المصرية علياء الجريدي تنسج بالخيوط والإبر رحلة الإنسان في الكون

الجريدي تجمع في لوحاتها، بين التشخيص والتجريد، مستعيرة أشكال المخطوطات القديمة مع الاعتماد على أسلوب الترصيص في ظل الغياب التام لمركز اللوحة عن عمد.
السبت 2021/09/25
لوحات حداثية بخامات تقليدية

القاهرة – يفتتح الأحد غاليري مصر بالقاهرة موسمه الفني الجديد بمعرض فردي للفنانة المصرية علياء الجريدي تحت عنوان “الرحلة” والذي يستمر عرضه حتى العاشر من أكتوبر القادم.

وعن المعرض والفنانة قال محمد طلعت مدير الغاليري “تُعدّ علياء الجريدي إحدى أيقونات الفن النسوي محليا وعربيا، بل وحتى عالميا، وهو ما يُعطي الحدث أهمية وطابعا خاصا”.

والفن النسوي شكل من أشكال فنون ما بعد الحداثة ظهر كجزء من حركة تحرير المرأة أواخر ستينات القرن الماضي لتسليط الضوء على الاختلافات الاجتماعية والسياسية التي تواجهها المرأة في حياتها، وتتراوح الوسائل المستخدمة في الفن النسوي بين الفن التقليدي، ووسائل غير تقليدية مثل فن الأدا والفيديو، وفن النسيج، وهو يُمثّل قوّة دافعة مبتكرة نحو توسيع نطاق تعريف الفن من خلال إشراك وسائل جديدة، تتحدّى الحدود وتجمع بين التخصّصات والخبرة الذاتية.

غاليري مصر يستهل موسمه الفني الجديد بمعرض تستعرض فيه علياء الجريدي علاقة الإنسان بالمكان والزمان

وتقول الفنانة عن معرضها “الرحلة، حيث أن فكرة السفر عبر الزمن والتعرّف على عوالم الماضي والمستقبل المختلفة فكرة تراودني منذ الطفولة، هو فضول كي أتعرّف على بشر وكائنات وعوالم، لقد أعطاني الفن فرصة السفر بخيالي لتجسيد البعض منها ممّا أشبع بعضا من تساؤلاتي”.

وتُحاول الفنانة المصرية عبر معرض “الرحلة” أن تقدّم في كل عمل أنجزته مشهدا من مشاهد ما أسمته “رحلة آلتي الزمنية”، تستعرض بها ومن خلالها علاقة الإنسان بالمكان والزمان، واحتياجه لمراجعة هذه العلاقة ومساراتها.

وتوضّح “على مدار مراحل تاريخي الفني قمت باستخدام تقنيات مختلفة، وفي هذه المرحلة وجدت أن استخدام القماش والإبر والخيط هي مغامرة جديدة للتشكيل بخامات تقليدية مفاهيم حداثية مُعاصرة، عنوان وفكرة المعرض مستوحان من

رواية ‘آلة الزمن’ للكاتب هيربرت جورج ويلز، وفي الرحلة قرّرت تبني منطق الطبيعة في تصوير كل مشهد، فالطبيعة في النهاية صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة، والطبيعة كانت ولا تزال معلمتي الأولى”.

و”آلة الزمن” المستوحى منها معرض الجريدي هي أول رواية خيالية للكاتب هربرت جورج ويلز صدرت في العام 1895، وتتحدّث عن عالم انتقل عبر الزمن إلى المستقبل البعيد، فوجد كيف أن مستقبل البشرية مظلم، حيث أنه من خلال المسافة الطبقية بين الأغنياء والفقراء، سيظهر جنسان من البشر، وكل جنس هو أحفاد لمن سبقوه، فأحفاد الأغنياء سيكونون جنسا غبيا ضعيفا يسمى “الأيلو” وذلك بسبب تطوّرهم عبر الزمن، فما الحاجة إلى القوة أو الذكاء بالنسبة إليهم أو لآبائهم أو لأجدادهم، حيث أنهم كانوا منعمين.

أما أحفاد الفقراء فسيتحوّلون إلى جنس همجي أو حيوانات لا تمت إلى البشر بصلة يسمّون “المورولوك”، فهم يسكنون تحت الأرض ويعملون ويكدّون دائما كما كان يحيى آباؤهم وأجدادهم ولكنهم يزيدون عنهم في أنهم تكيّفوا وتطوّروا مع هذا الوضع المزري، ولكن هناك شيء قد يُعيد إلى الجنس المتدني الحيواني هذا بعض كرامتهِ وهو استغلال ضعف الجنس الآخر “الأيلو” وجعلهم الغذاء، حيث يدعونهم يأكلون ويشربون وينعمون إلى أن يأتي الدور على أحدهم فيخطفهُ المورولوك ويأكلونه.

Thumbnail

وتجمع الجريدي في لوحاتها، عامة، بين التشخيص والتجريد، مستعيرة أشكال المخطوطات القديمة مع الاعتماد على أسلوب الترصيص في ظل الغياب التام لمركز اللوحة عن عمد، فلا تُعلي شيئا فوق شيء داخل اللوحة ولا أبعادا محدّدة لنقاط تمركزها، كما تمزج الفنانة بين الواقع والخيال في أعمالها التي تستخدم فيها الرموز من عالم الحيوان، وكأنها تشير إلى البراءة والمثالية والرغبة في تصحيح الواقع الذي تودّ إبرازه من خلال مرجعيتها في الحياة اليومية.

وعلى مستوى التقنية تذكّر لوحات الفنانة المصرية، وإن اختلفت أدواتها وخاماتها، بأعمال الفنان الإسباني خوان ميرو، ويبرز هذا التأثّر في لا وعي الفنانة عبر حركة الخيوط الحمراء

والزرقاء والرمادية في تنوّع لوني يصعب تنفيذه. تقنية تتطلب صبرا وبراعة وإحساسا أنثويا واعيا، أساسه: متى ترسم خطوطا ومتى تكتفي بكتلة تحيط بالكل، ومتى تطرّز ومتى تمسك بالفرشاة؟

كما ترسم أحيانا كائنات خرافية من نسج خيالها تجعلها عادة بطلا لأعمالها، ثم تتخلى عنها مكتفية بالخامة وسحرها، وهي في ذلك تستلهم الرموز والعناصر التراثية، خصوصا في ما يتعلّق بصورة المرأة في الثقافة الشعبية، وما يتصل بعالم الحيوانات والطيور، وما ينتمي إلى سحر البحر  المتوسط من أمواج ورمال وصخور وكائنات بحرية، وتتجلى في أعمالها نزعة إلى البراءة وإعادة صياغة الواقع من خلال قراءة التاريخ بعيون لاقطة ناقدة.

وهي في مزجها بين عالمي الإنسان والحيوان ترى أن “هناك الكثير من التداخلات بين هذين العالمين بالفعل، ففي حين يحتفظ الحيوان بمشاعر النبل أحيانا يمعن بعض البشر في توحشهم، فالمساحة بين البشر والحيوان هي مساحة رمادية”.

وتتنوّع أعمال الجريدي بين التركيب في الفراغ والفيديو والرسم والمجوهرات، مُحاولة من خلالها جميعا فتح مساحة لإعادة التفكير في المسلمات التي تخلق شكل العلاقات المعاصرة بين البشر.

Thumbnail
14