المصريون يستعدون لمواجهة حرارة الصيف بالقلة والزير

تحت شعار العودة إلى الطبيعة في مواجهة ظاهرة انقطاع الكهرباء، لجأ كثير من المصريين إلى مبردات المياه التقليدية، مثل القُلة ذات الاستخدام الفردي والزير المخصّص للخدمة الجماعية، وهما إناءان استخدما في مصر منذ العصر الفرعوني، وشهدا تطوّرا لافتا خلال العهود الإسلامية.
الاثنين 2015/05/18
حرفيو الفواخير بمدينة الفسطاط المصرية استمدوا من طبيعة الأرض تراثا يميز منطقتهم

القُلّة هي نوع من الأواني الفخارية تستخدم لتبريد المياه، أمّا الحجم العائلي أو الكبير منها فيسمى الزير، والقلة والزير كانا منتشرين بكثافة في البيوت المصرية، خاصة في السنوات التي سبقت اختراع الثلاجة، ثم انحسر استخدامهما تدريجيا مع تطوّر التكنولوجيا الحديثة، لكن مازالت الأحياء الشعبية تبقي على وجودهما، حيث احتفظ بعض سكانها بوفائهم للرفقاء القدامى للماء البارد.

منطقة الفواخير بمدينة الفسطاط التاريخية، في حي مصر القديمة جنوبي القاهرة، كانت أول عاصمة لمصر بعد الفتح الإسلامي، وقد ارتبطت تاريخيا بصناعة القُلّة والزير لتميّز أرضها بنوع ناعم من الطين، يميل لونه إلى الأحمر ويستخدم في صناعة تلك الأواني.

وبمجرد دخول المنطقة تقتحم أنفك رائحة الطمي المنتشرة في الهواء، فتقف للحظات مترددا بين مواصلة طريقك أو العودة من حيث أتيت، لكن نداءات بائعي الفخار المنغمة تغريك بالمتابعة.

“العرب” دخلت إلى إحدى الورش التي بدت كمتحف يجسد الماضي ويتحدّى الحاضر عبر ما يعرضه من أوعية فخارية، الحاج شلبي صاحب الورشة (76 عاما) قال إن ورش الفخار كانت، في البداية، تقع خلف جامع عمرو بن العاص بمصر القديمة، لكن في عام ‏1962‏ انتقل صانعو الفخار إلى “بطن البقرة” بنفس المنطقة، ليحوّلوها من زرائب للخنازير إلى فواخير، لإنتاج فخاريات تروّج في مصر وتُصدّر كذلك للعديد من الدول كألمانيا والجزائر. ثم نقلت كل الورش إلى قرية الفخار التي تم وضع حجر أساسها في يوليو ‏2006.

قطر تنسج على منوال الأتراك في محاولة انتداب صناع فخار مصريين، بشرط تعليم القطريين أسرار الحرفة

وأضاف أن صناعة الفخار ازدهرت في العصر الإسلامي، وتم ابتكار أشكال جديدة وزخارف متنوّعة، حتى أضحت القاهرة مركزا مهما لإنتاج الفخار الشعبي في عصر المماليك. لكن القلال والأزيار تحوّلت بمرور الوقت إلى مرايا تعكس الأوضاع الاجتماعية، إذ يدلّ غطاء القلة مثلا على الحالة المادية للأسرة، فالنحاس للأغنياء، والألومينيوم للأقل ثراء، والفقير يضع عليها قماشا أبيض، في حين أنّ عود نعناع أو ريحان على القلة أو بداخل الزير يوحّد الفقير والغني.

العم يحيى، صاحب ورشة، شرح لـ“العرب” مراحل صناعة الفخار، قائلا: تبدأ بإعداد الطين الطبيعي، في إناء عميق، لتهيئة العجين الذي يُقطع بعد ذلك إلى كتل حسب الحجم المراد تصنيعه، ثم توضع قطعة العجين على الدولاب لتشكيلها. وبعد ذلك توضع في الشمس لتجفّ ويتم حرقها ثم تتعرّض للهواء لتبرد، وفي بعض الأحيان تُلوّن أو تُجرى رسوم أو زخارف عليها لجذب الزبون.

من جهتها قالت أم طارق، عجوز صعيدية، لـ“العرب” إنّ القلة ارتبطت بالمولود في حين ارتبط الزير بالمتوفى، مشيرة إلى أنها سمعت من جدتها أن الأم عندما تفقد جنينها في شهور الحمل الأولى، تحتفظ به في قُلّة عقب تجفيفه في الشمس، وتضع عليه بعضا من الحناء مع ملح وسكر وتلفه بشاش أبيض، ثم تغلق القلة بالجبس، وحين يتأخّر إنجاب امرأة صديقة لها تكسر القلة باستخدام جنيه ذهب وتزور معبد دندرة، الواقع في محافظة قنا بصعيد مصر، اعتقادا بأنها ستتمكن آنذاك من الحمل.

هذه الخرافة أعطت القلة ميزة اجتماعية في مناسبات الاحتفال بالمواليد، حيث يجلبها الناس في احتفالية “سبوع” المولود فتزين وتملأ بالماء، ثم توضع عند رأس المولود، على العكس من الأزيار التي توضع في الشوارع كصدقة جارية على أرواح الموتى.

للقلة ميزة اجتماعية في مناسبات الاحتفال بالمواليد

“من فات قديمه تاه” يرقى هذا القول إلى درجة اليقين لدى الشيخ محمود، صاحب ورشة، موضحا لـ“العرب” أنه مع بداية فصل الصيف واقتراب شهر رمضان تشهد القلل والأزيار إقبالا من الناس على شرائهما بعد الانقطاع المتواصل للكهرباء العام الماضي.

كما قام المصريون بكسر القلل وراء الإنكليز بعد انتهاء فترة احتلالهم لمصر، وأصبح كل من يريد أن يتشفى في رحيل خصم له يكسر وراءه قلة، حتى لا يعود مجددا إلى المكان نفس. وكانت إحدى الفنانات قد كسرت قلة وزيرا بعد رحيل آن باترسون السفيرة الأميركية السابقة خلال فترة حكم الإخوان عن مصر.

في القرن الحادي والعشرين، لا يزال هناك من يعتقدون في عدم قدرة المبرّدات الكهربائية على هز عرش القلل والأزيار ومنهم عم حسن الذي يؤمن بأن القلة والزير سوف يختفيان من مصر عندما تختفي الشبابيك وعابرو السبيل، في إشارة إلى أن القلل توضع على الشبابيك لكي يتمكن أيّ عابر سبيل أصابه العطش من أن يشرب منها.

كتب التاريخ تذكر أن الدولة العثمانية قامت بتفريغ مصر من عمالتها الماهرة بأن نقلت الأكفاء منهم إلى عاصمتها الأستانة لتنشئ بهم صناعات حرفية لم تكن تعرفها، وبعد ما يقرب من 500 عام على “الحيلة” التركية يروي بعض شهود العيان في منطقة الفواخير أن قطر تحاول إعادة نفس الكرة مع عمال صناعة الفخار. فقد ذهب أشخاص قطريون إلى المنطقة وتعاقدوا مع عدد غير قليل من أمهر الحرفيين لكي ينتقلوا إلى الدوحة، ومنهم ابن محمد الشحات، أقدم صانعي الفخار، الذي أوضح لـ”العرب” أنها وفرت لهم أماكن وشيّدت لهم مصانع، ولم تشاركهم في أرباح بيع ما ينتجونه، وإنما كان الشرط الوحيد تعليم مواطن قطري سرّ الحرفة.

الشحات طالب الحكومة المصرية بالحفاظ على صناعة الفخار، من خلال خطوات بسيطة مثل إدخال العاملين بها في منظومة الضمان الاجتماعي الذي يكفل لهم العلاج والمعاش بعد التقاعد، لكي يشجع الأجيال الجديدة على احترافها وأن يتبعوا وزارة السياحة أو وزارة الآثار، باعتبار أن ما يصنعونه مادة تكميلية لبعض كلياتهم، ومن الضروري أن تكون أساسية، فبعض الطلاب يأتون إلى المكان لكي يتعلموا المهنة عمليا.

أحمد الصاوي، باحث في الآثار الفرعونية، أكد لـ“العرب” أن صناعة الفخار من أقدم الحرف التي عرفتها مصر، حيث قدّس الفراعنة الإله خنوم، خالق الكائنات الحية في معتقداتهم، وكانوا يصوّرونه أمام عجلة الفخار التي يشكل عليها الإنسان من الصلصال.

أحمد عبدالجليل، خبير الصحة العامة، ينصح المترددين عليه للعلاج من آلام المعدة باستخدام القلة، فهي تتميز كما قال لـ“العرب” بالمسامية بمعنى أن الفخار به مسام صغيرة تسرّب المياه ببطء شديد وباستمرار لإبقاء السطح الخارجي للقلة رطبا، وهذا بمثابة فلتر طبيعي يمتص الشوائب لتصبح المياه طبيعية، بالإضافة إلى أن درجة برودتها تكون طبيعية لا تؤدّي إلى تقلصات المعدة والتهابها.

20