المصريون لا يحبون هذا البرلمان

السبت 2015/10/31

اتضح أن الأمر لا علاقة له بالتزوير. بكل بساطة أدرك المصريون حقيقة أن لا انتخابات في مصر فلم يذهبوا إلى مراكز الاقتراع.

في السابق كان المصريون عازفين طوال الوقت عن المشاركة الكثيفة في الانتخابات، محلية أو برلمانية أو رئاسية، لأنهم كانوا على يقين من أن نتائج هذه الانتخابات لن تعكس أصواتهم التي وضعوها بأنفسهم في الصناديق.

كانوا يعلمون أن البرلمان سينزلق، في نهاية المطاف، إلى حجر النظام الحاكم الذي كان جمال مبارك وأصدقاؤه يتلاعبون بمقاديره. على الأقل كان هذا هو الاعتقاد العام الذي سيطر على النخبة المصرية، وكل متابع لشؤون الانتخابات في هذا البلد، الذي لم يشهد، واقعيا، أي انتخابات منذ أكثر من ستين عاما.

لكن يبدو أن المصريين أرادوا خلال الانتخابات الحالية تأكيد أن الأمر لا علاقة له بحزب حاكم. لا أحزاب حاكمة الآن في مصر. يكمن الفارق فقط في أن المصريين اكتسبوا وعيا فطريا على مدار ما يناهز خمسة أعوام من العواصف السياسية، تعلموا خلالها أن الانتخابات التي لا تخلق تغييرا في واقعهم اليومي ليست انتخابات.

الآن سيكون لدينا في مصر برلمان تشكل بنسبة تصل على الأكثر إلى 16 بالمئة، ومنوط به أن يراقب سلطة تنفيذية يجلس على رأسها رئيس فائز بأكثر من 96 بالمئة. الأدهى والأمر أن القائمة التي تكتسح النتائج حتى الآن، تريد إفراغ هذا البرلمان العاجز من مضمونه، عبر نقل أغلب صلاحياته إلى الرئيس.

بعد الثورة مباشرة شهد الاستفتاء على تعديل دستور عام 1971 إقبالا غير مسبوق. كان المصريون، حينها أيضا، واقعين تحت تأثير نفس زمرة الإعلاميين الذين يشحذون هممهم في كل انتخابات من أجل دفع الناس إلى أبواب مراكز الاقتراع بشيء يشبه إجبار أحدهم على القفز في المياه حتى دون إعطائه الفرصة لخلع ملابسه.

لكن تأثير الأمل في التغيير، والرغبة العارمة في التخلص من إرث ثلاثين عاما من الفساد والخور السياسي -كما ظنوا أنهم قريبون من جعله حقيقة- كانا أقوى.

تكرر الشيء نفسه في انتخابات عام 2012 التي لم تفعل الشيء العظيم، لكن كل ما أنجزته هو انتشال البرلمان من أسفل عجلات حافلة الحزب الوطني المعطلة، لتضعه تحت عجلات قطار الإخوان المسرع. رغم روعة المشهد وكثافة أعداد الناخبين وارتفاع نسبة المشاركة، كانت انتخابات 2012 هي انتخابات الخيارات الخاطئة.

الفرق أن المصريين حينها كانوا لا يزالون قادرين على التمسك بفلسفة التغيير، بغض النظر عن القبح الذي أنتجته لاحقا. الآن فهم هؤلاء المصريون أنفسهم أن الانتخابات البرلمانية التي انتهت مرحلتها الأولى للتو، لن توقف خطوات التغيير الكسيحة فقط، وإنما ستذهب بهم أيضا إلى طريق مسدود.

قد يتوهم البعض أن كل هم الرئيس عبدالفتاح السيسي هو العودة مرة أخرى إلى نظام مبارك. في الحقيقة لا يريد السيسي تكرار نفس التجربة الفاشلة التي كان شاهدا عليها عن قرب حينما كان يدير أحد أهم الأجهزة الأمنية في البلد، كما أنه لا يتصور أن يعود ولو يوم واحد من أيام الإخوان التي كان اللاعب الأساسي في إنهائها.

مشكلة الرئيس السيسي -كما كانت مشكلة مبارك أيضا- هي أنه غير قادر على التصرف كحاكم مدني، ومن ثم تتبلور رؤيته على هذا الأساس في تعاطيه مع السياسة والأمن والاقتصاد. رغم كل ذلك مازال هناك فارق كبير بين عصر مبارك وعصر السيسي.

الأول كان يمتلك جيشاً من البيروقراطيين ورجال الأعمال القادرين، رغم فساد أغلبهم، على تنفيذ المطلوب منهم، وهو إدارة البلد والسماح له بالاستمرار في السير في مكانه دون أن يخطو خطوة إلى الأمام، طالما أن هذه الحالة تحافظ على الاستقرار وإبقاء الحال على ما هو عليه. ومع ذلك اكتشف مبارك أن خياراته كانت خاطئة.

أما السيسي فلا تبدو إدارته، حتى الآن، قادرة على اختيار المسؤولين بشكل صحيح رغم عدم نيته إبقاء الحال على ما هو عليه، بل يحاول قدر الإمكان، عبر التركيز على الاقتصاد فقط، أن يخلق واقعا جديدا على المدى البعيد.

تريد إدارة السيسي نقل البلد من حالة السياسة التي بدأت تنضج في مرحلة ما بعد ثورة يناير وخفتت خلال حكم الإخوان، إلى مرحلة اللاسياسة المطلقة. هناك رغبة داخل أجهزة ومؤسسات الدولة للاستحواذ على كل شيء حتى البرلمان المنوط به محاسبة ومراقبة هذه الأجهزة والمؤسسات.

ليس المراقبون فقط هم من يستطيعون ملاحظة نهم المدرسة القديمة ووجوهها لاستغلال الركود السياسي من أجل العودة بالبلد إلى الماضي، بل المصريون، الذين من المفترض أن يكونوا الناخبين والمرشحين، باتوا أيضا متأكدين من أن هذا البرلمان ليس، في الواقع، برلمانهم.

سيستأنف أعضاء البرلمان رفع أيديهم بالموافقة، وسيستمر المصريون في التفرج على هذا المشهد العبثي في صمت، لكن لا أحد يعرف إلى متى.

كاتب مصري

9