"المصرفي".. فيلم يغوص في نسيج المجتمع الأميركي القائم على العنصرية

ثورة يقودها مصرفيان على طريقتهما من أجل المساواة والحقوق المدنية.
الخميس 2020/12/31
صراع متجذّر في التاريخ

سوف تأخذك أزمنة أميركا من أية زاوية نظرت إليها إلى نسيج اجتماعي وتاريخ طويل من الصراع من أجل المساواة والحريات المدنية، هي خلفية من حرب أهلية دائمة يحضر خلالها التمايز على أساس العرق واللون بقوة فيحدد مصائر ويرسم مسارات اجتماعية.

من هذا المنطلق سوف نغوص في الحياة الأميركية والصراع الاثني والعرقي الذي ليس إلا امتدادا لكل أشكال الصراعات التي سادت خاصة خلال حقبتي الستينات والسبعينات من القرن الماضي، وسوف نمضي في قراءتنا الجمالية والنقدية لفيلم “المصرفي” للمخرج جورج نولفي وهو يقدم هذه الدراما العميقة من قلب أزمات أميركا في الأزمنة الحديثة.

ولطالما قدمت السينما الأميركية قضية الصراع من أجل المساواة والحريات المدنية وقصص العنصرية والصراع الدامي بين البيض والسود، من وجهة نظر سياسية أو من خلال الصراع السياسي حتى تعددت مقاربات الصراعات الداخلية، ونذكر جميعا مارتن لوثر كينغ ومالكوم اكس وبول روبسون وميدغار ايفرز وجون لويس وغيرهم ممن شكلوا علامات في تلك الدراما.

من الجهة الأخرى، برز نضال من نوع آخر من أجل الحريات المدنية والمساواة، وهو الذي يقدمه هذا الفيلم الذي يضع فيه المخرج ومعه ستة من كتاب السيناريو أيديهم على قضية الاستئثار برأس المال وامتلاك العقارات على أساس عنصري صارخ، القضية المأساوية التي لا تقل أهمية عن النضال السياسي.

تحكي قصة الفيلم عن صبي من أصول أفريقية يعمل صباغا للأحذية لكنه متوقد الذهن باحث عن المال، ولهذا يحمل معه كراسة صغيرة يدون فيها أية حوارات في الشأن المالي والأرقام التي يتحدث عنها البيض، ومع ذلك لا يجد لطموحه أرضا ولكنه يفكر على الدوام في أنه ما لم يكن ثريا في ولايته فلا بد من الرحيل إلى ولاية أخرى وكسب المال فيها.

ضريبة الطموح

القصة تقدم لنا صورة مجتمع الستينات الذي تتجاوز فيه العنصرية والتمييز الصارخ بين البيض والسود كل الحدود
القصة تقدم لنا صورة مجتمع الستينات الذي تتجاوز فيه العنصرية والتمييز الصارخ بين البيض والسود كل الحدود

ها هو برنارد جاريت (الممثل أنتوني ماكي) قد كبر وسطع نجمه في سوق العقارات وجمع ثروة لا بأس بها، لكن قلقا مريرا يلاحقه وشعور بعدم الراحة يطارده بسبب مشاعر التمييز العنصري العلنية التي لم يستطع أن يتخلص من تأثيراتها.

وفي مدينة لوس أنجلس حيث تأسس الحلم سوف يتعرف برنارد على شريك جديد هو جو موريس (الممثل صامويل إل جاكسون) وبذلك ينشأ زخم درامي ملحوظ يقودنا إلى المغامرة التي لا بد منها.

واقعيا نحن أمام نوع من السيرة الذاتية، ذلك أن القصة تقدم لنا صورة عن مجتمع الستينات الذي تتجاوز فيه العنصرية والتمييز الصارخ بين البيض والسود، ولا شك أن السيرة الخاصة للبطلين الثائرين على التمييز العرقي تقودنا في واقعيتها إلى الزخم نفسه أو ما يشبهه في تلك الأفلام المتفجرة بالصراعات والدراما السياسية لكن بمعالجة وبناء درامي مختلفين.

ويقرّ جو وجاريت بأن لا سبيل للتخلص من النظرة الدونية لهما إلا بجلب شريك أبيض البشرة يكون واجهتهما أمام المجتمع المخملي، فيختارا مات شتاينر (نيكولاس هولت)، وهو شاب غر لا يفقه شيئا لا في العقارات ولا في مجال المال ولهذا يدربانه بشكل مكثف وينقلانه إلى نادي الغولف في صفوف الأثرياء بينما يضطلعان بدور السائق والحارس اللذين يرافقانه ويقدمان له النصيحة عند الضرورة.

وإذا مضينا في مسار تلك الدراما يتبيّن أنها باختصار قصة نجاح يخترق فيها الاثنان مجتمع البيض بشكل غير متوقع وتشهد عليهما جرأتهما التي أفقدت القوم صوابهم.

في موازاة ذلك يجذر الفيلم مساراته السردية من خلال الارتباط العميق بالواقع، فهنالك الصحافة والسياسيون ورجال المال المتنفذون ومن خلالهم يمكننا رسم صورة غير سارة للجنون البشري في السيطرة والاستحواذ الذي يمارسه البيض والذي يترك السود في الخلف بفارق شاسع، وهو عامل مهم لا يلبث أن يدفع الأشخاص الثلاثة إلى خوض أخطر مغامراتهم بالانتقال للاستثمار في تكساس معقل العنصرية لمصلحة البيض.

دوافع المغامرة

نسيج متماسك للمؤامرة
نسيج متماسك للمؤامرة

تبدو الخطوط الدرامية وكأنها قد اختُصرت بعنصر درامي واحد والمتمثل في دافع المغامرة المجردة مع إضعاف الأسباب والعوامل الأخرى، ويكفي أن برنارد وجو قد اكتسبا نفوذا مكنهما من الوقوف إلى جانب الرئيس جونسن والتصوير معه وبذلك اكتسبا زخما كبيرا دفعهما إلى المغامرة المميتة.

وما بين برنار المتجهم الصارم وشديد الذكاء وجو المرح والماكر وبين مات الشاب الطموح سنتوقف عند ثلاثة مسارات للشخصيات كل منها محمل بطاقة تعبيرية ملحوظة، فهذا التنويع كان سرا من أسرار النجاحات التي حققتها شخصيات استثنائية تفعل المستحيل لكي لا تتوقف عن اللحظة الحاضرة وتصارع أي عدو من أجل المصلحة.

وعودا إلى الخلفية القائمة على الاستنكار الوجداني لمأساة التمييز العنصري والعرقي، ستكون المخاطرة في الذهاب إلى تكساس، وهي الخطوة التي نهى عنها جو بسبب استئساد البيض بشكل لا يمكن اختراقه ولكن عناد برنارد وطمع مات الذي تشحنه زوجته دفعا إلى تحول جذري ونجاحات كبرى وبداية الانهيار في آن واحد عندما يستولي الثلاثة على أحد البنوك بشرائه من ثمرات الاتجار بالعقارات، وبداية إنصافهم طبقة السود بتقديم القروض الميسرة لهم لإنشاء مشاريع صغيرة تنتشلهم من الفقر.

هذه الأرضية التي تشبه العملية الخيرية ما تلبث أن تتدهور مباشرة بعد إدراك البيض أن خطبا ما يمس تركيبة المجتمع العنصرية التي تتيح تسيد البيض.

والملفت للنظر هنا ذلك النسيج المتماسك للمؤامرة التي بدأت خيوطها تتشكل في أوساط الساسة وهم يساومون برنارد وجو ويدفعانهما إلى التخلي عن حقهما ومن ثم التآمر عليهما لإحالتهما إلى المحاكم والسيطرة على ممتلكاتهما في تحولات درامية متعاقبة وجلسات استجواب شديدة الوطأة على برنارد.

ينسج الفيلم هذه المحطة الخطيرة الاستثنائية على وقع سلسلة من الحبكات الثانوية وليس أقلها تجاوز العديد من الخطوط الحمراء التي أبقت أصحاب المنازل السود محتفظين بكرامتهم ومنازلهم. هذه النظرة المبسطة إلى الصورة الكاملة تجعل الأمر يبدو وكأن غاريت وجو كانا من الرجال السود الوحيدين الذين لم يفتقروا إلى الذكاء والموارد اللازمة لمواجهة عدم المساواة في امتلاك العقارات وفي السكن وفي اختيار المكان والمنطقة، وهو ما أثار جنون البيض وعزز فيهم نزعة الانتقام بشكل مباشر.

 من الطريف أن يتحدث الفيلم عن عالم البنوك بقصد الاستثمار فيها وشرائها وليس السطو عليها، وهو تحول في الدراما السائدة وفي نظرة المشاهد، وذلك استنادا إلى أحداث ووقائع تاريخية وقعت في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، ويكفي أنها قصة حقيقية لندرك أن تتابع الأحداث بشكل موضوعي هو عنصر أساسي في نجاح الفيلم وليس القفز على الحقائق وفبركة التحولات الدرامية.

من هنا يمكننا اِلتماس لعبة الحظ والقدر التي كانت مفاتيح أساسية لقراءة الشخصيات وهي تحدث زوبعة في المجتمع الأميركي وصولا إلى محاكمات علنية هزت الرأي العام بسبب اتهام برنارد وجو دونا عن مات الأبيض وتتم محاكمتهما وحجز ممتلكاتهما في انتقال درامي شديد البراعة والتأثير.

ولا تخلو القصة من بساطة في البناء والتطور، ومن منطلق أن الأعمال العقارية هي الذراع اليمنى للأعمال المصرفية سيسعى البطلان إلى المغامرة وتحمل تبعاتها إلى النهاية، وكان المجتمع شديد القسوة في التصدي لمثل هذين الطموحين لتحطيمهما بشتى الوسائل، فتجتمع الصحافة والرأي العام ضدهما بعد أن قلبا موازين لطالما كان تحقيقها من المستحيلات وتعجز عنه حتى المظاهرات والصدامات مع السلطات.

هي في الواقع دراما الشخصيات الناجحة ذات الطموح الكبير والخيال الواسع وهي رحلة شاقة أخرى في عالم الحريات المدنية والدفاع عنها ولكن بأسلوب جديد وفي إطار تدرج منطقي مقنع في مسار الأحداث وغزارة في التفاصيل وفي رسم الشخصيات تمنح الفيلم حظا كبيرا من النجاح.

أما إذا انتقلنا إلى الإدارة الفنية فإن البراعة والتمكن من الإلمام بدقائق تلك الحقبة كانا علامة مميزة تحسب للمخرج وفريقه مثل مديرة التصوير البارعة الدنماركية شارلوت كرستينسن التي يتوج هذا الفيلم أفلاما أخرى عديدة قامت بإدارة تصويرها، حيث لم تهدأ الكاميرا وظلت توظف الزوايا وأماكن التصوير والإضاءة بما يتناسب مع أجواء تلك الحقبة، ولاسيما أن تعدد الأماكن وغزارتها كانا عبئا إضافيا على إدارة التصوير التي لاقت صعوبات في إيجاد حلول جمالية للمشاهد الكثيفة والمتعددة.

وإذا عدنا إلى المكان نلاحظ البعد النفسي في التعامل مع هذا العنصر المهم لاسيما إثر رفض برنارد المبكر العيش في بيت صغير وطموحه المسرف هو وزوجته وابنه للعيش بما يليق بهم بل قل بما يستقيم مع المغامرة ومساراتها، لننتقل بعد ذلك إلى الحياة الأرستقراطية التي حفلت بتفاصيل مكانية من الصعب حصرها والتوقف عند الكثير من المشاهد التي تم بناؤها مكانيا ببراعة تامة لمواكبة تحولات الشخصيات وهي تخوض المغامرة إلى النهاية.

16