المصريون يجنون أولى ثمار ثورة يونيو باسترجاع الدولة للمساجد

الجمعة 2014/09/05
الجماعات الاسلامية تستغل المساجد لنشر افكارها الحزبية

القاهرة - بدأت نتائج ثورة يونيو التي قام بها ملايين المصريين السنة الماضية لإسقاط حكم الإخوان المسلمين في الظهور خاصة على مستوى تحييد المساجد وإبعادها عن العمل السياسي وفرض سيادة الدولة على بيوت الله التي كانت في الماضي القريب منابر للدعاية السياسية والتعبئة الإعلامية للناس.

فبعد أن عادت الوزارات المصرية إلى بسط سيطرتها على الإدارات وإرجاع القانون إلى مجراه الطبيعي، أخذت السلطات في وزارة الأوقاف في القيام بنشاطاتها الطبيعية في التواصل مع الوزارات الأخرى والتنسيق في العمل بين مختلف الأجهزة، محذرة في كل مناسبة من أي خلط بين الدين والسياسة أو العودة إلى الوراء لتوظيف المساجد للدعوة لغير الله، وهو ما أكده وزير الأوقاف المصري محمد مختار جمعة نافيا وقوع أي اتفاقات بين وزارته والجماعة السلفية في استغلال المنابر.

وشدد محمد مختار جمعة وزير الأوقاف المصري، على أن وزارته لن تسمح للسياسيين أو الحزبيين باعتلاء منابر المساجد، مؤكدا أن الدولة استعادت قوتها، ومخطئ من يحاول اختبار صرامتها في التعامل مع أية جهة تريد توظيف المساجد لصالحها أو أن تدعو لغير الله في منابرها.

وقد جاء هذا التصريح بعد أن أشاعت دوائر إعلامية إشاعة تقول إن وزارة الأوقاف قد وقعت بروتوكولا مع مشايخ السلفية لتركهم يعتلون المنابر ضمن شروط تفرضها الوزارة. وقد نفى محمد مختار جمعة ذلك نفيا تاما.

وأضاف مختار جمعة على هامش توقيعه اتفاق تعاون بين وزارته ووزارة الري والموارد المائية أمس الثلاثاء، أن وزارة الأوقاف “لم ولن تعقد صفقات مع أي من التيارات السياسية، خاصة الدعوة السلفية التي تردد إبرام الوزارة صفقة معها، مضيفا أن القانون تم سنه في مواجهة الجميع، ومخطئ من يعتقد أنه فوق الدولة أو بإمكانه الاستقواء بأنصار أو تيار أو أهل أو عشيرة، فهذا الزمن ولى وانتهى”.
الدولة استعادت قوتها ومخطئ من يحاول اختبار صرامتها في توظيف المساجد

وقد سبقه من قبل مدير إدارة المساجد بالأوقاف الشيخ أحمد ترك في التأكيد على أن الوزارة مستقلة وتفرض القانون على الجميع، مصرحا أن “الأوقاف لن تعترف بأي شيخ أو داعية أو إمام من خارج الأزهر، وأنها لن تتعامل مع أي من خريجي المدارس السلفية سواء في الإسكندرية أو غيرها، فهي مدارس غير معترف بها ومجهولة”.

كما حذر وزير الأوقاف السلفيين من الوقوع في أخطاء جماعة الإخوان، موضحا أن ثورة الثلاثين من يونيو قد جاءت لتؤكد مدنية الدولة المصرية وعلو القانون على الجميع وخضوع كل الأحزاب والشخصيات للقانون بشكل متساوٍ، بعيدا عن بيوت الله والدين الإسلامي الذي “لن تقبل الدولة المصرية بتوظيفه لصالح هذا الطرف أو ذاك”.

وأضاف قائلا: “لا يمكن الحديث عن إبرام أية صفقات سرية أو علنية، فلا تعامل إلا من خلال القانون، فقد تم التصدي لاعتلاء الشيخ ياسر برهامي القيادي بالدعوة السلفية بالقانون، عندما اعتلى المنبر دون تصريح وتم تحرير محضرين ضده”.

وقد كانت للسلفيين في السابق حادثة مماثلة في الاعتداء على حرمة المساجد ونأيها عن التوظيف السياسي وذلك باستذكار واقعة قيام أنصار الشيخ السلفي محمد حسين يعقوب بطرد خطيب الأوقاف من أحد مساجد محافظة المنيا بصعيد مصر في وقت سابق، والتي أعادت إلى الأذهان مخاوف عدّة من بينها تلك المتعلّقة باستحواذ مشايخ السلفية على المساجد الكبرى، واستئثارهم بها وجعلها جزرا منعزلة عن الدّولة ومؤسساتها الدينية.

استغل وزير الأوقاف المصري الندوة الصحفية مع وزير الري للتأكيد على أن الدولة ستمنع أي توظيف سياسي لبيوت الله

وأوضح وزير الأوقاف، أن سياسته منذ توليه الوزارة، هي تغيير المفهوم الذي يقصر دور الأوقاف على الدعوة فقط، قائلا إن “وزارة الأوقاف دعوية ووطنية” وأن دورها أينما وجدت مصلحة الوطن والمواطن، مشيرا إلى أن وزارته بالتعاون مع الأزهر الشريف تقوم بصياغة تشريع يغلظ العقوبة على المعتدين على أملاك الدولة، وأرض الوقف، مشددا على أن القانون يعاقب ليس مغتصب أملاك الدولة أو المعتدي عليها فقط، بل ومن سهل له ذلك أو تواطأ.

وقد أكدت العديد من الوجوه الدينية في مصر، أن احترام قانون الأوقاف والقانون بشكل عام هو من احترام الدين الإسلامي. إذ يقول محمود عاشور الوكيل السابق للأزهر الشريف أن “المساجد لله ولا يجوز أن يتمّ الاعتداء فيها على أحد أو إتيان عمل يتنافى مع صحيح الدين. فالمساجد يجب أن تكون تحت رعاية وزارة الأوقاف التي كلّفتها الدولة بذلك وعينت لها أئمة ومقيمي شعائر وينبغي أن تُترك مهمة تحديد من يتولى الخطابة للأوقاف”.

وصرح محمد مختار بمناسبة توقيع البروتوكول مع وزارة الري والموارد المائية أن الحكومة المصرية الحالية، وحكومات ما بعد ثورة 30يونيو 2013 “هي الأكثر تنسيقا وتعاونا بين وزارات مصر في العصر الحديث، وتعمل بروح وطنية عالية جداً”، موضحا أنه بمقتضى البروتوكول المبرم مع وزارة الري والموارد المائية، سيتم تنظيم قوافل دعوية على مستوى الجمهورية، وندوات يحضرها أئمة ومهندسون، وذلك لترشيد الخطاب الديني وتوضيح علاقة المواطن بالمسجد وكيفية التعاطي بين الإئمة والمصلين بعيدا عن التحزب وتسيسس الخطاب. وقد أشار جمعة في مداخلته إلى أن “الأحزاب الإسلامية لم تضيع فرصة تمرير أجندتها وحساباتها السياسية بين كلمات الدعوة إلى الله، وهنا يكمن التفاق بعينه”.

وفي سياق محاولات تسلل السلفيين إلى المساجد بشكل يبعد عنهم الرقابة الحكومية، تدفع الدوائر القريبة من السلفيين السياسيين (حزب النور أساسا) بالرأي العام إلى الاعتقاد بأنهم موكولون من قبل الأوقاف والأزهر باعتلاء المنابر وهذا أمر غير صحيح. فقد جاءت ردود أفعال المسؤوليين المصريين سواء في الأوقاف او في الأزهر لتصد “الإشاعات التي تبثها الجهات الطامعة في المؤسسات المصرية” بغاية توظيفها في الانتخابات البرلمانية المرتقبة في مصر.

حذر وزير الأوقاف السلفيين من الوقوع في خطأ الإخوان مؤكدا أن مصر دولة مدنية تسع الجميع ولا مكان فيها للإقصاء

وقد اتخذت السلطات المصرية في السابق العديد من الإجراءات لردع هذا السلوك وإيقاف كل من يسطو على المنابر ليخطب في الناس مكان الفقهاء المعترف بهم من خريجي الأزهر، وذلك بتشديد العقوبات على كل من يثبت عنه اعتلاء المنبر أو إمامة الناس دون ترخيص من الدولة. وهذا ما سعت إليه الدعوة السلفية في السابق، حيث أرادت أن تكون طرفا في اتفاق بين الوزارة وبينهم يمكن بعض أئمة حزب النور والسلفيين الآخرين في اعتلاء المنابر والخطبة وإمامة الناس، لكن الوزارة رفضت رفضا قاطعا مثل هذا الإجراء.

وقد أكد العديد من المراقبين أن إجراءات تغليظ العقوبات على المخالفين للقانون خاصة في ما يتعلق بحرمة المساجد والدعوة إلى غير الله في منابرها إنما يأتي في سياق الإصلاح الشامل للمنظومة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في علاقتها بالدين الإسلامي وتقريب مفهوم المدنية للمواطن وإيضاح دور الدولة في إدارة التنوع الديني والتعبد وضرورة فصل الخطاب الديني عن الخطاب السياسي.

13