمكن طلب المزيد من المواد بشكل آلي في حالة انخفاض مستوى المخزون.

الشركات الألمانية الكبرى تركز مواردها على مشروعات مثل "أرينا 2036"، المختص في التحول الرقمي في صناعة السيارات

وفي مصنع شركة “بيلز” الألمانية المتخصصة في الأتمتة (تكنولوجيا التحكم الآلي) توجد آلة ناقلة صغيرة من النوع المستخدم في عنابر العمل ومزودة برقيقة حاسوب، وهي تقوم بعمليات اللحام وتجميع لوحات دوائر كهربائية.

وتقول سوزان كونشيرت مديرة شركة بيلز “الرقمنة ليست هدفا في حد ذاته، يجب أن يكون الأشخاص قادرين على العمل بشكل أكثر كفاءة وأمانا وسهولة عن طريق هذه التقنية الجديدة”.

ومع ذلك فمن الصعب إبعاد مشاعر الخوف من أن تقلص الأتمتة من فرص العمل، فكيف يتسم الناس بالمرونة والقابلية للتغيير عندما تستولي الروبوتات على وظائفهم؟.

وتضيف كونشيرت “أن نفس العبارات وكلمات التطمين القديمة لا تساعد أي شخص يشعر فعلا بالقلق من احتمال فقدانه وظيفته، ونحن وسط تغييرات ستكون لها آثار عميقة على المجتمع”.

وأشارت دراسة أجراها في أبريل الماضي معهد نورمبرغ لسوق العمل وأبحاث الوظائف، إلى أن المخاوف بشأن التوظيف لها ما يبررها. ووفقا لما تقوله الدراسة فإن رقمنة الاقتصاد ستؤثر بصورة طفيفة فقط على المستوى الكلي للتوظيف حتى عام 2035، ومع ذلك ستحدث اضطرابات هائلة في سوق العمل.

وتتوقع غرفة التجارة والصناعة التابعة للدولة ظهور تحديات ضخمة تواجه الشركات والعاملين فيها مستقبلا، خاصة وأن الكثير من الأنشطة التجارية تواجه مشكلات بالفعل في العثور على عمالة مؤهلة.

ويرى رئيس الغرفة فولفغانغ غرينكه أنه يجب إعطاء المزيد من الدعم بشكل أكثر لمواصلة التعليم، خاصة مع ارتفاع الطلب على الأيدي العاملة الماهرة من جانب الشركات، ويقول إن الرقمنة من ناحية أخرى ليست لها أهمية على الدوام لكل نشاط تجاري.

في شركة بوش يقوم الروبوت باللحام واللصق والـرفع والنقـل للمكـونات، ويكـون دور العامل البشري هو التوجيه والمراقبة والاعتناء بالإنتاج

ويضيف “إننا سنجرب طرقا مختلفة، مثل نماذج الشركات الجديدة تماما على السوق، وأيضا الشركات التي يمكن بمساعدة التحول الرقمي أن تجعل أنظمتها أكثر كفاءة”.

ومن ناحية أخرى تقوم الشركات الألمانية الكبرى بتركيز مواردها على مشروعات مثل “أرينا 2036”، وهو مشروع بحثي تدعمه الجامعات في شتوتغارت يركز على التحول الرقمي في صناعة السيارات.

وتستثمر هذه الشركات في مهارات الرقمنة لدى الموظفين منذ البداية، وعلى سبيل المثال نجد أن شركة ديملر تتيح للمتدربين فيها تعلم كيفية القيام بلحام المعادن بمساعدة التكنولوجيا، وعدم إهدار أي مواد حيث يقوم الكمبيوتر بتحليل نوعية اللحام المطلوب بدقة متناهية تصل إلى ميليمتر واحد.

كما تستخدم شركة بوش حلول مرتبطة بشبكات، مثل قيام الروبوت باللحام واللصق والـرفع والنقـل للمكـونات، ويكـون دور العامل البشري هو التوجيه والمراقبة والاعتناء بالإنتاج، وذلك وفقا لما تقوله الشركة.

ويوضح رولف نايورك رئيس شركة “بوش ركسروث” التي تتخصص في تقنيات التسيير والتوجيه أن “البشر هم رؤوس مبدعة، وهم همزة الوصل بين الآلات والبيانات”.

والحاجة إلى البشر واضحة في المصنع الذي تنتج فيه شركة ترومبف مخارط السك، بالرغم من التطورات التكنولوجية.

ففي هذا المصنع نجحت الشركة في إنقاذ العشرات من الوظائف بمساعدة التحول الرقمي، وذلك عن طريق إتاحة أزمنة أقصر للنقل والتوزيع، فإذا طلب زبون إحدى آلات الخراطة قبل الساعة الثانية عصرا عن طريق الإنترنت، فيمكن إنتاجها بشكل آلي وإرسالها من المصنع في نفس اليوم.

وتقول ألكسندرا غليتش مديرة شركة ترومبف إن “الزبائن يقومون أساسا ببدء وتوجيه إنتاجنا”.

17