المصري محمود سالم يحيي فنون أجداده الفراعنة بأسلوب معاصر

الفنان يسعى لتخليد الماضي مراوحا بين الأصالة والمعاصرة.
الاثنين 2021/04/19
رؤية تشكيلية معاصرة تحاول الحفاظ على الماضي

تحظى الأقصر بتراث فني مبهر توارثته الأجيال منذ الحضارة الفرعونية وفنانيها وما تركوه خالدا إلى اليوم. وقد أثّرت البيئة الفنية العريقة في المدينة المصرية في مختلف الفنانين المقيمين بها، وإن كان أغلبهم فنانين فطريين فإن منهم من اختار التكوين الأكاديمي ليقدم تجربة أكثر ثراء ووعيا وعمقا على غرار الفنان محمود سالم.

الأقصر (مصر) - على مشارف أسوار معابد هابو الأثرية الشهيرة في البر الغربي لمدينة الأقصر المصرية التاريخية، الغنية بمئات المقابر وعشرات المعابد التي شيدها ملوك وملكات ونبلاء ونبيلات مصر القديمة، يقيم الفنان التشكيلي المصري محمود سالم الذي تأثر بشكل لافت بمحيطه في جل أعماله.

 وقد فتح الفنان في مدخل منزل عائلته ورشة فنية لممارسة فنون النحت، وتطل الورشة على التلال والمعالم الأثرية لمقبرة طيبة القديمة التي تمتد بطول عدة كيلومترات في عمق المنطقة التي كانت قبيل آلاف السنين مركزا لسكن الفنانين من قدماء المصريين الذين نحتوا ونقشوا ورسموا تلك التماثيل والجداريات واللوحات التي تُزين المعابد والمقابر المنحوتة في صخور جبل القرنة الذي يحتضن بدوره مجموعة المعابد والمقابر والمعابد الجنائزية التي تُعد أحد مقاصد السياحة الثقافية المصرية.

عشرات المنحوتات

الفنان محمود سالم ينتمي إلى منطقة غنية بالعشرات من الفنانين الفطريين الذين يمتهنون صنع لوحات وتماثيل على غرار ما كان يصنعه أجدادهم من سكان المنطقة قديما، لكن سالم استطاع أن يشق طريقاً آخر تمثل في دراسته للفنون التشكيلية المعاصرة، والانضمام إلى عضوية نقابة الفنون التشكيلية المصرية، والمشاركة في معارض وورش نحتية محلية ودولية، اكتسب من خلالها خبراته وتمكن من امتلاك أدوات الفنان التشكيلي المحترف.

عشرات المنحوتات من كل أنواع وألوان حجر الجرانيت، ومن أخشاب متعددة، تُزين ورشته الفنية التي تتقدمها كميات ضخمة من الأخشاب بكل أنواعها؛ فقد خبر سالم تفاصيلها واطلع على تكويناتها، عرف صلابة بعضها وعرف مرونة الأخرى، وصار يمتلك خبرة واسعة في اختيار قطع منحوتاته.

الفنان يربط التراث الفني للأقصر بالمدارس التشكيلية المعاصرة محاولا مد روابط بين الفنون القديمة والمعاصرة

لكن الحجر لا يغيب عن المكان، ولا عن المعروضات التشكيلية التي تضم العشرات من القطع الفنية مختلفة الأشكال والأحجام.

تحولت ورشة سالم الفنية إلى معرض تشكيلي دائم، وسط أجواء مفعمة بالماضي حيث تحيط بها تلال ومعالم أثرية وهي كذلك قريبة من بوابات وأسوار معابد هابو التاريخية الشهيرة، ومعبد الربة إيزيس الذي يحمل اسم “دير شلويط” وما يُعرف بمنطقة الملقطة الأثرية وتلالها، بجانب مجموعة المباني العتيقة التي تتفرد بها المنطقة، والتي باتت تشكل مجموعة بانورامية لافتة مع بقية معالم المنطقة.

وبخصوصياتها تلك، إضافة إلى ما تقدمه من أعمال فنية، صارت الورشة اليوم مزاراً مألوفا للعشرات من الفنانين التشكيليين من داخل مصر وخارجها، إلى جانب أنه يتردد عليها العشرات من الأكاديميين ودارسي الفنون في أقسام كلية الفنون الجميلة بجامعة الأقصر.

وأصبح المكان الذي أنشأه سالم يجمع معالم الماضي الفني الذي تتفرد به مقبرة طيبة ومنطقة البر الغربي لمدينة الأقصر، بجانب ورشة ومنحوتات فنية يستحضر بعضها ذلك الماضي التليد من تاريخ الفنون القديمة التي عرفها سكان المنطقة على مدار آلاف السنين، ويقدمه الفنان برؤية فنية وتشكيلية معاصرة تجمع بين الأصالة والمعاصرة.

بداية مبكرة

Thumbnail

بدأ الفنان المصري محمود سالم مسيرته الفنية في سن مبكرة، مثله مثل الكثير من أبناء جيله الذين ترعرعوا وهم يشاهدون أجدادهم ومن سبقوهم من سكان طيبة ونجوع مقبرة طيبة القديمة -غربي الأقصر الآن- وهم يقومون بنحت ورسم وتقليد قطع فنية على غرار تلك الموجودة داخل المقابر والمعابد القديمة التي تعج بها المنطقة.

ومنذ طفولته المبكرة راح سالم يمارس شغفه بالفن، بتشكيل أشكال وقطع فنية فرعونية، كان ينحتها ويشكل ملامحها من مادة الطين المنتشرة بكثرة في المنطقة، مثل نحته لتوابيت ومومياوات وقطط ومسلات فرعونية، ثم يقوم ببيعها للسياح من الأجانب والمصريين الذين يترددون حتى اليوم على معابد ومقابر قدماء المصريين في البر الغربي لمدينة الأقصر، وهي المنطقة التي تشتهر بمقابر للملك توت عنخ آمون، والملكة نفرتاري، ومعبد شهير للملكة حتشبسوت، وغير ذلك من مقابر ومعابد لكبار ملوك وملكات ونبلاء ومشاهير مصر القديمة.

وكان سالم في تلك البدايات الفنية المبكرة يقوم باستلهام أفكار منحوتاته من ذاكرته الخاصة، وما يراه من جولاته وسط المعابد والمقابر القديمة، وتلك الورش المنتشرة حتى اليوم، والتي تقوم بنحت قطع أثرية مقلدة وبيعها للسياح.

ومع بدايات دراسته للفنون التشكيلية واطلاعه على المدارس الفنية ومشاركته في الورش والمعارض والملتقيات التي تنظمها كلية الفنون في مدينته الأقصر والمؤسسات الثقافية والفنية المصرية في كل من الأقصر وأسوان والمنيا والقاهرة، راح سالم يقدم منحوتاته لجمهوره بأفكار جديدة، وبدأ يتخذ من الطبيعة الريفية في البر الغربي للأقصر، وما تضمه من صور ومشاهد ومفردات تشكيلية، مصدرا لاستلهام أعمال فنية تقدم للعالم وتجسد بيئة ثرية ومتفردة.

مع تطور تجربته راح سالم يجسد ويوثق صورا ربما أوشكت على الاندثار على غرار ما حدث في البيئات القريبة الأخرى، ونجده مثلا يجسد الفلاحين وعمليات البذر والحصاد، وأدواتهم الزراعية التراثية العتيقة مثل المحراث الذي تجره رؤوس الماشية، والنورج الذي يستخدم في موسم حصاد القمح وغيره من الزراعات، وعربة “الكارو” التي تجرها الحمير، ويستعين بها الفلاح في نقل المحصول والأسمدة وغير ذلك. وحتى بعض ما تشتهر به البيئة الريفية من حيوانات، حرص أيضا على تجسيدها بشكل فني.

مقتنيات تطوف العالم

Thumbnail

بجانب مشاركته في قرابة 20 معرضا وملتقى فنيا محليا ودوليا، فإن مقتنياته الفنية تنتشر لدى عشاق منحوتاته في بلدان عربية وأجنبية عدة، مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وإيطاليا، إضافة إلى وطنه مصر.

ويواصل الفنان محمود سالم ما يصفه بمشروعه الفني الخاص، في إحياء فنون أجداده من قدماء المصريين، وما قدموه من أعمال فنية خالدة باتت تمثل اليوم تراثا للإنسانية جمعاء، وتتمثل في تلك التماثيل والمنحوتات والجداريات التي تنتشر وسط مقابرهم ومعابدهم، وصارت مادة فنية خصبة يدرسها المهتمون بالفنون والباحثون والآثاريون وعلماء المصريات، في مصر والعالم، مع ربط ذلك التراث الفني لأجداده بالمدارس التشكيلية المعاصرة، في محاولة لمد روابط الوصل والاتصال بين الفنون القديمة والمعاصرة.

15