المصريون لا يثقون في إعلامهم ويستقون معلوماتهم من المصادر العربية

ارتباط الفضائيات المصرية بجهات رسمية يقيد قدرتها على تغطية الأحداث بمهنية.
الاثنين 2019/07/29
نفور من الفضائيات المصرية

القاهرة – كشفت دراسة حديثة أجراها قسم بحوث الاتصال الجماهيري التابع للمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية بمصر (حكومي)، عن أن 40 بالمئة من الشباب في المرحلة العمرية بين 18 و35 عاما، يتابعون الفضائيات العربية، و11 بالمئة منهم انجذبوا إلى قنوات أجنبية، وأرجعوا ذلك إلى حالة الملل وعدم الثقة في المحتويات التي تقدمها القنوات المحلية.

ومع أن الدراسة أشارت إلى أن 49 بالمئة ما زالوا يتابعون فضائيات مصرية، غير أنهم يقصدون من ورائها مشاهدة الأفلام والمسلسلات ومباريات كرة القدم، وغابت البرامج السياسية والاجتماعية والاقتصادية عن خارطة اهتماماتهم، ما يعني أن تشكيل الوعي بالنسبة إليهم لا يكون من خلال وسائل إعلام محلية استحوذت عليها جهات رسمية تقوم بالترويج لسياساتها.

فاروق جويدة: إعلام مصر يأتي في آخر القائمة في مستوى الأداء والمهنية
فاروق جويدة: إعلام مصر يأتي في آخر القائمة في مستوى الأداء والمهنية

وطالب المركز الحكومي، الذي أجرى الدراسة على عينة شملت 1500 شاب وفتاة، بضرورة تطوير الإعلام المحلي، وأوصى بأهمية وجود فضائية مصرية تواكب روح العصر وتعرض جميع الآراء بموضوعية، والحاجة إلى إنتاج محتويات تعبر عن مشكلات وطموحات الشباب، بما يجعلهم يعتمدون عليها كوسيلة لتشكيل وعيهم.

وقال حسن عماد مكاوي، أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة، إن الفضائيات المصرية تعاني مشكلة الأسلوب الأوحد في التعامل مع الأحداث المتسارعة، ويتشابه فيها الضيوف والقضايا والأسئلة والإجابات، ما أدى إلى وجود حالة من انعدام الثقة تسببت في نفور الرأي العام من المتابعة.

وأضاف مكاوي في تصريح لـ”العرب”، أن الرأي الآخر غاب بشكل كامل عن الإعلام المصري، بالتالي فالبديل يكون باللجوء إلى منصات أخرى يتوافر فيها قدر من التنوع والحرفية، حتى وإن كانت منخفضة الثقة، لكنها في النهاية تشبع بعض الرغبات الكامنة في الجمهور بشأن التعرف على حقيقة ما يجري حولهم.

وتزامنت نتائج الدراسة الجديدة مع مناشدة تقدمت بها منى الشبراوي، إحدى نائبات البرلمان المنتمية إلى ائتلاف دعم مصر (صاحب الأغلبية) إلى الحكومة المصرية، بضرورة تطوير الفضائيات المصرية لمخاطبة الرأي العام الخارجي. وهي مناشدة فتحت النقاش بمجلس النواب حول المشكلات التي تواجه القنوات الموجهة إلى الخارج.

وساقت الهيئة الوطنية للإعلام (حكومية)، مبررات ارتبط أغلبها بانخفاض التمويل المطلوب لتطوير قناة “النيل الدولية” التي تبث باللغة الإنكليزية، وتستهدف مخاطبة الرأي العام الأجنبي، من دون أن تتطرق إلى المشكلات المهنية التي تواجه القناة التي تستغرق في مناقشة القضايا المحلية.

وعبرت دوائر قريبة من الحكومة عن امتعاضها من وضع الإعلام الحالي بعد أن أصبح بلا هدف أو مضمون واضح، ما دفع الشاعر والكاتب في صحيفة الأهرام فاروق جويدة، إلى التأكيد في مقال نشره بصحيفة “المصري اليوم” (الخاصة)، بعد أن رفضت الأهرام نشره، على أن “إعلام مصر يأتي في آخر القائمة في مستوى الأداء والمهنية والتغطية الجادة”.

وغابت الكثير من وسائل الإعلام عن مسايرة ما يجري في المنطقة العربية من أحداث، في السودان وليبيا والجزائر وتونس، وحتى سوريا واليمن وإيران والخليج، على المتابعة الإعلامية التي اقتصرت تقريبا على إشارات سطحية لا ترقى إلى العمق والتدقيق والتحديات التي تمثلها لمصر ذاتها.

Thumbnail

ولم تتمكن القنوات المصرية التي حظيت بنسب مشاهدة عربية مرتفعة مع صعود سوقها منذ عشر سنوات، من التعامل الآن مع الحملات الموجهة التي تقودها قنوات تموّلها قطر وتركيا لحساب تنظيم الإخوان، ويظل دورها محصورا في رد الفعل، ونفي الشائعات دون مناقشة مستفيضة لإقناع الجمهور بصواب مواقف وخيارات الحكومة.

ويرى متابعون أن ضعف الإعلام أدى إلى خسارة الحكومة العديد من المعارك السياسية الخارجية، وطغت رؤية الدول المعادية للنظام الحالي على توجهات الجمهور، وتعثرت محاولات تصحيح الصورة الذهنية عما يجري في الداخل.

وكشف التعاطف الذي ظهر من قبل الجمهور الجزائري خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية مؤخرا، مع اللاعب المصري السابق محمد أبوتريكة، محلل قنوات بي.إن سبورتس القطرية، عن إخفاق الحكومة في توصيل رسالتها.

وشكلت الهتافات له في أثناء المباريات تعبيرا عن تأثرهم بما يسوقه إعلام الإخوان باعتبار أبوتريكة “مضطهدا وليس شخصا عاديا سوف يحسم القضاء مصيره”، وهو مقيم في الدوحة حاليا.

الأمر لا يرتبط بالخارج فقط، بل إن المشاهد المصري نفسه يجد صعوبة في متابعة بعض العمليات الإرهابية المحلية من خلال الفضائيات المصرية. وفي الكثير من الحوادث يكون السبق فيها لفضائيات عربية.

وأوضح حسن مكاوي لـ”العرب”، أن خطة الفضائيات المصرية بتوسيع قاعدة نفوذها عربيا التي ظهرت من خلال تدشين قناة “إكسترا نيوز” و”أون لايف”، اصطدمت بسيطرة الطابع الرسمي عليها، بعد أن حققت نسب نجاح كبيرة في بداية عملها، لتضطر الأخيرة للإغلاق، وتظل الأولى ناطقا باسم الحكومة.

وظهر ترهل الإعلام على غالبية الفضائيات المصرية وكشفه الأداء العام الضعيف، حيث تسبب عزوف المعلنين في أزمات مالية اضطرت بعض المسؤولين للحديث عن إعادة الهيكلة المتكررة دون اتخاذ خطوات فعلية.

Thumbnail

وقال الإعلامي محمد سعيد محفوظ، إن حالة عدم الاستقرار التي يواجهها الإعلام المصري، أفضت لفقدان ثقة الشباب وغيرهم في ما يتم تقديمه، ومن الطبيعي أن ينعكس غياب الإبهار والتنوع وتكرار الوجوه والأفكار والقوالب النمطية على نسب المشاهدة بين الأجيال المختلفة والتي تتعرض لمحتويات عربية وأجنبية أكثر جذبا.

وأوضح محفوظ لـ”العرب”، أن الشباب المصري أضحى عرضة للانجذاب إلى رموز تعبر عن ثقافات وأفكار مختلفة، وقد تكون مضللة أحيانا، لأن ثمة أجندات إعلامية أجنبية غير بريئة وتجد مكانا للانتشار والتوغل، ما يؤدي إلى انشغال الجمهور عن القضايا الملحة والمرتبطة به مباشرة.

من وجهة نظر محفوظ، وهو عضو لجنة التدريب والتثقيف بنقابة الإعلاميين، أن التنويع في عرض المحتوى الرقمي، والتجديد المستمر في القوالب، مع سهولة الاستخدام، جعلت مهمة القنوات التلفزيونية لاستعادة الجمهور تكاد تكون مستحيلة.

وأكبر إنجاز يمكن أن تحققه الفضائيات المصرية، حال إصلاحها، هو تعزيز حضورها الرقمي، عن طريق إعادة عرض محتواها البصري على الإنترنت، مع مراعاة الشروط والمعايير الضامنة لنجاح عرض هذا المحتوى على المنصات المختلفة، مثل قصر مدة المقطع، وتكوينه الدرامي، وجاذبية النص المصاحب.

1