المصايف في المجتمعات العربية باتت للأغنياء فقط

منذ منتصف القرن الماضي والمصايف جزء من ثقافة الطبقة المتوسطة في العديد من البلدان العربية للاستمتاع والاستجمام. وكان أبناء تلك الطبقة يجدون من السهل عليهم التوجه إلى المصايف التي كانت في حدود قدراتهم المادية، أما اليوم فقد بات المصيف عبئا على المواطن من الفئات الاجتماعية المتوسطة، نظرا إلى ارتفاع تكلفته وصعود أسعار الخدمات على الشواطئ إلى عنان السماء بعد لجوء العديد من السلطات المحلية العربية إلى تأجير الشواطئ للقطاع الخاص ما أدى إلى حرمان المواطنين البسطاء منها.
الجمعة 2017/07/14
الرفاهية حصرية على شواطئ الأغنياء

القاهرة - يمثل موسم الإجازات الصيفية فرصة للمواطن العربي لأن يهرب من همومه المعيشية وأعباء حياته اليومية التي تزداد صعوبة يوما بعد يوم في ظل بلوغ معدلات التضخم إلى نسب لم يعهدها من قبل. لأجل ذلك تحاول كل أسرة جاهدة أن تقتطع من مدخراتها طوال السنة لتكون قادرة على قضاء بضعة أيام في أحد المصايف الداخلية.

المواطن في المجتمعات العربية والذي يصنف ضمن الطبقة المتوسطة ماديا واجتماعيا يحاول التغلب على غلاء أسعار المصايف والفنادق السياحية بالتوجه إلى السياحة الداخلية، حيث يسافر من محافظة إلى أخرى باستخدام المواصلات المحلية منخفضة السعر مقارنة بالملاحة الجوية من دولة إلى أخرى، ويبدأ بمحاولة البحث عن منازل للإيجار من المفترض أن تنخفض أسعارها كثيرا عن أسعار الفنادق.

وفي ظل الارتفاع الكبير في أسعار المنتجات الغذائية والوجبات السريعة يعمد المصطافون أثناء رحلاتهم الداخلية للحد من ارتياد المطاعم، والاستعاضة عن ذلك بتجهيز أطعمتهم ومشروباتهم في المنزل قبل السفر واصطحابها معهم استهلاكها طوال مدة إقامتهم، التي عادة ما تتراوح بين بضعة أيام وأسبوع على أقصى تقدير.

مصايف لا يدخلها البسطاء

أحمد حسين، أحد المصطافين بمدينة الإسكندرية (شمال مصر)، عبّر لـ”العرب” عن غضبه من الارتفاع الكبير للأسعار في موسم عيد الفطر الماضي، وقال “قررت أنا وأسرتي التوجه إلى الإسكندرية التي تعد من أرخص المصايف المصرية، ولم نتوجه إلى الساحل الشمالي أو الغردقة (شرق مصر) نظرا إلى الارتفاع الجنوني للأسعار هناك.

وعلى الرغم من ذلك فوجئت بأن اليوم الواحد هناك يكلفني أنا وأسرتي، المتكونة مني إضافة إلى ثلاثة أفراد، قرابة الألف جنيه (حوالي 50 دولارا)، مع أنني قمت بتأجير شقة مفروشة في أرخص مناطق المدينة، إلا أن أسعار الشواطئ والمطاعم لم ترحمني”.

تونس تظل رغم الهجمات الإرهابية المقصد المفضل لدى السياح الجزائريين في ظل عزوفهم عن الاصطياف الداخلي في بلدهم

وتبرر المنشآت السياحية رفع أسعارها بشكل كبير في موسم الإجازات الصيفية بأن تلك هي فرصتها الوحيدة حاليا، على حد تعبير أحد مالكي الفنادق بمدينة شرم الشيخ المصرية لـ”العرب”، وذلك لتحقيق هامش ربح يعوض خسائر السنة بأكملها. وأوضح أن مرد ذلك هو التراجع الكبير في معدلات السياحة الأجنبية إلى مصر. إلى جانب ارتفاع الضرائب على المنشآت السياحية، ولذلك فلا مفر من استغلال موسم الإجازات الصيفية وإلا أغلقت الفنادق التي تكلف إنشاؤها ملايين الجنيهات، أبوابها.

ويشتكي الكثير من المصطافين من أن أصحاب الفنادق يهتمون فقط بمحاولة جذب السائح الأجنبي وبتوفير أسعار فندقية أقل بكثير من الأسعار المعروضة على المواطن المحلي، على الرغم من أنه إذا قامت الفنادق بخفض أسعارها للمصطافين المحليين فستجتذب أعدادا مضاعفة وتحقق مكاسب أفضل من مكاسبها الناتجة عن السياحة الأجنبية. هذا بدوره يجعل المُصطاف العربي مضطرا إلى البحث المضني عن منزل للإيجار أو للمبيت عند الأهالي والأصدقاء ما يمثل عبئا مضاعفا عليه.

من أهم المظاهر اللافتة في المجتمعات العربية الآن، أن التفاوت الطبقي والاجتماعي انعكس بدوره على “المصايف”، وبتنا نجد في البعض من تلك المجتمعات ما يسمى بمصايف الفقراء في مقابل مصايف الأغنياء.

في مصر على سبيل المثال، نجد أسماء أماكن مثل “سيدي عبدالرحمن” و”المراسي” و”مارينا” و”الجونة” و”سهل حشيش”، وهي مصايف “للأغنياء فقط” ولا يقربها المواطنون من متوسطي الحال. وظلت مارينا مثلا رمزا للأغنياء والمتمتعين بالغنى الفاحش في مصر، حيث ترى فيها القصور والمنتجعات واليخوت والبحيرات الاصطناعية، كما تضم ما يسمى “لسان الوزراء” الذي استقطب رموز نظام الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك وكبار رجال الأعمال.

الفقراء نصيبهم شواطئ مهملة

ويتجاوز سعر القصر الواحد في منطقة “المراسي” مثلا مئة مليون جنيه (ما يقرب من خمسة ملايين دولار)، ومصيف “هاسييندا” نفس الشيء لذلك يحلو للمصريين أن يطلقوا عليه “المنطقة التي لا يدخلها إلا من تجاوزت ثروته المليار جنيه” (نحو 50 مليون دولار).

وتكاد هذه المنتجعات -بالنسبة إلى عموم المواطنين المصريين- تشبه المنتجعات السرية، يسمعون عنها في الإعلام ويرونها في المسلسلات التليفزيونية فقط. ولا يفكرون أبدا في الاقتراب منها، فهي عالم مغلق على رواده الذين يسافرون إليه بالطائرات الخاصة وليس بالسيارات. وعندما يرغب هؤلاء المحظوظون في الاستمتاع بالغناء والطرب في حفلاتهم يأتيهم عمرو دياب وتامر حسني وحكيم ومحمد منير وشيرين. وفي المقابل نجد مصايف الفقراء في بلطيم ورأس البر (شمال الدلتا) وسيدي بِشر والمعمورة والعجمي (شمال مصر على البحر المتوسط)، والتي تستضيف مواطنين من نوع آخر. أغلب هؤلاء من الموظفين العموميين والمدرسين وصغار الأطباء والمهندسين والمحامين، وحتى سنوات قليلة مضت كانت تلك المصايف مقتصرة على أبناء الطبقة المتوسطة، أما الآن فقد انزلقت هذه الطبقة بسرعة كبيرة إلى مصايف الطبقات الفقيرة بسبب الارتفاع الهائل في تكلفة المصيف والحياة عموما.

لا يقتصر الأمر على مصر وحدها في ما يتعلق بارتفاع تكلفة المصايف، ففي تونس يشكو الكثير من المصطافين المحليين من غلاء الأسعار أيضا، لذلك -وبعد الهجمات الإرهابية التي استهدفت فندقا سياحيا بمدينة سوسة وراح ضحيتها 38 قتيلا وخلفت 39 جريحا معظمهم من السياح الأجانب في 2015- تحاول وزارة السياحة التونسية جذب المصطافين المحليين أو السياح من الداخل قدر المستطاع في موسم الإجازات الصيفية لتعويض الخسارة الكبيرة التي يتكبدها أصحاب المنشآت السياحية جراء تراجع السياحة الأوروبية.

هيا إلى سوسة

وناهزت حاليا نسبة السياحة الداخلية (التي لم تكن تزيد على 3 بالمئة فقط من إجمالي عدد السياح في الفنادق التونسية عام 2011) نحو 80 بالمئة في عام 2017، وفق إحصائيات أعلنتها وزارة السياحة التونسية.

ولجذب المزيد من المصطافين التونسيين عمدت وزارة السياحة التونسية إلى عرض تخفيضات كبيرة للإقامة في الفنادق وصلت إلى 30 بالمئة بالإضافة إلى طرح خطط جديدة لإعادة جدولة ديون المؤسسات السياحية وتوفير قروض استثنائية جديدة لأصحاب النزل السياحية. وأدت تلك الإجراءات إلى الإبقاء على انتعاشة حركة الاصطياف الداخلية، حيث أوضحت إحصائيات الوزارة أن مدينة سوسة مازالت تشهد إقبالا كبيرا من المواطنين بنسبة تصل إلى 70 بالمئة رغم الهجمات الإرهابية، بالإضافة إلى كثافة السياحة الداخلية بمحافظة المهدية السياحية.

واللافت في الأمر أن تونس وعلى الرغم من الهجمات الإرهابية تظل المقصد المفضل للسياح الجزائريين في ظل عزوفهم عن الاصطياف الداخلي في بلدهم، فتونس تستقبل قرابة 3 ملايين سائح جزائري سنويا لأنهم يجدون في النزل السياحية التونسية خدمات سياحية أفضل وأسعارا أرخص للإقامة وخاصة في طبرقة والحمامات وسوسة.

وأوضح خبراء اقتصاديون لـ”العرب”، أن ضعف إقبال المصطافين الجزائريين على مصايف بلادهم يرجع إلى العديد من الأسباب، أهمها غلاء الأسعار بالنسبة إلى الجزائريين الذين يجدون أسعار الفنادق التونسية أرخص من نظيرتها الجزائرية، فضلا عن غياب التجهيزات والمؤهلات البشرية في ما يتعلق بالسياحة، سواء في أعداد النزل الفندقية المتوفرة للإقامة أو في خبرة العاملين بتلك النزل.

التصييف الذي كان متاحا للكثير من المواطنين العرب صار حلما صعب المنال، ولم يعد أمام الغالبية إلا الترحم على الماضي

وأضاف الخبراء أنه بالفعل توجد محاولات عديدة تقوم بها الحكومة الجزائرية من أجل تشجيع حركة الاصطياف الداخلي ولكن دائما ما تكون بشكل عشوائي وينقصها النظام والتخطيط السليم، وخاصة في ما يتعلق بتطوير الأنشطة الصحراوية والرياضية التي تمتلك الجزائر مقومات كبيرة للنهوض بها.

أما المغرب فإنها واحدة من أكثر الدول فاعلية في تشجيع حركة الاصطياف الداخلي، حيث أظهرت دراسة أجرتها وزارة السياحة المغربية في نوفمبر 2015 أن السياحة الداخلية ازدادت بين عامي 2010 و2014 من 35 إلى 45 بالمئة نتيجة للحد من مصاريف الإقامة في الوجهات الساحلية ليصل متوسط تلك المصاريف إلى 128 درهما لليوم، لأن أكبر العوائق التي كانت تمنع المواطنين المغاربة من السفر هي العوائق المالية.

وأوضحت الدراسة أن 47 بالمئة من المغاربة يسافرون إلى وجهات داخلية ويفضلون التوجه إلى الجهات الساحلية للبحر المتوسط والمحيط الأطلسي، مثل “وادي الذهب” و”تافيلات” و”مراكش – آسفي” و”طنجة” و”تطوان” و”الحسيمة”. كما بينت الدراسة أن الفئة الأكثر تنقلا هي الطلاب ثم الموظفون والتقنيون، وأخيرا المتقاعدون.

باعوها للقطاع الخاص

وما زاد الطين بلة أن أغلب مساحات الشواطئ في العديد من الدول العربية تم تأجيرها لشركات القطاع الخاص الباحثة عن الربح، وسعيا إلى ذرّ الرماد على العيون تركت الحكومة حيزا ضيقا على الشاطئ مجانيا للفقراء، يتكدس فيه المصطافون، فإذا نظرت إلى أجسادهم المتلاحمة حسبتهم أكداسا من النمل يدب بينها الشجار والزحام والاختناق.

أحد مواطني مدينة السويس المصرية (شمال شرق مصر) قال لـ”العرب” صارخا “معقول أن نكون نحن سكان هذه المدينة المطلة على قناة السويس محرومين من دخول شواطئنا بسبب الرسوم الباهظة التي فرضتها الحكومة للدخول؟”، وأوضح أن محافظة السويس طرحت الشواطئ للإيجار بالمزاد العلني. وفي المغرب، سرد شاب مغربي المصاعب التي واجهته عندما أراد هو وزميل له الاصطياف في شاطئ “رانكون” بشمال المغرب، قال “الكثير من المواطنين راحوا يدورون حيارى أين يمكنهم وضع مظلاتهم، وبين الحين والحين كانت أعناقنا تشرئب نحو تلك المساحات الشاسعة الممتدة من هوليداي حتى كابيلا”.

وأضاف “تلك منطقة تستمتع فيها أقلية محظوظة من المواطنين من الدرجة الممتازة، في حين تم تكديس غوغاء الصف الثاني في غيتوهات تُمنح خلالها أنواع الرُخص التي يمكنها تنغيص حياة هؤلاء الغوغاء دون حياء ولا حسيب أو رقيب، حيث أصبح كسب لقمة العيش مبررا لغلق كل المنافذ والمُتنفسات والتجرؤ على القوانين والمؤسسات”.

المصيف.. حلم سينمائي

هكذا صار الاصطياف، الذي كان متاحا قبل سنوات قليلة للكثير من المواطنين العرب، حلما صعب المنال، ولم يعد أمام الغالبية منهم إلا الترحم على الأيام الجميلة التي خلت عندما ينظرون إلى أفلام الأبيض والأسود وهي تنقل لهم عبدالحليم حافظ يغني لهم في فيلم “أبي فوق الشجرة” “دقوا الشماسي (المظلات) على البلاج.. دقوا الشماسي.. من الضحى حتى التماسي (المساء)، أو محمد رشدي يشدو “على الرملة (الرمل) أحباب وأخوات.. بيقولوا للموج حكايات”.

وبمناسبة الأفلام، فقد أظهرت السينما العربية قديما عشق المواطنين للمصايف ومتعتهم الكبيرة عند قضاء الوقت بين البحر والرمال، وحرص الفنانون دائما على إظهار ذلك الشغف، حيث كانت الراحلة أم كلثوم دائما ما تتخذ من “رأس البر” (شمال الدلتا) مصيفا لها تلتقي فيه مع كبار الفنانين والأدباء في مقر إقامتها الخاص هناك.

أما ليلى مراد وماجدة فكانتا تفضلان شاطئ مرسى مطروح لعذوبة بحره وجمال مناظره الطبيعية، وهل يمكن نسيان أغنية ليلى مراد العذبة “يا ساكني مطرح.. جِنيّة في بحركم ..أحب اتنين سوا.. الميّه (الماء) والهوى (الهواء)”؟ وكان فريد شوقي يحب دائما التوجه للاصطياف في “الكابينة” التي كان يمتلكها بشاطئ المعمورة في الإسكندرية.

فماذا كان فريد شوقي -رحمه الله- سيقول اليوم عندما يسمع عن أسعار شواطئ الإسكندرية وكابيناتها اليوم، والتي تعد الوجهة الأولى للمصطافين المصريين من الفقراء والطبقة الوسطى؟ هل كان يتوقع أن يصل إيجار الكابينة الواحدة في شاطئ عايدة مثلا إلى 25 ألف جنيه شهريا، وإيجار الكابينة في شاطئ كليوباترا إلى 900 جنيه في اليوم الواحد، وفي شاطئ سميراميس إلى ألف جنيه لليوم؟

12