المصريون يصوتون على موت نظام حكم ومولد نظام جديد

الخميس 2014/01/16
ملامح النظام المصري الجديد غير واضحة

لندن- لا شك أن عودة المصريين مجددا إلى صفوف الانتظار أمام لجان الاقتراع يشكل منعطفا جديدا في المشهد المصري المرتبك، ومع ذلك لا يمكن النظر إلى تصويت المصريين، الثلاثاء والأربعاء، على أنه إقرار لمسودة التعديلات الدستورية، بقدر ما هو تصويت على شرعية الإدارة المصرية الجديدة وعلى خارطة الطريق، ولكن ماذا بعد؟

يتوقع الكاتب المصري مصطفى بكري أن تتجاوز النتيجة النهائية للموافقة على الدستور نسبة 90 بالمئة.

الهيكل التنفيذي للدولة المصرية ليس بالهيكل المتماسك، وإنما يتشكل من ائتلاف من المؤسسات التي تحرص كل منها على الحفاظ على درجة من الاستقلال عن المؤسسة الأخرى. فالمجلس الأعلى للقوات المسلحة لديه قائمة بمصالحه، التي تختلف عن مصالح وزارة الداخلية، التي تختلف عن مصالح الحكومة المؤقتة بقيادة حازم الببلاوي رئيس الوزراء.

ملامح النظام الجديد تتضح عند التحام تلك المؤسسات ببعضها، وهي الحالة التي كانت تحظى بدعم إعلامي كبير (من قبل الإعلام المملوك للدولة وكذلك المؤسسات الإعلامية الخاصة) قبل الاستفتاء على الدستور. لكن إقرار المسودة، التي يستفتي عليها المصريون الآن، سينتج عنه تفكك هذا الالتحام طبقا للصلاحيات والسلطات التي حصلت كل منها عليها، ومن ثم ستجد الحكومة المؤقتة نفسها وحيدة في مواجهة سيل من الهجوم عليها من قبل وسائل الإعلام، التي عبرت عن عدم رضاها عن أداء تلك الحكومة على كافة المستويات.

يكمن مفتاح الانتقال الديمقراطي في مصر في الشعبية التي تتمتع بها خارطة الطريق، التي ترتبط ارتباطا مباشرا بشعبية الجيش. فعلى مدار فترة حكم السادات ومبارك ووصولا إلى 3 يوليو 2013 كانت المؤسسة العسكرية تستحوذ على ثقة 80 – 95 بالمئة من المصريين، طبقا لاستطلاعات معهد “غالوب” للرأي، وهو ما يضع الجيش في مكانة متقدمة عن كل مؤسسات الدولة الأخرى.

يبقى السؤال حول ما إذا كانت تلك الشعبية ستستمر في منحنى الصعود التي هي عليه الآن إذا ما قرر الفريق أول عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع، الترشح لمنصب الرئيس. نجاح السيسي قد يكون محسوما، وبفارق كبير عن أي منافس له.

ورغم أنه الرجل الأقوى في البلاد الآن، إلا أنه لم يقدم على ممارسة الحكم بشكل مباشر، وفضل ترك كافة الصلاحيات إلى وجوه مدنية (أغلبها تكنوقراط) لكي تتحمل العبء في مواجهة الأزمات الاقتصادية والسياسية التي تمر بها مصر، على الرغم من احتفاظه بـ “فيتو” على كافة قراراتها، لكنه لو قرر الانتقال إلى القصر الرئاسي، فسيكون الوضع مختلفا.

“الرئيس السيسي” سيكون عليه في الفترة المقبلة مواجهة مشكلات اقتصادية عميقة، وتداعيات أمنية أعمق. فاستمرار العمليات الإرهابية (سواء تصاعدت وتيرتها أو استمرت بنفس المعدل الحالي) سيقود الأجهزة الأمنية إلى التعامل معها بما يؤثر على مساحة من الحريات العامة. واستمرار التظاهر، من ناحية أخرى، سيساهم في تردد الكثير من المستثمرين في ضخ أموالهم في مصر، ومن ثم سيسعى النظام إلى وضع حد لتلك الممارسات المتكررة.

المشكلة تكمن في مدى قدرة الشرائح الواسعة من المجتمع المصري على التعايش مع تلك الإجراءات، واتجاه الجماهير في التعاطي معها، وهو ما قد ينتج عنه عودة المشهد إلى المربع الأول من جديد، إذا ما كانوا غير قادرين على ذلك.

تنظيم الإخوان المسلمين هو الكيان الوحيد الذي يجد مصلحة في الوصول إلى تلك المرحلة. فالجماعة تسعى بكل قوة إلى تعطيل مسار خارطة الطريق، وتعتقد أن انحسار شعبية الحكومة يتناسب عكسيا مع مؤشر شعبيتها.

في الداخل يعتمد التنظيم على التظاهر كتكيتك رئيس لإفساد خارطة الطريق، أما في الخارج فتسعى أذرع التنظيم وشبكة الجماعات المؤيدة له إلى إقناع حكومات دول كبرى بالضغط على الحكومة المصرية بهدف المساهمة في اهتزاز صورتها على المستوى الدولي، وهو ما يبدو بعيدا عن التحقيق واقعيا، لارتباط ذلك بصعوبة عودة الإخوان المسلمين إلى الحكم في مصر عمليا، واستبعاد إمكانية تغيير معادلة القوة الراسخة الآن في مصر.

جماعة الإخوان تبدو كأنها تعاني من إعاقة ما في داخل مصر وخارجها. وفقد الإخوان أثناء حكم محمد مرسي غالبية الشعبية التي كانوا يتمتعون بها، حتى وصل مؤشر تلك الشعبية إلى 15- 20 بالمئة قبل الإطاحة به بأيام، إلى جانب أن تحركاتهم لا تتجه نحو الخيارات الأفضل لعودة جزء من تلك الشعبية مرة أخرى.

في بيئة معقدة كتلك، تبقى الانشقاقات وانسحابات الأعضاء هي العامل الأخطر الذي يواجه التنظيم، ومن ثم دفعه إلى احتمالين: إما العودة إلى العمل تحت الأرض كما اعتاد في السابق، أو الموت الإكلينيكي، في انتظار موجة إحياء جديدة كتلك التي شهدها التنظيم في بدايات السبعينيات من القرن الماضي.

على جانب المشهد، هناك مجموعة لا تشكل أكثر من 5- 10 بالمئة من المجتمع المصري لا تريد دعم خارطة الطريق أو جماعة الإخوان المسلمين. يبقى هذا التيار بعيدا عن الشكل التنظيمي الذي قد يمكنه من لعب دور مؤثر داخل المعادلة السياسية الحالية.

ما يعوق تلك المجموعة عن التحول إلى رقم في المعادلة هو الضغط الكبير الذي تتعرض له من قبل مؤيدي الحكومة وخارطة الطريق من جهة، والإخوان المسلمين والتنظيمات المؤيدة لهم من جهة أخرى.

السبب الآخر في عدم تمكنها من لعب دور هام هو غياب القدرة على منافسة أي من المعسكرين، وكذلك انحسار الشعبية بين صفوف الجماهير، وهو ما بات واقعا بعد الحملات الإعلامية التي اعتمدت تشويهها وإلصاق اتهامات التعامل مع جهات خارجية بها، حتى وصل الأمر إلى اعتقال بعض من أفرادها لعدم الالتزام بقانون التظاهر. ويبدو أن تلك المجموعة قد بدأت في اتخاذ خطوات فاعلة لبدء معركة طويلة الأمد مع النظام الجديد، على أمل تكرار سيناريو الحشد الذي نجح في إسقاط حسني مبارك في شتاء عام 2011.

7