المصريون يجازفون بارتداء كمامات مستعملة للتحايل على الغرامات القاسية

فرض الكمامات أظهر معالم فهلوة لم تتغير رغم الأوبئة والأمراض.
الثلاثاء 2020/06/02
جدل الكمامات في مصر

القاهرة – أوقف محمود شحاتة، سائق سيارة أجرة، عربته بشارع شبرا المزدحم في وسط القاهرة، عندما وجد شرطيا على بعد خمسين مترا منه، وطلب من أحد الركاب كمامة يرتديها ليتجنب دفع غرامة مالية، فأخبره بأنه استعملها من قبل، فرد عليه “لا يهم سأرتديها مؤقتا بدلا من أن أدفع 4 آلاف جنيه (نحو270 دولارا) لهذا الشرطي”.

استخدم راكب آخر سخريته، ووصف ما شاهده بأنه “الكمامة الدوارة”، في إشارة تنطوي على معنى سياسي بعيد، يتعلق بالتزوير الذي يصاحب الانتخابات، وشيوع ما يوصف بـ”الورقة الدوارة” التي يستخدمها الناخبون في التصويت لمرشح بعينه.

تشير الواقعة إلى أن السائق فضّل انتقال العدوى إليه على دفع الغرامة، وبرر تصرفه بأن الأولى محتملة بينما الثانية مؤكدة، بجانب كلمات أخرى كلها تفيد التواكل وأن “الأعمار بيد الله”، و”لكل أجل كتاب”، وهي الجمل المقدسة التي يلجأ إليها البعض لتفسير عدم الاكتراث بالتحذيرات، وأدى هذا السلوك إلى زيادة تفشي المرض في مصر.

كشف وزير التعليم العالي والبحث العلمي بمصر، خالد عبدالغفار، الاثنين، أن الأرقام المعلنة لإجمالي إصابات كورونا في البلاد تساوي 20 في المئة في تحليل البيانات، والنسبة الافتراضية لعدد الوفيات قد تصل إلى عشرة أضعاف العدد المعلن.

وحتى مساء الأحد، سجلت مصر إجمالا 24 ألفا و985 إصابة بفايروس كورونا، بينها 959 وفاة، و6 آلاف و37 حالة تعاف.

أثارت الغرامة المالية التي قررتها الحكومة على كل من لا يرتدي الكمامة، حماية من كورونا في الأماكن العامة، موجة من الجدل في صفوف الرافضين لها، حيث أصبحوا حيارى بين الارتداء رضائيا أو دفع الغرامة عنوة، إذا ضبطتهم السلطات المعنية دونها.

تتصور الحكومة أن فرض غرامة باهظة بمقاييس مستوى معيشة غالبية المواطنين سيكون كفيلا بردع شحاتة وأمثاله، ولم تتخيل أن يصل مستوى الخطر إلى حد المفاضلة بين ارتداء كمامة مستعملة ودفع الغرامة.

حكومة مدبولي في موقف محرج
حكومة مدبولي في موقف محرج

وحملت مواقع التواصل الاجتماعي الكثير من الصور لبسطاء يقومون بغسل كمامات وإعادة استخدامها بين أفراد أسرهم خوفا من دفع الغرامة المالية، أو لعدم القدرة على شراء الكمامات، وهي مشاهد تثير الصدمة لدى المسؤولين الذين تصوروا أنهم قادرون على الحد من انتشار كورونا والسيطرة عليه.

وقد بدأ تطبيق قرار الحكومة بإلزام المواطنين بارتداء الكمامات، السبت، ويفرض على كل من العاملين والمترددين على جميع الأسواق، أو المحلات، أو المنشآت الحكومية، أو الخاصة، أو البنوك، أو أثناء التواجد في جميع وسائل النقل الجماعية العامة والخاصة.

نص قرار رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، “على أنه مع عدم الإخلال بأي عقوبة أشد تنص عليها القوانين المعمول بها، يُعاقب كل من يخالف القرار بغرامة لا تتجاوز 4 آلاف جنيه”.

واتخذ مدبولي عدة قرارات متعلقة بالإجراءات الاحترازية والوقائية من أجل التصدي لانتشار جائحة كورونا بعد انقضاء إجازة عيد الفطر، اعتبارا من 30 مايو ولمدة 15 يوما، ولا أحد يعلم هل هي قابلة للتمديد أم لا؟

زادت المخاوف مع تحذيرات أطلقتها جهات رسمية، ذهبت إلى أن الأرقام السابقة يمكن أن تتضاعف خلال الأسبوعين المقبلين، الأمر الذي اصطحب حرصا غير مألوف من مواطنين درجوا على الاستهانة بكورونا الفترة الماضية، ولم يعبأوا سابقا باتخاذ الإجراءات الشخصية الوقائية، وهو ما يفسر التصاعد اللافت في أرقام الإصابات والوفيات.

وقعت الحكومة في مأزق بالغ الحساسية، يفرض عليها تخفيف حظر التجوال والتعامل بطريقة أقرب إلى الصورة الطبيعية لإنقاذ الاقتصاد، وبين استمرار الإغلاق وتحمّل تكاليف تداعيات المرض، اختارت فتح المجال العام تدريجيا مع وضع ضوابط، لا تضمن تطبيقها.

ويقول مراقبون إن الحكومة فرضت الغرامة وهي تعلم أن الكثير من المواطنين لن يرتدوا الكمامات، أو سيتحايلون على ذلك، بصناعة كمامات غير صحية لزوم الإيحاء بأنهم ينفذون قرارها.

Thumbnail

يؤدي الدوران في هذه الحلقة المفرغة إلى مشكلات تفوق الحفاظ على الصحة العامة، في بيئة لا تحظى فيها شريحة كبيرة بالرعاية الاجتماعية والاقتصادية اللازمة، لذلك من الطبيعي أن ترفض الانصياع للتعليمات الرسمية، بل تتهمها بالازدواجية.

ويشير المراقبون إلى أن الحكومة، التي رعت حملات دعائية لمساعدة الفقراء في رمضان، وحضت رجال أعمال وفنانين ورياضيين على التبرع بوجبات غذائية للكثير من الأسر المصرية، عليها أن ترعى حملة مماثلة للتبرع بالكمامات والقفازات وتوصيلها إلى المحتاجين.

وأكدت الخبيرة في علم الاجتماع سامية خضر أن الفرض الإجباري للكمامات كشف عن الكثير من معالم الشخصية المتعلقة بـ”الفهلوة” لدى البعض، والتي لم تتغير رغم الأوبئة والأمراض.

ولفتت خضر لـ”العرب”، إلى أن هذا السلوك يؤشر على غياب الثقافة الصحية التي تتماشى مع مجتمع يعاني 30 في المئة من سكانه الأمية بمعناها التقليدي، حتى وصل الأمر إلى تبادل بعض الكمامات بين مرتادي بعض البنوك التي حظرت الدخول دونها.

ويبدو أن قطاعا كبيرا في المجتمع المصري لم يصل بعد إلى مرحلة التخوف الحقيقي من الإصابة بالعدوى، ولا يعترف المنتمون إلى هذه الفئة بخطورتها، ويزاولون حياتهم كالمعتاد دون تغيير.

1