المصرية عفت بركات: الإبداع فعل طفولي لا يخضغ لإطار

التعامل مع الأطفال بوصفهم صغارا لا يستطيعون الفهم أمر خاطئ فهم قادرون على ما هو أكثر من توقعاتنا.
الثلاثاء 2021/04/06
اللقاءات المباشرة هي الأهم بالنسبة إلى الأطفال

الكتابة للأطفال ليست بالأمر السهل كما يعتقد الكثيرون، فهي عملية يتداخل فيها الإبداع واللغة والخيال والجوانب التربوية والتعليمية والتثقيفية وحتى الأخلاقية. في إطلالة على عوالم الكتابة للطفل التقت “العرب” في هذا الحوار مع الشاعرة والكاتبة المصرية عفت بركات حول طفولة الحرف في كتابتها وملامح تجربتها الثرية وقضايا الإبداع للصغار.

عفت بركات شاعرة وكاتبة أطفال مصرية، غزيرة الإنتاج، رصينة التحقق. وإلى جانب إصداراتها الأدبية المتنوعة وأحدثها ديوان “كما يليق بملكة”، تمارس الإخراج المسرحي، وتجوب الآفاق لتعقد ورشًا تفاعلية وصالونات تدريبية لتنمية مهارات الأطفال وصقل مواهبهم في الحكي والتأليف والتمثيل والتخييل.

تعترف بركات بأن تجربتها في الكتابة ليست هينة، فالإبداع فعل طفولي عزيز المنال، والتقاطع بين طفولية الكتابة الشعرية وكتابة قصيدة النثر أمر شائك ودقيق، والمبدع صيّاد لؤلؤ وجمرات، لا هدف له سوى التوهج الجمالي والاشتعال.

الموسيقى الداخلية

شعر النثر للأطفال لم تتقبله الذائقة العربية بعد
شعر النثر للأطفال لم تتقبله الذائقة العربية

تؤكد الكاتبة في حوارها مع “العرب” أن الصعوبة في الكتابة للطفل تنبع من اختبارات عديدة كان عليها الإلمام بها أولًا قبل خوض التجربة، كصعوبة احتواء الفئة العمرية التي تخاطبها في محاولة للوصول إلى عقلها وروحها في آن واحد، فالطفل لم يعد يقبل التلقين، ويعزف عن استقبال المعلومات بهذه الطريقة، والإبداع يهتم بالقيم التي نسعى لغرها.

لا تكفي المعرفة النظرية بأصول التربية وبعلم نفس الطفل وبمراحل وعيه الجمالي وبإشكالات نوعية لفئات من الأطفال إذا لم تترافق مع هذه المعارف خبرات التعاطي الميداني المباشر مع الطفل.

لذا فمن الضروري أن يعي الكاتب في تقديمه عملًا إبداعيًّا للطفل خطورة المرحلة التي يكتب إليها، وألا تخلو الكتابة من الاعتبارات التربوية أو تتناقض معها، وهذا يتأتى بالحفاظ على شقاوة الطفل وشغفه وعدم الاستخفاف بذكاء الطفل واختيار موضوعات مناسبة للفئة التي يخاطبها.

ترى بركات أن الكتابة الشعرية بشكلها القديم لم تعد تليق بأطفالنا في ظل الزخم التكنولوجي، وشعر النثر للأطفال لم تتقبله الذائقة العربية بعد. وتوضح قائلة “لكوني بدأت كتابة الشعر بقصيدة التفعيلية منذ طفولتي، كان سهلًا أن أتعامل مع الإيقاعات الوزنية المناسبة لمرحلتي الطفولة المبكرة والمتوسطة التي قدمتها في مجموعاتي الشعرية للطفل، إلى جانب إصداراتي السردية الأخرى في القصة والمسرح”.

الإبداع فعل طفولي عزيز المنال
الإبداع فعل طفولي عزيز المنال

في كتابتها قصيدة النثر التي استقطبتها منذ ديوانها الثالث “تفاصيل العبث”، تحررت تعبيريًّا من الإيقاعات الظاهرية لتحافظ على موسيقاها الداخلية التي لم تتجرد منها لقناعتها بأن الموسيقى هي صدى إيقاعاتنا النفسية، التي لا يجب أن تخلو منها قصيدة النثر، وتقول “الزحام: أن تبحث في صدور العشيقات عن سرّ لا تدركه سوى جنّيّة تتمرغ في صمتها”.

وقدّمت الشاعرة مجموعة من الدواوين المنفتحة على البكارة والجنون منها “تفاصيل العبث”، “أوطان تشبهني”، “نقشٌ له في ذاكرتي” و“أهيّئ الروح لعاصفة”، وبتلقائية خاطبت الأطفال بحميمية وبراءة في كتبها “مصوّر الغابة”، “رحلة حذاء”، “ماذا أكون؟” و”لستُ سمكة” وغيرها.

لم تعد الكتابة السابقة للنصوص المقدمة للطفل شعرًا أوسردًا صالحة للأطفال في مصر والعالم العربي، حيث اختلف النمط التقليدي للطرح وأصبحت الصورة أكثر تأثيرًا، فالاعتماد الأكبر الآن على استخدام الطفل حواسه في التعلم من خلال وسيط سمعي وبصري توفره الوسائط التكنولوجية المتعددة، وإن ظلت الكلمة في المقام الأول.

التقاطع بين طفولية الكتابة الشعرية وكتابة قصيدة النثر أمر شائك
التقاطع بين طفولية الكتابة الشعرية وكتابة قصيدة النثر أمر شائك 

النشر الرقمي

تشير الكاتبة المصرية إلى أن النشر الرقمي يصل أسرع بطبيعة الحال إلى الطفل عبر أشكال الميديا المختلفة، لكن الأزمة في أنه ليس كل ما يقدم للطفل من خلال النشر الإلكتروني يناسب ثقافتنا ويسهم في تربية سليمة وصناعة أطفال أسوياء لغياب الرقابة بالتأكيد.

لكن الأخطر على مستقبل الكتابة الإبداعية للطفل، في رأيها، أنها صارت بغير ضوابط، فكثيرون يجربون بغير وعي ظنًّا منهم أنها مجال يسير.

وتشير بركات لـ”العرب” إلى أنه ليس كل ما يقدم لأطفالنا صالح، بخاصة أن بعض دور النشر التي دخلت هذا المجال يشغلها الجانب الربحي فقط، وبعضها غير أمين في اختيار ما يقدم، فقد تجري مجاملة هذا أو ذاك على حساب عقل الطفل، إلى جانب أن بعض المجلات والمنابر تسير حسب رؤية هيكل التحرير الخاص بها، ولا تخلو من المجاملات أيضًا.

لا تكتفي الكاتبة بمخاطبة الأطفال عبر مؤلفاتها المنشورة ورقيًّا وفي فضاء المواقع الإلكترونية، لكنها أقامت العديد من الورش الحية والصالونات الإبداعية في القاهرة والإسكندرية والفيوم والمحافظات المصرية المختلفة من أجل التفاعل المباشر مع الأطفال، وتنمية مهاراتهم في السرد والتأليف والتمثيل وغيرها من الألوان الإبداعية.

من الضروري ألا تخلو الكتابة من الاعتبارات التربوية
من الضروري ألا تخلو الكتابة من الاعتبارات التربوية 

بدأت بركات التفاعل مع الأطفال مع ممارستها مهنة التدريس، ونشأ التعامل بينها وبينهم من خلال نظرتها للكتاب المدرسي كمحاولة منها لحل مشكلات صعوبة التعلم للكثير من الأطفال، حيث عملت على تحويل بعض القواعد إلى أشعار، والبعض إلى نصوص مسرحية لخبرتها بالتمثيل والإخراج التي استثمرتها بنجاح.

وتوضح الكاتبة المصرية لـ”العرب”، “من هنا وجدت ذاتي أمتزج بالأطفال في عالم واحد. وقبل أن تطبق الهيئة العامة لقصور الثقافة ورش الحكي في معارض الكتاب بسنوات عديدة، مارستُها داخل المدارس التي عملت بها، حيث قمت بإعداد ورش لتدريب عدد أكبر من الأطفال، وهي ورش مقترنة بفنون المسرح مستفيدة من عملي كمخرجة لتدريبهم على فنون التمثيل والحكي والتأليف”. وتضيف أن “كل الورش تصب في التنقيب عن الموهبة لدى الطفل، وولدت فكرة الورش في بداية الأمر عندما وجدت تقصيرًا في منظومة التعليم، فعدم تفعيل الأنشطة في المدارس يتنافي مع رغبتنا في صناعة طفل مبدع ينتمي لمجتمعه، قادر على التمسك بقيمه، حريص على بناء وطنه”.

وطبقت بركات “ورش التخيل” من ابتكارها، وعملت على تفعيلها في أمكنة ومناطق مختلفة، كما أنها تعمل على توثيقها من خلال كتابها الجديد “صناعة الطفل المبدع” وتحلم بتطبيقها في كل المدارس بالوطن العربي.

العصف الذهني

كاتب أدب الأطفال لا بد أن يكون على احتكاك مباشر بالأطفال دائما
كاتب أدب الأطفال لا بد أن يكون على احتكاك مباشر بالأطفال دائما

تلفت بركات في حوارها مع “العرب” إلى أن اللقاءات المباشرة هي التي عليها الدور الأكبر للإسهام في تطوير سبل مخاطبة طفل القرن الحادي والعشرين الذكي، الذي لم يعد مقبلًا على حواديت ما قبل النوم، فهذه اللقاءات بين الكاتب والأطفال أكثر إيجابية للطرفين، إذ تثري روح الكاتب الجيد الذي لا بد أن يكون على تواصل مع روح الطفل وعقله، ويستلهم منه، ويعرف رأي الطفل في ما يقدم إليه من كتابات.

وتجيب تلك اللقاءات عن الكثير من استفسارات الأطفال وتنشط أذهانهم وتكسبهم مهارات وخبرات عديدة تعيد تشكيل شخصياتهم، فكاتب أدب الأطفال لا بد أن يكون على احتكاك مباشر بالأطفال دائمًا.

على الكاتب الذي يقدم عملًا إبداعيًّا للطفل أن يعي خطورة المرحلة التي يكتب إليها ويهتم بالاعتبارات التربوية

وترى أن الأطفال يحتاجون منا التقرب إليهم بمحبة وسعة صدر أولًا، وأن ننقب في عقولهم وأرواحهم، وأن نبتعد عن الأشكال الثابتة في التعامل معهم، وأن نمارس العصف الذهني لأرواحهم، وليس لعقولهم فقط، وأن نمزجهم بخبرات وتفاصيل حياتية مختلفة.

وتحذر من التعامل مع الأطفال بوصفهم صغارًا لا يستطيعون الفهم، فهم قادرون على ما هو أكثر من توقعاتنا، قائلة “علينا أن نكف عن التفكير بشكل نمطي، ونتحرر من القوالب المتكررة والأطر المألوفة في الكتابة الشعرية والسردية المقدمة للصغار، شأنها شأن الكتابة الإبداعية للكبار، فلا فرق بين هذا الجمهور وذاك”.

15