المصري محمد عبلة يستعيد أسطورة سيزيف بمجسمات حداثية

"النحت وسنينه" معرض نحتي جديد للفنان المصري محمد عبلة يضم ثمانين منحوتة منفّذة على خامة البرونز.
السبت 2021/04/03
الجمالي والتجاري يجتمعان في كرات ضوئية

"النحت وسنينه" هو عنوان المعرض النحتي الثالث في مسيرة الفنان المصري محمد عبلة، والذي تتواصل فعالياته حتى الخامس عشر من مايو القادم بغاليري “أكسيز للفن” بالعاصمة المصرية القاهرة ويضمّ المعرض ثمانين منحوتة نفّذها خلال السنوات الثلاث الأخيرة باستخدام خامة البرونز.

القاهرة - في ثالث معارضه النحتية بعد “برة الكادر” (خارج الإطار) (2018) و”لعب بالنار” (2019)، يواصل الفنان المصري المخضرم محمد عبلة تجربته النحتية الحادثة في مساره الفني.

فبعد مشواره الطويل في الرسم والحفر لأكثر من أربعة عقود قضاها في التجريب المستمر، ارتأى عبلة بعد بلوغه سن الستين تغيير نهجه الفني ليقتحم مجال النحت. وما معرضه الجديد المعنون بـ”النحت وسنينه” (النحت وسنواته) والمقام حاليا بغاليري “أكسيز للفن” بالقاهرة إلاّ تتمة لهذا التوجّه الجديد من الفنان الذي يقدّم فيه ثمانين منحوتة منفّذة على خامة البرونز.

ويعترف عبلة بصعوبة هذا الاختيار، قائلا “كنت أبحث عن وسيلة وتقنية أستطيع أن أنقل بها مشاعري الفنية دون تقيّد بمراحل النحت الطويلة، واستطعت أن أبتكر وسيلة أنقل بها الرسم إلى النحت مباشرة، دون المرور بخطوات الصبّ والقالب التقليدية، وهكذا استطعت الاحتفاظ بحيوية رسومي عند انتقالها إلى منحوتات، والحفاظ على القيم التصويرية التي أريد أن أنقلها دون أن أفقد إحساسي الخاص”.

وهو في ذلك يعمل على تقديم شيء جديد ومختلف في سياق التجديد والتطوير لإرث الحضارة المصرية القديمة في التجسيد، رغم صعوبة التعامل مع الخامة في تصنيعها وتطويعها عبر الحرارة.

محمد عبلة: أحاول تبسيط فن النحت ليكون شبيها بأعمالي في فن الرسم
محمد عبلة: أحاول تبسيط فن النحت ليكون شبيها بأعمالي في فن الرسم

ويضيف “تكمن الصعوبة أيضا في أننا كمصريين لدينا علاقة قوية بتاريخنا القديم وذاكرتنا العظيمة والإنجازات التي حقّقها المصري القديم في النحت، لذلك لا بد من التفكير في إضافة شيء جديد ومختلف”.

ويستند عبلة إلى تخصّصه الأكاديمي وممارسته المتأخرة لفن النحت، وهو الذي درس النحت في كلية الفنون والصناعات بمدينة زيورخ السويسرية عام 1981، بعد تخرّجه من كلية الفنون الجميلة في الإسكندرية سنة 1977، وصمّم تمثالا يعكس أسطورة سيزيف، حيث لا يزال منتصبا في مدينة فالزروده الألمانية.

ويذهب الفنان المصري في منحوتاته الجديدة إلى تصوير العلاقة بين الإنسان والصخرة التي يتجاوزها معها في حالات وهيئات مختلفة في تعبيرات رمزية للأسطورة الإغريقية التي عاقب زيوس فيها سيزيف بأن يحمل صخرة من أسفل الجبل إلى أعلاه، فإذا وصل إلى القمة تدحرجت إلى الوادي، فيعود إلى رفعها إلى القمة من جديد، ويظل هكذا إلى الأبد، لتصبح رمز العذاب الأبدي.

وضمن هذه الفضاءات، يطرح عبلة تساؤلاته عن وجود الإنسان من خلال تقديمه في شكل من الحوار بينه وبين الصخرة في فضاء درامي مركزه الحركة دون الانتباه إلى ملامح العنصر البشري في محاولة للتركيز عليه كجزء من الكون والوجود في إطار تفاعلاته معهما.

وفي أعمال أخرى دائرية هي أقرب إلى فوانيس كهربائية مقعّرة على شكل الكرة الأرضية، كوكبنا الأزرق الحامل لآلامنا وآمالنا، تتلاحم الأجساد البشرية مشكّلة بترابطها الحميمي نوعا من الطوق الذي ينجينا وينجيها، أي الأرض، من أي حادث خارجي طارئ يتهدّدها ويتهدّدنا.

وتضفي الإضاءة على الفوانيس بعدا فلسفيا إلى جانب أبعاده الجمالية المتصلة بفن النحت من زاوية نظر عبلة الخاصة، فتنعكس الظلال المشعّة من الصباح الكهربائي على جدار الغرفة أو المكتب أو المتحف الحاضن للعمل/ التحفة، لتغدو لعبة الظلال وتعدّدها منحوتات أخرى إضافية خارجة من أيقوناته المفاهيمية يراها المُشاهد دون أن يتلمّسها فعليا، فيهيم بها وفيها ومع ما تمنحه إياها دلالاتها الرمزية المتحوّلة متى غيّر زوايا النظر إليها. فالفوق ليس شبيها بالتحت، ولا اليمين كما هو اليسار، حتما.

وربما تكون هذه المصابيح/ المنحوتات هي ما ميّزت تجربة عبلة النحتية الجديدة عن معرضيه السابقين، وهو الذي يقول “هو تحدّ جديد أراني قادر عليه بالتراكم، حاولت هنا أن أبسّط فن النحت ليكون شبيها بأعمالي في فن التصوير”، مشيرا إلى أن تجربته مع فن النحت مستمرة في المرحلة المقبلة.

وولد محمد عبلة في المنصورة بمحافظة الدقهلية عام 1953، وهناك أمضى طفولته وأنهى المدرسة لينتقل بعدها إلى الإسكندرية عام 1977 لبدء الدراسة الفنية لمدة خمس سنوات في كلية الفنون الجميلة.

رحلته الفنية بدأت بمعرضه الفردي الأول في المركز الثقافي الإسباني، انطلق بعدها في رحلة إلى أوروبا استمرت سبع سنوات، زار متاحف إسبانيا وفرنسا وبلجيكا وألمانيا، وهناك عرض معرضه الفردي الأول في شمال ألمانيا في غاليري هومان، وبعد عامين انتقل إلى فيينا لدراسة الرسومات وعرضها في معرض المعهد العربي الأميركي.

وبعد عام، استمر في زيوريخ لدراسة الرسم والنحت، ليعود إلى مصر ليجري العديد من المعارض الفردية والجماعية في أتيليه القاهرة، وغاليري المشربية، وغاليري شيبا، وغاليري الزمالك للفنون وغاليري برلين للفن.

 وفي العام 2007 أسّس مركز الفيوم للفنون، حيث يلتقي الفنانون للعمل والتعاون، وفي عام 2009 أسّس أول متحف للكاريكاتير في الشرق الأوسط.

وحظي عبلة بتقدير دولي، وقام بتدريس الفنون في السويد والنمسا وفي الجامعة الأميركية في القاهرة، وهو الذي عاش لسنوات بين مصر وسويسرا وألمانيا إلى أن عاد إلى وطنه في العام 1985 ليستقر بشكل نهائي بين القاهرة والفيوم.

14