المصرية ابتهال الشايب ومجموعة قصصية أولى تكسر نمطية السرد

الجمعة 2014/04/25
الشايب ترسم الحالات التي يعيشها أبطالها بعناية فائقة

القاهرة - ليس ثمّة شك في أنّ فنّ القصّة القصيرة بدأ يستعيد نضارته وحيويته، التي غابت لرهان الكُتَّاب على فنِّ الرِّوَايّة، وقد جاءت الاستعادة على يد جيلٍ جديدٍ مِن الكُتَّاب كان ولاؤهم الشَّديد للقَّصِّ أولاً وقبل كل شيء، والأسماء كثيرة رغم أن بعضهم يميل/ تميل إلى المراوحة إلى الرواية. ومجموعة القاصّة ابتهال الشّايب الصّادرة عن دار النسيم بعنوان «نصف حالة» تؤكِّد هذا الرّهان.

تقدِّم لنا ابتهال الشايب فنًا قصصيًا خالصًا عبر نماذج إنسانيّة معتمدة على الجانب النَّفسي للشَّخصيات، ووضع شخصياتها في مواقف صعبة تبرز هذا التناقض الداخلي، الغريب أن جميع شخصياتها ينجحون بامتياز في مآزقهم الاجتماعية التي تتخطى النَّسق القيمي الفاعل، بالانتصار للذَّات دون إكراهات على نحو ما نرى في قصة «نصف حالة»، وبطلها الذي يعيش عالمه الخاص حيث الأنوثة التي تتملكه كل مساء لدرجة مضاجعة البنطلون، وبالمثل شخصيّة الرّاقصة في قصة «صدى» فمع تخفيها في نقاب، لكي تكتسب احترام الآخرين، إلا أنها لا ترى في نفسها إلا هذه الراقصة، دون مبالاة للأثر النفسي الذي تركته هذه المهنة في نفسية ابنتها. فولاؤها لنداءات الجسد الداخلية تدفعها إلى أن تُلَبِّي رغبتها، إذ أنها تَعْلَمُ النتيجة «ستسقطين إذا توقفت عن الرقص».

فداحة الواقع

عنوان المجموعة يكاد يكون وصفًا دقيقًا ليس فقط للعالم الذي تدور حولها ككل، بل كتوصيف دقيق لحالتنا التي نعيشها وإنْ كانت أمام المرآة أو حتى في لحظات صدقها. في الواقع أبطال نصوصها القصصيَّة يعيشون بين الحياة والموت، وهو ما يجعل الحياة بادية في نصفها وليس في اكتمالها ترسم الكاتبة الحالات التي يعيشها أبطالها بعناية فائقة رابطة بين البعدين النّفسي والواقعي للشخصيات، وهو ما يكشف عن تحولاتها دون رطانة زائدة أو فلسفة مقحمة، ويكشف أيضا عن فداحة الواقع، وزيف صورتنا التي نعيش بها أمام الناس أو حتى التي نريد أن يرانا عليها الآخرون (قصة صدى وقصة نصف حالة). وهو ما يجعل عوالم القصص تميل إلى التعدّد ما بين عوالم واقعيّة وأخرى فنطاستيكية، وفي بعض منها تمزج بينهما مزيجا فريدا قلّما يتكرّر، كما تميل القصص إلى أنسنة الأشياء فتمنح البحر صفة الناصح، والقلم المتحدّث، والقطة صفة الاندهاش، والفيروس إلى شخص يحكي رحلته في اختراق الجسد.

أبطال نصوص الكاتبة يعيشون بين الحياة والموت، وهو ما يجعل الحياة بادية في نصفها وليس في اكتمالها


كتابة الصدمة

تميل قصص المجموعة البالغة حوالي ثلاث عشرة قصة إلى القِصر، وفي بعضها إلى القِصر الشَّديد، وكأنها تنتصرُ لمفهوم القصّة مثلما تنتصر لمفهوم الخيال الذي غابَ في مجمل إبداعتنا حيث غدت الأعمال تنويعة واحدة لسيرة الجسد المقهور بفعل عوامل كثيرة (وكأنَّ ما قهرها تريد أن تخرجه علينا). كما يسيطر العالم الغرائبي أو السريالي إن شئنا الدقة، على النُّصوص كما هو واضح في قصص (احتضار محتمل، وقوس، وخيط، والأخرى) حيث تتبدَّل الحياة ويصير كلُّ شيءٍ على عكسه.

حالة الغرائبية التي وضعت فيها الكاتبة أبطالها تأتي كنوع من التمرُّد على النمطيّة التي يعيشونها، ومن ثمّ أرادت أن تكسر حدتها بهذا الجوّ الفانتازي، وكأنّها تحريض إلا أنَّه محمود لعدم الاستسلام للواقع والتمرّد عليه. وقد تأتي الغرائبية كرسالة تريد أن توصلها الكاتبة للمتلقي بأن قبول المنطق الشاذ والتسليم به يجهز على الإنسان حتى ولو ادّعى كذبا التآلف معه. وهو المنطق العجيب والمبرِّر لكلِّ كذبة في حياتنا. وهو ما عبَّرت عنه بحرفية شديدة في قصة «الأخرى» وانتهت فيها إلى استحالة أن تحتل اليد اليسرى بعد عملية التبديل «مكانة اليمنى في شيء». ثمة نصوص تسعى إلى كسر نمطية الواقع بإحداث الصدمة كما هو واضح في حديثها عن الشخصية المخنثة أو الراقصة التي تتخفى بالبرقع، أو البطل المُنْتَحِر الذي ضجر مِن مَرَضِه.


مواجهة الذات


تتميَّز مجموعة النُّصوص بجدية الأفكار التي تطرحها الكاتبة وأصالتها وإن كانت تناقشها بسلاسة وعفوية، كأن تتحدث عن الشعور المخيف بفقد الموبايل حيث اُخْتُصِرَتْ الحياة في هذا الجهاز اللعين كما هو واضح في قصة «صدأ»، أو تطرح المعاناة الإنسانية والشعور بالشفقة إزاء خلوّ الإنسان من الركبة، وهو الإحساس الذي يساوي بين الإنسان وقطعة الأثاث التي تُحْمَل كما هو في قصة «بندول السَّاعة»، أو القلم الذي يضجر بحاله كما في القصَّة الأخيرة «صدى»، والفيروس الذي يتغلغل في الجسد كما في قصة «انكماش»، حيث تحكي قصة فيروس منذ لحظة اقتحامه للجسد، عبر رذاذة حملته إلى داخله وتكاثره داخل الجسد، وصولا إلى اقتحامه المناطق التي لا يشعر بوجوده فيها داخل الجسد.

وهي القصة التي تعكس ضعف الإنسان إزاء ما يواجهه، وأبسطها هذا الفيروس الذي سيطر على جسده، أو من قبيل صراع الإنسان المثالي مع منظومة الفساد كما هو في قصة «سخرية»، حيث الطبيب المريض بهاجس النظافة والتلوُّث وخوفه منه، لدرجة أنه يرتدي القفازات لحماية نفسه من الأمراض، يبدأ مهمته في محاربة التلوث بدءا من تنظيف ماء النيل، إلى قطع أسلاك السيارات حتى لا تنشر العوادم، ينتهي الحال به إلى السجن، يصرخ: أين أدوات التعقيم في محاولة منه للتنظيف؟، ينتهي به الحال «في غرفة منعزلة لإحدى مستشفيات الأمراض العصبية»، القصّة بأبعادها ترمز إلى صراع ضدّ الفساد الذي هو أشبه بمحاربة طواحين الهواء في صورة التلوث، ورغم النهاية التي تدعو إلى الإحباط حيث مآل كل مَن يقاوم القبح والفساد أو ما يخالف نواميس الكون يكون مصيره هكذا، إلا أنها مع الأسف هي الحقيقة في أبسط صورها، قديما كان فقط يحارب طواحين الهواء، أما الآن فينتهي به الحال إلى السجن ومنه إلى «غرفة منعزلة لإحدى مستشفى الأمراض العصبية»

المجموعة بعوالمها المختلفة والمتعدّدة رغم أنها الأولى للكاتبة، ومع أخطاء البدايات التي لا تغدو أكثر من عدم التوفيق في اختيار بعض الألفاظ المناسبة أو ركاكة الصياغة وضعفها إزاء الموقف الذي تعبّر عنه، إلا أنه في العموم فهذه الملاحظات لا تُقلّل من قيمتها، بل تنبئ بوعي كاتبتها بالكتابة، وتقنياتها حيث المزاوجة بين الغنائية والدراميّة وفي بعض منها نزوع إلى الميلودراما العنيفة، أو في توظيفها للديالوج الداخلي لتكشف به عن أبعاد الذات في مواجهة ذاتها (قرينها) كما في قصة «صدى»، وكذلك التنويع في استخدام الضمائر لإظهار هشاشة النفس البشرية في مواجهة ذاتها، علاوة على التداخل بين الأصوات داخل القصة الواحدة، وهو ما أكسب النُّصوص مع قصرها تعدُّدًا في الرؤى.

14