المصريون يبحثون عن هويتهم في ظل الأزمة الثقافية والسياسية

الاثنين 2014/01/06
الأنظمة السياسية عكست ثقافات مختلفة انعكست على المواطن المصري

مصر العريقة بتاريخها وخاصة منه المفصل العربي الإسلامي، لم تكن تنتظرُ حلول جماعة الإخوان المسلمين لتؤكد فيها ملامح هويتها، ولا شك في أن هذا التشويش الحضاري والسياسي يدخل ضرورة تحت طائلة الارتباك الذي أحدثته ثورة 25 يناير في انتظار إرساء ثوابت الدولة المدنية.

ليس شرطاً أن أكون إخوانياً أو منضماً إلى حركة تمرد أو السادس من أبريل أو جبهة الإنقاذ أو التحالف الوطني لدعم الشرعية أو أي حزب ورقي لا وجود له على المشهد السياسي لكي أكون وطنياً، لكن شرط قوي أن أرى وأسمع وأشاهد وألمس وأتذوق الوطنية في كل ملمح من ملامح وجه مصر المحروسة، ولغدٍ قد لا يكون حلواً كما شهدت بذلك كوكب الشرق ولا لحاضر هو أحلى لأنه مشوه بالاختلاف والتعددية والانقسامات الصارخة أجد وطناً تضربه عواصف الفرقة وبمنأى عن الالتئام الذي قد يكون حلماً لنا.

إلى أين؟

نعم لقد أقرت الحكومة أن جماعة الإخوان المسلمين صارت تنظيماً إرهابياً وحركة تمرد تمرد أعضاؤها، والسادس من أبريل اكتشفت أن شهر أبريل نفسه هو شهر الأكاذيب والظن، وجبهة الإنقاذ ادعت أنها قد أنهت أعمالها بسقوط الرئيس المعزول محمد مرسي وإقرار الدستور حتى وإن لم يستفت عليه والحقيقة أن الجبهة نفسها فشلت في تحقيق أي نجاح يمكن التقاطه على المستوى الشعبي لأنها باختصار نخبوية إلى درجة مبالغة، أما التحالف الوطني الذي يصر على دعمه للشرعية، فالوطن نفسه لا يحتاج إلى دعم ولا تحالف وربما مواطنوه لم يفطنون بعد إلى كلمة شرعية لأنهم يقرنونها بالشريعة والشرع وأحيانا الشراع إذا ما أقروا أن مركب الوطن في طريقها إلى الغرق الحتمي. ولنفترض أن المواطن البسيط أراد جلياً أن يعرف إلى أين يسير الوطن، فنزل إلى الشارع ليوقف طوعاً بعض المارين به، فيجد مواطناً يقول له إن الوطن بعافية وخير وصحة وسعادة وبمجرد الانتهاء من التصويت على الدستور وانتخاب رئيس جديد وتدشين مجلس نواب قوي مصر ستصبح أفضل من سويسرا والنمسا وكافة البلدان الإسكندافية وبالتأكيد سيهز المواطن البريء رأسه تعجباً من اسم هذه البلدان.

ويأتي آخر فيسأله نفس السؤال ليقول له لن ينصلح حال الوطن إلا إذا عاد إلى الدين والشريعة، فيباغته المواطن البسيط: وهل أصبحنا كفاراً ومن مشركي قريش في عهد الرسول الأكرم (صلى الله عليه وسلم)؟ حتى يردف المجيب متابعاً أن المدنية التي يريدونها ضلال وشرك كبير، ولا سبيل للنجاة إلى بتطبيق أحكام الشريعة كاملة دونما تحريف أو نقصان.

وهكذا كلما مر المواطن البسيط بأحد المارين سواء من الفلول القدامى الذين لا يرون خيراً إلا بعودة النظام القديم بسياساته ورجالاته المخلصين لمبارك وقليل من الذين يجيدون تفصيل الواقع والمستقبل أيضاً وهؤلاء بالفعل بدؤوا في البزوغ مجدداً على ساحة المشهد الإعلامي بتصريحاتهم التي تبدو مستفزة وتثير احتقان الغاضبين وكأنهم يدفعونهم دفعاً إلى الثورة في يناير الجاري في ذكرى الثورة البيضاء.

مشكلات مصر

إن مشكلة مصر اليوم بجانب مشكلاتها الاقتصادية العصية على الحل والاجتماعية الضاربة في الفوضى، والسياسية التي لا تعرف محطة للوصول، هي مشكلة الرأي، لا بمعناها السديد والقويم والمستقيم، لكن الرأي الذي صار حكماً قاطعاً وحلاً شخصياً يراه المرء طوق نجاة وحيدا للخروج من الأزمة المستدامة. فالمهندس أصبح صاحب الحق الأوحد في الإفتاء الفقهي، وصار الشيخ نموذجاً للمحلل السياسي بعدما افتقد خطابه الديني إلى المعاصرة، ورجل التعليم امتثل لفوضى المؤسسة وصار معلقاً رياضياً، وغيرهم كثير، وكل واحد من غير المتخصصين استحال متخصصاً في غير مجاله واقتنع بأن رأيه هو الأصوب، وربما من صدمات المستقبل الذي نعيشه أن التاريخ الذي سيسجله الأبناء عنا سيصير سياسياً من الدرجة الأولى لأننا بالفعل لن نستطيع أن ندون الخيبة والفشل في قطاعات أخرى كالفكر والثقافة والرياضة التي أصبحت بلا طعم أو روح لأنها خالية من اللاعب الأول بها ألا وهو الجمهور.

وربما كثرة مشاهدة التلفاز وتعدد القنوات الفضائية أتاحا للمرء فرصة المحاكاة العمياء، فمرة يتمثل المواطن شخصية الثوري الثائر ويظن أنه كان بالميدان وشاهد عيان على أحداث محمد محمود ومجلس الوزراء وربما يدعي أنه تعرض للإصابة من قوات الأمن، وتارة ثانية يرتدي ثوب القاضي والمحامي وفريق النيابة أيضاً فنجده يصدر أحكاماً على شخصيات سياسية ويدين هذا ويبرئ ذمة ذاك بغير براهين قانونية لأن ثقافته بفضل مبارك ونظامه جعلته كائناً عدمياً مهمشاً لا يفطن ولا يدرك كنهه.

ومنذ سنوات ليست بالبعيدة كاد علم إدارة الأزمات أن يصبح العلم الأكثر استجداءً للفترات الانتقالية التي تمر بها الدول في فترات الضبابية وانعدام الرؤى وليست الرؤية فقط، لكن في مصر وبفضل تكريس ثقافات نوعية ارتبطت بالأنظمة السياسية أكثر مما ارتبطت بحضارات الشعوب وجدنا أن في مصر وبعض الدول العربية أزمة في الإدارة، وليت رئاسة مجلس الوزراء تجري دراسة مسحية دونما تفسير عن اختصاصات المسؤولين في كافة الإدارات والهيئات والمؤسسات لنكتشف حجم الأزمة التي تصيب كبد الإدارة في مصر منذ عقود، وهؤلاء المسؤولون ما أفدح خسارتهم عليهم وعلينا حينما يقترحون ويخططون وينفذون أفكاراً في غير مكانها الطبيعي بحجة أنهم صدقوا أنفسهم بأنهم أهل الاختصاص والحل والعقد والإبرام، ويكفي أن نعرف عدد اللجان المنبثقة عن كل إدارة مؤسسية في مصر لندرك حجم الأزمة.

ولأنني من مرتادي شبكة التواصل الاجتماعي لاسيما الفيسبوك وتويتر تحديداً، أيقنت أن المصري عقب خروجه غير المنظم في أثناء ثورة يناير البيضاء ولم يتخيل نجاحها المذهل أصبحت تدويناته وتغريداته الحالية غاية في الإبداع والتفرد لأنها صارت تتناول كل شيء، بدءا من الموقف السياسي وانتهاء بإكسسوارات الفتيات في احتفالات الهالوين.

مشكلة مصر بجانب مشكلاتها الاقتصادية والاجتماعية الضاربة في الفوضى، والسياسية التي لا تعرف محطة للوصول، هي مشكلة الرأي

ومن المضحك إلى حد البكاء أن تجد مواطناً يعلن على تلك الصفحات مغادرته للسياسة وكأنه كان من أبرز الموجهين للمشهد السياسي ولم يعلم أنه متسبب رئيسي في ضبابية المشهد. وآخر يقرر في تغريداته أن الرئيس القادم لابد ألا يخرج من بين ترشيحات بعينها مثل اللاعب الخلوق محمد أبو تريكة أو الدكتور كمال الجنزوري واللواء عمر سليمان، نعم لقد قرأتها بالفعل لأنه ربما غير مقتنع بوفاته أو هو بالأحرى غير مدرك أن صاحب الاقتراح مات إكلينيكياً وفارق الحياة بعقله دون الجسد.

وإذا كان المواطن قد أصبح فقيهاً دينيا وسياسيا ورياضيا وعلميا في آن واحد وتغلب بذلك على كل مستحضرات غسيل الشعر ( الشامبو) لأنه صار متعدداً، فعليه العودة سريعاً إلى مكانين لا ثالث لهما: إما أن يهرع نحو القراءة والمعرفة المتخصصة والجادة التي لا تعرف مكاناً للسخرية أو الرضوخ للمعلومات السطحية حتى يستطيع إبداء رأيه بوضوح ويتمكن من تشييد وطنه، وإما للأسف عليه أن يسير بخطى وئيدة غير مضطربة إلى مستشفى المجانين وهو سعيد راضٍ بحاله ومقامه.

7