المصريون يحتجون بالصمت

المصريون يمرون بحالة من الإنهاك النفسي والوجداني لأن ثورتي يناير ويونيو خيبتا آمالهم ولم يجنوا مكاسب سياسية أو اقتصادية.
الثلاثاء 2018/07/03
الحمل أصبح ثقيلا

القاهرة - وسط زحام عربة مترو الأنفاق، تقف سعاد محمود، وهي موظفة بالشهر العقاري، وتسأل الجالسين: هل أغلقت الحكومة محطة مترو جمال عبدالناصر مثل كل عام احتفالا بذكرى ثورة 30 يونيو 2013؟

اكتفى الحاضرون بنظرات استنكارية، وتبرّع أربعيني بالرد بنبرة غاضبة “بماذا يحتفلون؟ بثورة 30 يونيو أم بعزل الرئيس الإخواني محمد مرسي في 3 يوليو 2013، ومن لديه رفاهية الاحتفال؟ جئنا بهم إلى الحكم وانتهت الحفلة”.

وزاد الأربعيني الذي شعر الناس من حديثه أنه ما لبث أن وجد فرصة الكلام بحرية أمام تجمع جماهيري دون التعرض لمضايقات أمنية “لم نعد نمتلك سوى الصمت.. لا شيء غيره، أخشى أن يفرضوا علينا ضرائب للهواء والتنفس والكلام”.

فجأة صمت الجميع، لكن ليس خوفا من أذن رقيب تتنصت، بل تأييدا لما قاله الأربعيني. هذا الصمت عم الميادين يوم 30 يونيو، حيث جرت العادة في السنوات السابقة أن تمتلئ احتفالا بذكرى سقوط نظام الإخوان، لكن، في الذكرى الخامسة، اختلفت زاوية النظر وخلت الشوارع من التجمعات وميادين الثورة من المارة، واختفت مكبرات الصوت التي تصدح بأشهر الأغاني الوطنية.

ما يزعج أكثر المصريين أن الحكومة تتمسك بأن يتحمل الشعب وحده تكلفة الإصلاح الاقتصادي، والتلويح بأن رفض هذه السياسة يوازيه غياب الأمن والاستقرار، وكأنها رسالة ترهيب، وبالتالي فإن الصمت خيار إستراتيجي مقصود منه الاحتجاج والتعبير عن قرب الانفجار.

وتعكس الحالة المزاجية لمعظم المصريين أن القاعدة الشعبية التي كان يعول عليها السيسي في مواجهة خصومه بدأت تتآكل أمام إصراره على الاعتقاد بأن هؤلاء على استعداد لتحمل المزيد من إجراءات التقشف المتلاحقة، دون أن يقدم إليهم مكتسبات تغريهم على قبول هذا الوضع القاسي.

ويقول عماد سيد أحمد، وهو موظف إداري بمدرسة نهارا وسائق تاكسي ليلا، “مشكلة الحكومة في مصر أنها تفهم صمت الناس على أنه قبول بسياسة الأمر الواقع.. أنا شاركت في الثورة التي مهدت الطريق للسيسي، لكنني ضد الاحتفال بذكراها حتى يفهم السيسي أن من جاؤوا به للحكم أصبحوا ضمن معارضيه”.

Thumbnail

وتمر الثلاثاء ذكرى إلقاء المشير عبدالفتاح السيسي، وقت أن كان وزيرا للدفاع، بيان 3 يوليو الشهير، الذي أعلن فيه عزل الرئيس الأسبق محـمد مرسي، وسط مؤشرات قوية عن استمرار الصمت الاحتجاجي ضد سياسات الإصلاح الاقتصادي التي تتمسك بها حكومات السيسي المتعاقبة، منذ وصوله إلى الحكم قبل أربع سنوات.

وتبرر نادية رزق، وهي معلمة لديها خمسة أبناء، عزوفها عن الاحتفال بذكرى الثورة “أطل علينا السيسي (يوم 30 يونيو الماضي) يطالبنا بتحمل الإجراءات القاسية ثم يسألون لماذا لا تحتفلون.. صدمات الحكومة للمواطنين مستمرة، الناس لم تعد تفكر في السياسة بل فقط البحث عن لقمة العيش”.

ولا يشغل تفكير نادية سوى تجهيز إحدى بناتها التي اقترب موعد زفافها ولم تشترِ نصف مستلزماتها. وحتى البنت التي كانت تذهب يوميا إلى الجامعة، قررت أن تلتحق بنظام المنازل لعدم توافر ثمن تذكرة مترو الأنفاق، وتحتاج شهريا 450 جنيها، أي ما يعادل ثلث راتب الأم.

ولا تنكر الأم، التي شاركت وأبناؤها في الثورة ضد نظام حكم الإخوان، أنها لو عادت عقارب الزمن إلى الوراء خمس سنوات لفعلت ذات الأمر، لكنها تقول “عدم خروجي وأسرتي عن الخروج للاحتفال بذكرى الثورة، مثلي كثيرون، رسالة احتجاج أتمنى أن يفهمها رجال السلطة”.

ويوحي التعاطي الأمنييوم 30 يونيو بأن فحوى الرسالة وصلت إلى السلطة، حيث كان لافتا اختفاء التكتلات الأمنية والتحصينات القريبة من المنشآت الحيوية، حتى من ميدان التحرير.

واعتقد سيد الطرابلسي بائع عربة فاكهة “التين الشوكي” أن ميدان التحرير سيكون بقعة سانحة للاحتشاد الجماهيري مثل الماضي، لكن خاب أمله. ويقول هذا الخمسيني “فعلا.. لا أحد يستطيع توقع ردة فعل وتصرفات المصريين لكنهم (صناع القرار) لا يعيرون ذلك اهتماما.. مزاج الناس تغيّر بسبب الغلاء حتى طقوسهم في الطعام تغيرت، فبعد أن كان المارة يلتهمون ثمرات التين الشوكي دون توقف، أصبحوا يأكلونها بحذر خشية اجتياز الحد الموضوع للمصروف الشهري”.

هذه الحالة المجتمعية في نظر سعيد صادق أستاذ علم الاجتماع السياسي، تعكس مرور المصريين بحالة من الإنهاك النفسي لأن ثورتي يناير ويونيو خيّبتا آمالهم ولم يجدوا مكاسب سياسية أو قتصادية ملموسة.

ويقول لـ”العرب” “الناس أصبحوا مصدومين في الحكومة والأحزاب ومجلس النواب، ويشعرون أن صناع القرار في اتجاه، والواقع في اتجاه معاكس، فإذا تحدثوا تعرضوا للتضييق، وإذا احتفلوا تفهم السلطة أنهم سعداء بهذا الواقع، لذلك يظل التزام الصمت السلاح الأخطر، لأن موعد انفجاره في وجه الجميع غير محدد”.

7