المصريون يفضلون الأمن على القوت

الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي الخيار الوحيد أمام المصريين  لضمان استقرار البلاد.
السبت 2018/03/24
الاقتصاد ومكافحة الإرهاب مفتاح الفوز

القاهرة - أيام قليلة تفصل المصريين على الانتخابات الرئاسية، التي تبدو محسومة لصالح الرئيس عبدالفتاح السيسي، وذلك لأسباب تتعدى فكرة غياب منافس قوي يواجه الرئيس إلى قراءات أعمق لواقع المجتمع المصري الذي مازال يشعر برهاب ما بعد ثورتي 25 يناير 2011 و30 يونيو 2013، وما حصل بين الزمنين من تدهور اقتصادي وأمني وصعود للإرهاب، الأمر الذي يفسّر لماذا مازال يتمتع السيسي بشعبية نسبية بين قطاعات واسعة من الشعب المصري لا سيما الكادحة منها رغم بعض الإجراءات القاسية التي طالتها واعتراف الرئيس نفسه بها، مطالبا إياها بالمزيد من الصبر حتى تجاوز هذه المرحلة العصيبة.

في قرية أبوشوشة المطلة على نهر النيل في صعيد مصر، لا يخفي الأهالي رغبتهم في استمرار عبدالفتاح السيسي رئيسا للبلاد عشية الانتخابات الرئاسية التي تبدأ الاثنين، في موقف لا يختلف كثيرا عن بقية المحافظات المصرية، ويستمد قوته من رغبة شعبية في استقرار البلاد بعد ثورتين أثّرتا على الوضع الاقتصادي وتسبّبتا في غلاء المعيشة فيما يترافق كل ذلك مع تصاعد لموجة الإرهاب.

وتأتي مطالب الأمن والاستقرار على رأس أولويات المصريين، فالحرب على الإرهاب والجهد المبذول أمنيا يجعلانهم يتغاضون عن غلاء المعيشة وتراجع الحريات، آملين في تحسن الأوضاع ولو بعد حين، حيث يكفيهم أن الدولة ومؤسساتها مازالت قائمة ولم يطلها ما حل ببلدان عربية أخرى.

السيسي يخوض الانتخابات الرئاسية التي تجرى بين 26 و28 مارس الجاري أمام مرشح وحيد هو موسى مصطفى موسى، رئيس حزب الغد

ويلخّص طارق محمد حافظ، تاجر الماشية الصعيدي، حتمية انتخاب السيسي في نظر الكثير من المصريين، بقوله بحماس “نحن رأينا الأمان بعد السيسي”.

ويؤكد حافظ، الأربعيني في جلبابه المقلّم الفضفاض الذي يأتي بانتظام إلى “سوق الأربعاء” الأسبوعي في قرية أبوشوشة بمحافظة قنا، على بعد 650 كيلومترا جنوب القاهرة، أنه قبل أن يتولى الرئيس المصري زمام الأمور في البلاد، “لم نعرف الأمن ولم نسمع عنه، المرأة لم تكن تستطيع حتى الذهاب إلى الطبيب”.

وبدا أن أغلب الحاضرين في ساحة السوق، حيث يبيع التجار مختلف أنواع المواشي، من أبقار وجواميس وخراف، ويعرض بائعو الخضروات والطيور بضائعهم، يوافقونه رأيه، وهو يقول “لا أحد ينفع غير السيسي.. الدول من حولنا انهارت”.

وعُد السيسي رمزا للتخلص من حكم الإخوان، وتصاعد تأييده على خلفية الحرب ضد الإرهاب الذي ضرب عمق العاصمة والمحافظات المصرية لتتقلص آثاره خلال 4 سنوات من حكم السيسي وينحصر في سيناء، والتي انطلقت فيها عملية عسكرية شاملة لاستئصاله.

مرحلة جديدة

يخوض السيسي الانتخابات الرئاسية التي تجرى بين 26 و28  مارس الجاري أمام مرشح وحيد هو موسى مصطفى موسى، رئيس حزب الغد الذي لا يعد منافسا حقيقيا.

ومثل حافظ أبدى كثيرون داخل وخارج أروقة سوق الأربعاء تأييدهم الشديد لبقاء السيسي سواء كانوا من بسطاء الناس أو من أثريائهم. ولكنهم لم يخفوا كذلك همومهم الثقيلة، ما يشي بأن الناخبين سيمنحون أصواتهم للسيسي، وفي المقابل يتطلعون إلى تحسين أوضاعهم وأن شروط الولاية الثانية ستشهد تغييرا.

ويقول حسين حافظ، المدير السابق بوزارة التربية والتعليم وقد جلس على أريكة خشبية أمام منزله المطل على النيل في القرية، “نحن أصلا لا نعرف المرشح الثاني وهو نفسه يقول إنه سيرشح السيسي”. وفي أحد حقول الخس تحت شمس الظهيرة الحارقة، يقول أديب حليم بكساموس (72 عاما) وهو ميكانيكي، “المزارع يخسر لأن كل شيء صار غالي الثمن.. الكهرباء أسعارها مرتفعة والمبيدات كذلك وإنتاج فدان الخس كان يباع بـ10.000 جنيه الآن يباع بـ3.000 جنيه فقط”، فلا يغطي مصروفاته. ويتابع الرجل المسن، الذي يرتدي جلبابا رماديا متّسخا بطين الحقل وقد ظهر على وجهه السخط من الغلاء أكثر من تحمسه للإدلاء بصوته في اقتراع الرئاسة المنتظر، “السيسي رجل جيد وكل شيء فعله جيد لكن الغلاء سيء وأنا أسأل إذا كان من الممكن أن يرخص الحال بعض الشيء لأن العامل لا يجد ما يأكله”.

يتمتع بشعبية كبيرة لدى الطيقة المتوسطة
يتمتع بشعبية كبيرة لدى الطبقة المتوسطة

على بعد نحو 70 كلم شمال أبوشوشة في محافظة سوهاج لم تكن لافتات الدعاية للسيسي بنفس كثافتها في القاهرة. ففي الشوارع وفي أكبر ساحتين في المدينة، ميدان الثقافة وميدان العارف، اقتصرت اللافتات المؤيدة للرئيس المصري على تلك التي وضعها أعضاء البرلمان وبعض أصحاب الأعمال والأثرياء.

وفي منطقة نجع أبوشجرة الشعبية في المحافظة، صاح صيدلي رفض الإدلاء باسمه خشية التعرض للمتاعب على حد قوله، “لقد تمنيت فقط أن اختار بين مرشحين عديدين لا أن يصبح الخياران أمامي إما عبدالفتاح وإما السيسي”، في إشارة إلى عدم وجود منافس جاد للرئيس المصري.

وبالرغم من قلة الدعاية، إلا أن معظم الناس تفضل بقاء السيسي في الرئاسة خصوصا بسبب تحسن في الأوضاع الأمنية. ومن أمام دكانه العتيق ذي النوافذ الخشبية حيث يبيع قطع غيار يقول ماهر بشاي (66 عاما) الذي يناديه أصدقاؤه بـ”أبومينا” إنه مستعد لتأييد السيسي “لولاية واثنتين وثلاث وأربع، فنحن نريد بناء دولتنا”.

لكن حماس أبومينا العارم يتناقض مع مواقف آخرين من أهالي سوهاج، حيث قال عثمان (21 عاما) العامل في مصنع طوب، بلا اكتراث في تصريحات نقلتها وكالة فرانس برس، “أنا لا أشغل بالي بالانتخابات، فلدي عملي وأعيل إخوتي وزوجتي.. أنا لا أعرف كيف تسير البلد، فلماذا سأصوت وفي ماذا يفيد رأيي”.

ولا يختلف رأي رمضان، الذي تحدثت إليه “العرب”، كثيرا عن رأي عثمان حيث قال إنه لا يهتم بالانتخابات ولا تشغل باله، موقنا أن “تصويته من عدمه لن يشكل فارقا في تلك المعركة”.

ويبدو المستقبل حالكا في نظر رمضان، الذي يعمل خفيرا في إحدى المؤسسات منذ نحو 35 عاما، فهي مهنة توارثها عن أبيه، بينما تعيش أسرته وأبناؤه في إحدى محافظات الصعيد بعيدا عنه، إذ يقول إنه “لا ينتظر تغييرا بل المزيد من الفقر بفعل غلاء الأسعار والأوضاع الاقتصادية الصعبة”، لافتا إلى “أن أصحاب المؤهلات العليا لا يستطيعون العيش في ظل الأحوال الاقتصادية الراهنة، فكيف سيكون مصيره وهو الذي لم يكمل تعليمه ولم يحصل سوى على الشهادة الإعدادية”.

الرهان على الطبقة المتوسطة

في الكثير من اللقاءات والمؤتمرات على مدى العام ونصف الماضيين، طالب السيسي المصريين بالصبر خصوصا على غلاء المعيشة حتى يتمكن من إصلاح الأوضاع الاقتصادية. ويرى مدير تحرير مجلة الديمقراطية -الصادرة عن مؤسسة الأهرام- عاطف سعداوي أن الرهان في الانتخابات المصرية يقع على الفئات الفقيرة والطبقة البسيطة.

تصاعد تأييد السيسي على خلفية الحرب التي أعلنها ضد الإرهاب الذي ضرب عمق العاصمة والمحافظات المصرية

وقال سعداوي لـ“العرب”، إن الطبقة البسيطة هي الحاضنة الشعبية لكل إجراءات السيسي الحالية، لافتا إلى أن الرئيس المصري يستمد شعبيته من هذه الطبقة عبر قضية الأمن والاستقرار والتي تحظى بالأولوية بالنسبة إليها، على عكس بقية طبقات المجتمع والنخب التي تأتي مطالب الحرية والانفتاح والديمقراطية من بين اهتماماتها”.

وتوقع سعداوي ألا تنعكس حالة السخط بسبب الغلاء والإجراءات الاستثنائية على نسب التصويت. وأطلق السيسي برنامجا للإصلاح الاقتصادي للحصول على قرض من صندوق النقد الدولي قيمته 12 مليار دولار.

وفي إطار هذا البرنامج تم تحرير سعر صرف الجنيه المصري في نوفمبر 2016  ما أدى إلى موجة ارتفاعات كبيرة في الأسعار بعد أن فقدت العملة الوطنية أكثر من نصف قيمتها.

وبلغ التضخم ذروته في يوليو 2017 حين سجّل المؤشر السنوي 2.34 بالمئة، إلا أنه أخذ في الانخفاض إلى أن وصل إلى 3.14 بالمئة في نهاية فبراير الماضي.

ويعيش نحو 28 بالمئة من سكان مصر (96 مليون نسمة) تحت خط الفقر فيما تبلغ نسبة الفقر في بعض مناطق الصعيد أكثر من 50 بالمئة، وفق الإحصاءات الرسمية.

الحرب على الإرهاب تحدد مسار انتخابات 2018

7