المصريون يقاومون الإرهاب بالابتهالات الدينية والترانيم الكنسية

المصريون يلجؤون إلى الإنصات للأناشيد الدينية الإسلامية، وترانيم صلوات الكنائس، بحثا عن إعادة الود، والتوازن الروحي الذي من شأنه أن يعزز مشاعر المحبة والوئام ويغذي الانتماء إلى وطن يعيش فيه الجميع دون تفرقة عقائدية منذ المئات من السنين، ومن هنا تأتي مسؤولية الجميع في الحفاظ على السلم الأهلي.
الخميس 2016/12/22
شمعة محبة تتحدى القتل والإرهاب

القاهرة – الإنشاد الديني الإسلامي والترانيم المسيحية، من الفنون الدينية، التي اُبتدعت منذ زمن بعيد، لتهذيب النفس، وتخليص الروح من شوائبها، بالتقرب إلى الله، من خلال كلمات وأشعار وألحان شجية.

والتعددية الدينية في مصر بين مسلمين ومسيحيين، أنتجت جوانب إنسانية مشتركة بين الطرفين، جعلت من الصعب التفريق بينهما على أسس مذهبية أو طائفية، حيث يتعامل كلاهما، على أنهما مصريان أصحاب وطن واحد، رغم المكائد والأعمال الإرهابية التي تحاك ضدهما.

لكن في السنوات الأخيرة، ومع انتشار الفضائيات المصرية العابرة للمحافظات والقرى، باتت هناك برامج دينية يحتل منصاتها “مشايخ”، يبثون أفكارا خاطئة عن الدين الإسلامي في التعامل مع أهل الكتاب من المسيحيين المصريين، ويطلقون فتاوى يتلقفها البسطاء معدومو الثقافة الدينية -بل وحتى البعض من الحاصلين على درجات علمية– فيتأثرون بها.

ومن بين تلك الفتاوى، ما يحرّم على المسلم مصافحة المسيحي، أو دخول بيته، أو تهنئته في أعياده، أو التعامل معه تجاريا، أو الزواج من مسيحية- رغم أن الرسول تزوج من قبطية- وغير ذلك من الفتاوى، التي يصدقها الكثيرون.

حادث الكنيسة البطرسية بالقاهرة، والذي فجّر فيه شاب مسلم نفسه بحزام ناسف وراح ضحيته 26 مسيحيا وإصابة آخرين بينهم أطفال، عندما كانت الكنيسة تقيم صلوات القداس، أغضب الشارع المصري بمسلميه ومسيحييه، وراح المنشدون يتغنون بالقصائد الدينية الإسلامية، التي تحث على معاملة أهل الكتاب بكرم، وأقامة الكنيسة للترانيم التي تدعو إلى السلام.. وبدا أن المصريين يواجهون الإرهاب بالأناشيد الدينية والترانيم.

ولأن الإنشاد الديني عموما، كما يقول محمد رأفت عثمان عضو هيئة كبار علماء الأزهر لـ“العرب”، تصل كلماته للعموم والفقراء وأصحاب الثقافات المحدودة، فإن رسالته تكون أكثر وصولًا وتأثيرا من الخطاب الديني نفسه، والذي يحتاج لسنوات كثيرة لتنقيحه وتطويره.

وأشار عثمان إلى أن هذا النوع من الفنون الدينية، يؤثر بأشعاره في النفوس بشكل كبير، ويفوق تأثير البرامج الدينية في الفضائيات، حيث أن تلك الفنون، تدعو إلى التقرب إلى الله، والتمسك بسنة الرسول، وما يندرج تحتها من أخلاقه الكريمة في معاملة أهل الكتاب.

ويُرجع مؤرخون فن الإنشاد الديني إلى بداية ظهور الإسلام، مع أول آذان أطلقه بلال بن رباح -مؤذن الرسول- حيث كان يرتله بصوت جميل وجذاب يشبه التواشيح في شكلها الحالي، وكذلك كان للصحابة في عهد الرسول الذي كان لشاعره حسان بن ثابت، دور كبير في ذلك، وبعدها انتقل هذا الإبداع إلى المؤذنين في مصر والشام والعراق وغيرها من الدول الإسلامية.

مؤرخون يرجعون فن الإنشاد الديني إلى أول آذان أطلقه بلال حيث كان يرتله بصوت يشبه التواشيح في شكلها الحالي

وفي عهد الدولة الأموية، تحول الإنشاد الديني من مجرد مديح وتهليل، إلى فن له ضوابطه وإيقاعاته، واشتهر بينهم إبراهيم بن المهدي وأخته علية، وأبوعيسى صالح، وكذلك الموسيقار زرياب، الذي كان من أشهر الموسيقيين في عهد الخليفة الواثق.

ثم مع الفاطميين في مصر، تطور هذا الإنشاد، فشغل حيزا كبيرا من اهتمام الدولة، التي اهتمت بالاحتفالات والمناسبات الدينية.

ولم يقتصر الأمر على أعياد المسلمين، بل كان المنشدون والمبتهلون في الدولة الفاطمية ينشدون بأمر من الدولة، في عيد الغطاس ويوم العهد، وذلك لمشاركة المسيحيين احتفالاتهم الدينية، ومؤازرة روح المواطنة، ثم تم تطوير تلك الأناشيد في ما بعد، ليتغنى بها الدراويش والطوائف المتصوفة كجلال الرومي، ليصبح في ما بعد فنا له فلسفته الخاصة. ومصر من الدول التي تهتم بشكل كبير بالإنشاد الديني، وتدعو سنويا فرقا من 22 دولة حول العالم ناطقة باللغة العربية وغيرها من اللغات، إلى مهرجان سماع الدولي، في الفترة من 20 إلى 27 من شهر سبتمبر من كل عام.

وقال الشيخ على الحسيني، المنُشد والمبتهل بالإذاعة المصرية لـ“العرب”، إن مصر واحدة من الدول التي تتميز بالأناشيد الدينية، ويتجلى فيها الشعراء والمنشدون بأبهى صور المديح للرسول والتضرع إلى الله.

وأشار إلى أن الكثير من قصائد الإنشاد، تؤثر وتقوّي العلاقة بين المسلم والمسيحي في مصر وتدعو إلى اتباع أخلاق النبي، في التسامح والكرم والتعامل مع أهل الكتاب.

وشرح الشيخ الحسيني كيف أن الأناشيد والابتهالات والمديح جميعها تدعو إلى السماحة والحب، لافتًا إلى أنه يقيم ابتهالات في القرى والنجوع البعيدة، في الفترة الحالية، ويحاول مجتهدا أن يوصل رسالة التسامح ونبذ الفتنة والكراهية، التي زرعها من سمّاهم بالخوارج، (وهو الوصف الذي يصف به التنظيمات الإرهابية)، في نفوس المسلمين تجاه الأخوة المسيحيين، مضيفا أن الرسول الكريم قال “من روّع أخاه، ولو بحديدة، دخل النار”، فما بالنا بمن يفجر نفسه ويقتل العشرات، بينهم أطفال، دون ذنب؟

أما بالنسبة إلى الترانيم المسيحية، فقد انتشرت بشكل كبير مع بداية القرن العشرين، وهي تتوافق مع فكرة الإنشاد الديني الإسلامي، في دعوتها إلى التسامح والرقي الأخلاقي، والتغاضي عن الكره والعنف، وفي الكنائس المصرية، الرئيسية والمحلية، يوجد كورال لكل كنيسة، يتغنون بالقصائد في الاحتفالات والمناسبات الدينية، وكذلك في الصلوات.

وعقب حادث البطرسية، انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي بشكل كبير، البعض من أجزاء الترانيم، والتي تحمل في معناها معاني التسامح والتراحم، التي وصّى بها النبي عيسى عليه السلام، وكذلك كان المصريون -وبينهم مسلمون- في المقاهي وداخل البيوت، ينصتون للترانيم الجنائزية على أرواح من ماتوا في هذه الكنيسة.

وقال حسام أديب ناشد، أحد أعضاء لجنة التحكيم بمهرجان الكرازة المرقسية في الموسيقى والكورال، إن هناك نوعين من الترانيم، واحدة تتُلى داخل الصلاة، وتعتبر جزءا منها، وهناك الترنيمة التي تسمى بالألحان الكنسية، وعُرفت منذ سنوات طويلة، وتقال في الاجتماعات الروحية، كما أنها تقال قبل الصلاة، لتأهيل النفس روحانيا للقاء الله.

وتابع لـ”العرب”، أن هناك الترانيم الاحتفالية، والتي تتضمن موضوعات كثيرة، منها شكر الرب والتضرع إليه، والتوبة له ومناجاته، والتأمل في أعمال القديسين.

ورأى أديب أن كلمة “إرهاب”، كلمة جديدة على المجتمع المصري، وأن محاولات إحداث الفتنة بين المسلمين والمسيحيين، كانت دائما ما تلقى مصيرها الفاشل، لافتا إلى أن السيد المسيح دعا كثيرا إلى الحب والتسامح حتى أنه يقول “أحبوا أعداءكم”، فما بالنا بالمسلمين إخواننا الذين نعيش معهم ونتنفس نفس الهواء؟

13