المصريون بين الفلول والإخوان

الاثنين 2013/09/09

المتابع للشأن المصري عن قرب سيلفت انتباهه للوهلة الأولى وجود معركة سياسية محتدمة بين أتباع نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك، ومؤيدي نظام الرئيس السابق محمد مرسي، كانت حتى وقت قريب ملامح المعركة خافتة، لكن سرعان ما بدأت تتخذ وجها صارخا، ظهرت معالمه في الخطاب السياسي والإعلامي الذي يروجه كل طرف.

فأنصار مبارك، أو من يعرفون بـ«فلول الحزب الوطني المنحل» يرون أن ثورة 30 يونيو- حزيران الماضي هي الثورة الأم، وأن ثورة 25 يناير- كانون الثاني 2011 هي بمثابة مؤامرة حاكتها الولايات المتحدة بالتنسيق مع جماعة الإخوان، بينما يعتقد مؤيدو مرسي أن العكس هو الصحيح، أي 30 يونيو- حزيران «انقلاب عسكري»، أو مؤامرة قام بها «الفلول» وحظيت بدعم المؤسسة العسكرية، وأن 25 يناير- كانون الثاني هي ثورة فعلا، حيث انتفض ملايين المصريين ضد نظام مبارك.

بين هاتين الرؤيتين تجري مياه سياسية عكرة، ضحيتها ملايين المواطنين الذين يعتقدون أن ثورة يونيو- حزيران، المكمّل الطبيعي لثورة يناير- كانون الثاني، حيث أفضت الثانية إلى التخلص من فاشية الإخوان، وقادت الأولى إلى إنهاء فساد عصر مبارك، لكن لأن كل فريق لديه حسابات تحكم توجهاته وتصوراته، يأبى التسليم بالرؤية الثالثة، التي تعيد الاعتبار للثورتين، ومن وجهة نظر غالبية السياسيين والإعلاميين الذين بزغوا وراجت بضاعتهم في عهد مبارك، من الضروري طرق الحديد وهو ساخن، والعمل على أن يترسخ في أذهان الناس اعتقاد يقول أن ثورة يونيو- حزيران هي الأساس، حيث أبعدت الإخوان من المشهد، ومرجح أن تكون قضت على مستقبلهم السياسي لفترة طويلة من الزمن.

استراتيجية هذا الفريق تعتمد على ثلاثة محاور رئيسية: الأول يقوم على الظهور المكثف في وسائل الإعلام المختلفة، وقد رأينا عودة عدد من الرموز الذين لمعوا في عصر مبارك، إلى الكتابة في بعض الصحف، وبدؤوا يطلون بوجوههم في فضائيات مختلفة، وقد استفادوا من تبعية بعض وسائل الإعلام لأنصار مبارك، أو التعاطف معه نكاية في الإخوان، ولأسباب سياسية أخرى. والمحور الثاني اللجوء إلى نحت مصطلحات جديدة، من قبيل أن يناير- كانون الثاني، «مؤامرة»، «أحداث»، «انتفاضة» وما إلى ذلك من كلمات فضفاضة، فمن المهم أن يتم عدم الصاق كلمة «ثورة» بها، والتركيز على أن الإخوان قفزوا عليها وقطفوا ثمار لم يتعبوا في زرع بذورها.

والمحور الثالث ينطلق من زاويتين، إحداهما تخوين ما يعرف بـ»الميدان أو الطرف الثالث» وهم مجموعة من الشباب أعلنت رفض حكم الإخوان وما يوصف بـ»حكم العسكر»، انطلاقا مما يتم ترويجه حول تلقي أشياع هذا الفريق لمعونات خارجية لهدم الدولة المصرية، والزاوية الأخرى، تقوم على تنحية التيار الذي كفر بنظام مبارك وأتباعه ونظام مرسي والمحسوبين عليه، وهو تيار مع بناء دولة وطنية جديدة، تراعي الثوابت المصرية وتتخلص من جميع الرواسب السياسية التي قادت إلى تخلف البلد لعقود طويلة.

استراتيجية مؤيدي مرسي ومن يدور في فلكهم، لا تعتمد فقط على مزاعم اتهام الفلول بالوقوف خلف ثورة يونيو- حزيران، وأن ما جرى «انقلاب» بامتياز، بل أيضا على خطاب إعلامي يبتعد عن الحقيقة، ويختلق معارك سياسية وهمية، ويلجأ كثيرا إلى «الفبركة» والتزييف في الأعداد التي تخرج إلى الشوارع بالمئات أو في أحسن الأحوال لا تزيد عن بضعة آلاف، ثم يصورها على أنها ملايين حاشدة، وفي ظل تراجع القدرة على الحشد وفقر الفكر في التعامل بشكل سياسي واع، ضاعفوا من محاولات إرباك الدولة وهدم مؤسساتها، وتعطيل مصالح المواطنين، من خلال افتعال مشكلات اقتصادية واجتماعية، وكلها فشلت في تحقيق الأهداف المرجوة، وأخفقت في استعادة ولو جزء بسيط من بريقهم السياسي السابق، وقد حدث العكس، حيث استثمر «الفلول» هذه التصرفات واتخذوها دليلا على إرهاب الجماعة، وتآمرها على الشعب المصري برمته.

الواقع أن هناك مساحة من الفراغ، يحاول كل طرف توظيفها لصالحه، وبالطريقة التي يرى أنها تحقق أغراضه، وفي تقديري أن السلطات الرسمية، السياسية والعسكرية، تبدو متعمدة ترك المساحة المفترضة فارغة، وعدم اللجوء إلى كفاءات وطنية لتملأها، للحفاظ على الكفاءات الكامنة الآن، والاستفادة منها في المرحلة المقبلة، التي حتما سوف تحتاج إلى وجوه وطنية لا غبار عليها، أي غير متورطة في أي فساد سياسي أو اعلامي أو حتى اقتصادي، وقادرة على تقديم حلول إبداعية لكثير من المشكلات، ولديها حضور يتواءم مع طبيعة المرحلة الجديدة، التي عليها محو أخطاء وخطايا المرحلتين السابقتين (الفلول والإخوان)، كما أن السلطات المصرية لم تكبح جماح أنصار مبارك، وربما منحتهم ضوءا أخضر للهجوم، ولو من خلال الصمت على سلوكهم العدواني، والذي وصل إلى حد الاستفزاز لمشاعر قطاع كبير من المواطنين، الذين تسرب لديهم شعور أن ثورة يونيو- حزيران التصحيحية على وشك اختطافها من قبل الفلول.

الحاصل أن قواعد اللعبة السياسية لا تزال تحت سيطرة السلطات الرسمية، التي ترفض اختطاف الفلول لهذه الثورة، وتقف بقوة ضد منح الإخوان مساحة للقيام بدور سياسي، بعد ارتكابهم انتهاكات وحماقات بالجملة، وتفسير ما يدور في العلن ومن وراء الكواليس، لا يخرج عن كونه محاولة لأن يجهز الطرفان (الفلول والإخوان) على بعضهما في هذه المرحلة التي يتم فيها ترتيب كثير من الأوراق على أسس جديدة، وإذا كان الإخوان وأنصارهم أصابهم نوع شديد من الإحباط سيؤدي تلقائيا وبمرور الوقت إلى انزوائهم، فإن عدم سد المنافذ على مناوئيهم من الفلول، هدفه الاستفادة من إمكانياتهم في مكايدة الإخوان، وتطمينهم حتى لا يقدموا على تصرفات تساعد في تعميق الشروخ السياسية الراهنة، وقطع الطريق على أي احتمال يدغدغ مشاعرهم للاستفادة من الانتخابات البرلمانية المقبلة، ليكونوا رقما في المعادلة القادمة، ولو بالتنسيق والتعاون مع جماعة الإخوان، وقد يرى البعض صعوبة هذا الخيار، لكن في لعبة السياسة القذرة قد يكون كل شيء مباحا.

_____________


* كاتب صحفي من مصر

9